تمر أمريكا في الوقت الحالي، بفترة صعبة يُمكن وصفها بـ"الخريف"، على صعيد علاقتها بدول العالم، التي لا يُمر يومًا إلا ويتم ضربها بأزمة جديدة، تنوعت بين أزمات قضائية وأخرى سياسية عمقها الاختلاف الدائم في وجهات النظر، حتى شاخت واشنطن في آخر أيام الرئيس الأمريكي باراك اوباما داخل البيت الأبيض.
"السعودية"
تسير قاطرة العلاقات الأمريكية مع السعودية أقوى حلفائها في الشرق الأوسط في طريق الانحراف، بعد أزمات عدة ضربتها خلال الفترة الآخيرة.
وجاء تصديق مجلس الشيوخ الأمريكي، الأربعاء، على قانون "جاستا" رغم إشهار أوباما حق الاعتراض "فيتو"، ليسكب الزيت على نار الاضطراب بينهم، فيقضي القانون بمحاكمة الدول المتورطة في أحداث 11 سبتمبر ومن بينهم السعودية، وفقًا له.
ذلك القانون يعد مؤشرًا خطيرًا على العلاقات الاستراتيجية التي تجمع المملكة بأمريكا، والمصالح الاقتصادية بينهم، فقد يدفع إلى هروب رؤوس الأموال الأجنبية والمليارات من السوق الأمريكي خشية من الابتزاز وتعرضها للتجميد بأوامر قضائية من محاكم أمريكية.
ويتضح ذلك في تصريح سابق لوزير الخارجية الأمريكي عادل الجبير الذي قال فيه: "صدور هذا القانون سيقوض ثقة المستثمرين في السوق الامريكي، فالأمر لا يخص السعودية وحدها"، وهي التصريحات التي فهمت بأن السعودية سوف تسحب استثمارتها أمريكا في حال تمرير مشروع القانون هذا.
تلك الخطوة إذا تمت تعتبر ضربة قوية للاقتصاد الأمريكي، فحجم الأصول الرسمية السعودية في الولايات المتحدة بين 500 مليار دولار وتريليون دولار، كما تمتلك المملكة 96.5 مليار دولار في أصول تحت إدارة وزارة الخزانة تجعل منها المستثمر رقم 15 في لائحة مالكي أصول الخزانة الأمريكية.
ونوه موقع "العربية نت" السعودي، في تقرير له بعنوان: "الرياض تملك وسائل للرد على جاستا"، إلى ما يمكن أن تفعله السعودية إزاء هذا القانون، معتبرًا أن العلاقات بينهم باتت على المحك، وقد ينتهي الأمر بخسارة واشنطن أقوى حلفائها في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن الرياض قادرة على إقناع دول مجلس التعاون الخليجي بإن تحذو حذوها، وإتباع سياستها التي قد تشمل تجميد التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي والاستثمار والسماح للقوات المسلحة الأمريكية باستخدام قواعد المنطقة العسكرية.
"المستشارين العسكريين"
لم يكن ذلك القانون هو الصدام الأول الذي يضرب عمق العلاقات بين البلدين، ففي أغسطس الماضي، أعلن الجيش الأمريكي سحب المستشارين العسكريين المقيمين في الرياض المشاركين في تنسيق الغارات الجوية التي تنفذ ضمن عاصفة الحزم.
كانت الخطوة مفاجئة بشكل كبير وغير مبررة، سوى أن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، أعلن وقتها إن التعاون الذي تقدمه واشنطن للرياض منذ تجدد القتال في اليمن متواضع وليس شيكًا على بياض.
"الاتفاق النووي"
كذلك فإن اتجاه أمريكا نحو إيران مطلع العام الحالي وتوقيع الاتفاق النووي مع مجموعة "5+1"، جعل حلفيتها السعودية تتخوف من أن تمتلك طهران بهذا الاتفاق سلاح نووي، وتوسع نفوذها الشيعي المتشدد في المنطقة.
وتأكيدًا لذلك فقد رأى الأمير تركي الفيصل سفير السعودية في أمريكا السابق، خلال تعليقه على الإتفاق النووي، أن الأخيرة تتخلى عن أصدقائها وحلفائها الحاليين للتقرب من أعداء أمثال إيران.
"روسيا"
وعند الحديث عن العلاقة بين أمريكا وروسيا، نجد أن الأزمات واختلاف الرؤى هو السمة الأساسية فيها، بعدما عمقت الأزمة السورية الخلاف بينهم، بسبب تنوع الرؤى والمصالح في حلب.
ففي الوقت الذي تدخلت فيه موسكو لدعم الأسد عبر ضربات جوية ضد داعش عام 2015، لم تكن هذه الضربات في إطار التحالف الدولي الذي شكلته الولايات أمريكا ضد التنظيم بل كان أشبه بالفعل المنفرد دعمًا لبشار الأسد ولمصالح روسيا في المنطقة.
اشتد ذلك الخلاف ووصل إلى أوجه، في آخر مفاوضات جمعت الطرفين خلال الهدنة السورية التي تم الإتفاق عليها في جنيف، والتي كشفت عن عدم توافق وجهات النظر بينهما، بل وصل الأمر بهم إلى حد تبادل الإتهامات والتراشق داخل مجلس الأمن الدولي.
واتهمت روسيا نظيرتها بإنها تدعم داعش في الخفاء وتعرقل مسار الحل السياسي، وهددت واشنطن بإن توقف التعاون بينهم في سوريا، ما لم يتم وقف القصف في حلب، وهو الأمر الذي اعتبرته الخارجية الأمريكية يؤثر على العلاقات بينهم ويقودها إلى الهاوية، ويضرب بالتنسيق بينهم عرض الحائط.
الخلاف الكبير بينهم بشأن سوريا، دفع الكثيرون للتوقع بقيام حرب باردة بين الطرفان، لاسيما أن أوكرانيا جمعتهم في أزمة جديدة خلال عام 2014، وهو ما قامت على إثره واشنطن بوقف التعاون الاقتصادي مع موسكو، لفترة معينة تعبيرًا عن الاستياء من غزو روسيا لأوكرانيا آنذاك.
"ألمانيا"
ولا ننسى في خضم الأزمات التي ضربت علاقة أمريكا بدول العالم، ما حدث بينها وبين ألمانيا خلال آواخر عام 2015؛ بسبب فضيحة التجسس الكبرى التي هزت واشنطن بعد تسريب وثائق من مكتب التحقيقات الفيدرالي، أفادت بتجسس الإدارة الأمريكية على حلفائها في أوروبا.
الأمر دفع ألمانيا إلى سحب سفيرها من واشنطن، واستدعاء السفير الأمريكي في برلين، وحدث وقتها معركة كلامية بين ألمانيا وواشطن، أعلنت الأولى في نهايتها أن مثل هذه الأحداث المتكررة تسبب توترًا في التعاون الألماني الأمريكي الحيوي على الأصعدة كافة.
"تركيا"
وتعد تركيا من حلفاء واشنطن أيضًا، الذين وقعوا تحت مقصلة الاضطرابات، ووضعت الأزمة السورية العلاقات بينهم تحت ضغط هائل، وتوتر نتج من اختلاف الأولويات بينهم، فأنقرة تريد إسقاط نظام الأسد وتعتبره خطرًا على حدودها، وتنحصر جهود أمريكا في محاربة تنظيم داعش.
وفي يناير الماضي عبر أدوغان عن استياؤه من الحروب الجوية التي تشنها واشنطن على داعش قائلًا: "إذا فعلتم شيئًا فافعلوه بشكل صحيح، وإذا كنتم تنوون القيام به معنا، فعليكم أن تقدروا قيمة ما نقوله".
ويمثل الأكراد خلافًا بين أنقرة وواشنطن، فتعتبرهما الأولى عدو لها، وتتخذهم الأخيرة حلفاء لقيام دولتهم في حدود سوريا، وهو ما ظهر جليًا في تهديد التركي أردوغان نظيره الأمريكي خلال يونيو الماضي، قائلًا: "على أمريكا أن تختار بين مساندة الأكراد أو حماية المصالح مع أنقرة".