الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

حجتي «الأخلاقية» في تفضيل ترامب على كلينتون

حجتي «الأخلاقية» في تفضيل ترامب على كلينتون
تعتبر السنوات العشر لتولي حماس السلطة في غزة نسبياً أفضل سنوات الأمن لإسرائيل، وهذا مفتاح لفهم السياسة العالمية نحو الشرق الأوسط.

حين تمدد الإرهاب الإسلامي ليضرب «العدو البعيد» في عمليات إرهابية عالمية، ظهر في الخطاب العالمي تياران رئيسان:

تيار اعتذاري أصحابه هم أنفسهم أصحاب الخطاب الاعتذاري الاستعماري، وهو يحمِّل «الإمبريالية الرأسمالية الغربية» المسؤولية عن شرور العالم كافة، ومنها الإرهاب.

هذا الخطاب محبب طبعاً في دولنا، إذ يعفينا من المسؤولية ويلقيها على غيرنا. وبالتالي نتلقفه. أما في العالم الغربي، فهذا الخطاب منتشر بالذات في أوساط الأكاديميا والإعلام الخاضعين لسيطرة نسبية أكبر من اليسار.

أما التيار الآخر، فيرى أن الإرهاب الإسلامي ليس رد فعل، بل جزء أصيل من تعاليم الثقافة في المجتمعات الإسلامية، وأنه باق ومستقر بتقديم نفسه على أنه هو الدين الإسلامي، وبالتالي تحصين نفسه من الانتقاد وتهديد منتقديه الفكريين. باختصار، يرى هذا التيار أن المجتمعات الإسلامية لم تتجاوز القرون الوسطى في علاقتها بالخطاب الديني، وموقعه من السياسة.

لم يكن هذا استطراداً يأخذنا بعيداً من موضوع غزة، بل تمهيد يقودنا إلى صلب الفكرة. لقد قدم النموذج الغزاوي «الانتخابي» حلاً مرضياً للطرفين في التعامل مع الشرق الأوسط. كيف؟
أصحاب الخطاب الاعتذاري حصلوا على «تجربة انتخابية» يستطيعون بها، بعد أن يروا أنفسهم في صورة ترضيهم، أن ينفذوا طرحهم. معارضوهم حصلوا على مكسب لا بأس به، وبدل التعامل مع جماعات هلامية وقادرة على التنصل من مسؤوليتها أمام القانون، ألبسوا هذه الجماعات ثوب السلطة، وحولوها إلى كيان تمكن محاسبته كحكومة مسؤولة.

هذا بالنسبة إلى العالم الغربي. أما في منطقتنا، فكان الكاسب طرفاً واحداً فقط. حصل الإسلاميون في حركة حماس على الأغلبية، وشكلوا الحكومة. ثم لم يعيدوا التجربة «الديموقراطية» مرة أخرى. انكفأوا على أنفسهم، وغرقوا وأغرقوا القطاع بها.

لقد أغرى هذا سياسيي الغرب بتكرار التجربة، ظناً منهم أنها ستحقق لهم ما حققه وصول حماس إلى السلطة لإسرائيل، مزيداً من الأمن، وانكفاء الإسلاميين على خصوم الداخل.
ثم كانت السنة التي قضاها الإخوان في حكم مصر.

قبل وصولهم إلى السلطة كنا نعلم أن المواطن الغزاوي هو الطرف المهمل من تقييم التجربة الغزاوية، لا هو استفاد معنوياً بوعود حماس «الجهادية» بانتصارات إلهية مؤزرة، ولا استفاد مادياً في معيشته اليومية. على العكس، صار مصرَفاً لإحباط حماس. لكن الإعلام «اليساري الإسلامي» نجح في صرف الأنظار عن هذه الحقيقة، متذرعاً مرة أخرى باختلاف الظروف، ومكرراً مرة بعد مرة، حجة أن سلوك حماس رد فعل للاحتلال الإسرائيلي وليس ثقافة راسخة.

لكن سرعان ما فوجئ مصريون بالجماعة الحماسية الأم، الإخوان المسلمين، تسرع الخطى في تحويل مصر إلى غزة. رئيسها يطلق تهديدات طائفية، ويستدعي الخلاف الطائفي التاريخي في السياسة، وأنصاره يحاصرون المحكمة الدستورية، ويتحولون تحت حمايته إلى ميليشيا تفض اعتصامات بنفسها، وتطلق التهديدات للخصوم الفكريين والسياسيين.

أما في ليبيا المجاورة، والتي أسفر الانتخاب فيها عن نتيجة في غير صالح الإسلاميين، ضرب هؤلاء بالانتخابات عرض الحائط. وسيطرت الميليشيات، مدعومة من دول المصالح النفطية في أوروبا، على المناطق الحيوية في البلد.

بدت أميركا التي يرأسها أوباما، معتنق الخطاب التحرري (راجع كتابه «أحلام من أبي»)، في حيرة من أمرها، فهو يريد أن يعيد تجربة العراق في سورية، لكنه لا يريد أن يستخدم الحرب كما استخدمها بوش. ويريد أن يطبق تجربة غزة في مصر، بالجماعة الأم لحماس، منتظراً أن تسفر عن نتائج غير تلك التي أسفرت عنها في غزة.

أدت هذه السياسة إلى كارثة وخلقت صراعات متجددة على أساس طائفي وعرقي سنعيش معها فترة طويلة. كما أدت إلى مزيد من الاستنزاف لثروات المنطقة، ناهيك عن مشكلة اللاجئين التي ضربت أوروبا، مصحوبة هذه المرة بخطة متعمدة لتسريب إرهابيين.

اليمين الغربي هو الذي صرخ أولاً، لأسباب تتعلق بفلسفته السياسية. وفي بريطانيا وأميركا، علا نجم من تحدوا الصوابية السياسية.

وصلنا إذن إلى هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.

في رأيي، وبناء على ما تقدم، أرى أن انتخاب هيلاري كلينتون يعني استمرار المسار الكارثي ذاته. أقول كارثي لأن خياريه كليهما سيئان: إما أن يصل الإسلاميون إلى الحكم و «يطفئوا النور»، أو أن يستمر الصراع، لأنهم يرون جزرة السلطة سانحة أمامهم.

وليس هكذا الوضع مع ترامب، لا لأسباب إنسانية أخلاقية، فاليمين لا يعترف بالأخلاق المنفصلة عن النتائج، بل لأسباب براغماتية بحتة. وللأسباب البراغماتية ذاتها، أرى أن التصريحات التي يطلقها وتمس دولاً في المنطقة، بخصوص فاتورة الدفاع، تصريحات بلا معنى، لأن أميركا قبل ترامب وبعده لم ولن تفعل شيئاً «لوجه الله»، فليست السياسة مجالاً لهذا، أقصد أن الفاتورة مسددة بالفعل.

نأتي الآن إلى نقطة مختلفة قليلاً، تبدو ثانوية، لكنها كانت بالغة الأهمية في السنوات الأخيرة في مصر. نقطة الخطاب «الأخلاقي».

هيلاري في السياق الأميركي، محسوبة على اليسار، الذي يحلو له الاعتقاد أنه يملك ناصية «الثقل الفكري»، بينما التجربة الانتخابية في مجتمعات لا تؤمن بالحرية السياسية والعقيدية أسوأ شيء يمكن أن يحدث لمستقبل الديموقراطية.

قيود القرون الوسطى على التفكير التي لا يزال الإسلاميون متمسكين بها، جزء أصيل من المنظومة السياسية لذلك العصر. الجميع كل متكامل، وإقحام الانتخابات وحدها في هذه المنظومة يشبه إقحام مصعد في بناء قديم متهالك. ليس في هذا الفعل «ثقل فكري»، ولا «تقدمية»، بل حمق مجرد، وضيق أفق، وعجز عن فهم تطور التاريخ، وستكون نتيجته سقوط البناء. لو تهاونّا في التزام الأحزاب الإسلامية بحرية التفكير، والتخلي عن العنف، وتسليم السلاح، وفي الوقت ذاته احتكمنا إلى الانتخابات، فنحن نقدم لهم بمنتهى الحمق خدمة العمر، نمنحهم العملية الانتخابية وسيلة تعفيهم من عناء حمل السلاح والاستيلاء على السلطة بالقوة، لكنها لا تمس خطابهم القمعي ضد خصومهم السياسيين والفكريين. نجعلهم كمن يبارزون خصماً مكبلاً.

هل يعني هذا التخلي عن الديموقراطية؟ بالعكس. أريد شخصاً يقول للجماعات الإرهابية إن الإرهاب لن يجدي، ولن يُكافَأ، ولن يُغض الطرفُ عنه، ولا عن حاضنيه، لا في أميركا ولا في أي مكان. هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى الديموقراطية. أن يسمع العوام خطاباً مباشراً عن حقيقة ما يراه العالم فينا، أن يفهم الإسلاميون أن لا ديموقراطية إلا… بالديموقراطية، بكل ما تعني الكلمة، وإلا فليواجهوا منطق الغلبة والاستيلاء الذي لا يزالون يحملونه ويهددوننا به كما يفعلون مع العالم.

لا أريد مشروع «غزة الكبيرة» الذي تبنته هيلاري كلينتون أياً ما كانت تسميته، ولا أن يتحول حالي إلى حال مواطن غزاوي تحت حكم حماس، بضيق أفق حماس وسلطويتها، ولا أريد أن أكون في الأخير مصرف إحباط الإسلاميين حين يفشلون في تنفيذ وعودهم بالنصر الإلهي.
مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة