كشف الخبير النفطي الإسرائيلي "يوسي مان" عن ملامح الصراع المتزايد بين السعودية وإيران على احتلال أسواق نفطية جديدة في أوروبا. وذلك في مقال نشره موقع "ميدا" العبري الثلاثاء 20 -9-2016.
إلى نص المقال..
لم يخلف الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط فراغا. ثمة دولتين رئيسيتين تتقاتلان على الهيمنة- السعودية وإيران. وتفعلان ذلك في ساحات مختلفة كسوريا، واليمن والعراق، إذ يقوم كل طرف باستخدام أو تمويل مقاولين مختلفين.
نشبت مؤخرا حربا كلامية حادة بين الدولتين حول أحداث الحج، ومرور عام على الكارثة الجماعية التي شهدتها مكة العام الماضي بسبب الزحام الشديد.
اتهم المرشد الإيراني الأعلى على خامنئي السعوديين بالمسئولية عن الكارثة وطالب بسلبهم صلاحيات إدارة الحج. لم يقف السعوديون مكتوفي الأيدي، بل اتهم المفتى السعودي الإيرانيين بأنهم "ليسوا مسلمين".
في عصر يتسم بعدم الاستقرار المتزايد في أعقاب الاتفاق النووي، تتغلغل إيران أكثر في العراق، ويواصل السعوديون التسلح. ويزداد الخطاب تطرفا، ولا تلوح هدنة في الأفق.
لكن هناك ساحة أخرى، ليست معروفة كثيرا، حمي فيها وطيس هذه المعركة. إنها الساحة الاقتصادية، ومن يريد أن يفهم بشكل صحيح خارطة المصالح الإقليمية فعليه أن يعرفها. بالمناسبة فإن الطاقة البترولية والغاز هي مصدر تمويل رئيسي للسعودية وإيران على حد سواء.
في الفترة التي سبقت تراجع الأسعار وأزمة النفط التي اندلعت عام 2014، كان من الممكن تمييز نموذج محدد في الصراع بين السعودية وإيران في مؤتمرات أوبك. ففي وقت وقفت إيران على رأس المعسكر الذي دعم ارتفاع الأسعار للوفاء بالمتطلبات الاقتصادية المتنوعة للدول النفطية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، قادت السعودية المعسكر الذي دعم سياسات "الأسعار المتوازنة" كي لا يسعى المستهلكون للانتقال لبدائل طاقة أخرى وللحيلولة دون تباطؤ الاقتصاد العالمي في أعقاب ارتفاع أسعار الطاقة.
لكن، الأزمة التي اندلعت في أبريل 2014 وأدت لانهيار أسعار النفط من نوع "برنت" من 115 دولار إلى 27 دولار للبرميل في أغسطس 2015، وضعت حدا للنظريات التقليدية المتعلقة بطريقة إدارة السوق.
تعزيز وضع صناعة النفط الصخري الأمريكي، وتحسن قدرة الضخ في حقول النفط في البلاد، وإنهاء المقاطعة النفطية لإيران، ورفع التهديدات عن صناعة النفط العراقية من قبل قوات داخلية، والانخفاض الحاد في المخزونات في أعقاب مخاوف من ارتفاع الفائدة بالولايات المتحدة والصراع الداخلي في الأوبك حول توزيع الحصص لكل دول المنظمة- كل هذا دفع الدول النفطية لاسيما إيران والسعودية، للإدراك أن عليهم السعي لزيادة حصة السوق على حساب محاولة ضبط معدل الضخ.
نتيجة لذلك انتهجت السعودية في نوفمبر 2014 سياسة "رامي ليفي" (تاجر جملة إسرائيلي معروف) عبر تقديم تخفيضات غير مسبوقة لكبار الزبائن في أسيا وتحديدا في اليابان والصين وجنوب كوريا والهند. سرعان ما اتبعت إيران سياسة مماثلة، وحققت نجاحا كبيرا.
إن كان هناك من شكك في عام 2015 في قدرة إيران على العودة لانتاج كامل في أعقاب المقاطعة النفطية التي فرضت عليها في السنوات السابقة وأضرت كثيرا بحصتها السوقيةـ خاصة في شرق أسيا، فقد نجحت في يوليو 2016 في العودة لانتاجها الكامل بـ 3.63 مليون برميل يوميا- وهي الكمية التي وفقا لمحلليين كان يتوقع إنتاجها وتسويقها في أواخر 2017.
أنبوب إيراني من بولندا لأوكرانيا
شهدت حرب الأسعار بين عملاقتي النفط الشرق أوسطيتين مؤخرا تحولا مفاجئا. سعت إيران منذ شهور للعمل في أسواق كانت في الماضي تحت رعاية روسية، مثل بولنداوأوكرانيا.
في الأسبوع الماضي صرح وزير المالية البولندي بأن حكومته تدرس بجدية استيراد النفط من إيران، وإذا ما حازت جودة المنتجات الإيرانية على رضاهم فسوف يوقعون اتفاقات طويلة المدى مع الحكومة في طهران.
أوكرانيا من جانبها سارعت هي الأخرى للإعلان أنه إذا ما اشترت بولندا النفط من إيران، فإنها سترغب في استيراد النفط الإيراني بواسطة أنبوب يمر عبر الأراضي البولندية.
الخطوة التي تتبعها الدولتان واضحة، وهدفها تقليص التعلق بالطاقة الروسية على خلفية تخوف بولندا من التأثير على السياسة والاقتصاد المحليين من خلال قطاع الطاقة الروسي، لاسيما في ظل تاريخ الكريملين في إدارة الأزمات مع الدول المجاورة من خلال قطع مصادر الطاقة الخاصة بها.
بولندا اللاعب المهم بوكالة الطاقة الدولية (IEA) والتي تلعب دور توفير أمن الطاقة لـ 28 دولة، ترى الآن في الصراع على الأسواق فرصة لتنويع مصادر الطاقة وربما أيضا إضعاف وضع روسيا بالمنطقة.
السبب الرئيس في انطلاق التنافس على الأسواق بشرق ووسط أوروبا هو تشابه نوعية النفط الإيراني والسعودي، والتخفيضات غير مسبوقة التي قدمتها الدولتان لعملائهما بالغرب.
علاوة على ذلك، تشعر إيران مؤخرا بأنها تفقد السوق الياباني لصالح السعودية، وبناء على ذلك بدأت في عرض بضاعتها على الحكومة اليابانية. تتطلع إيران للتوسع بعد ذلك في دول أخرى بالمنطقة تتخوف من الهيمنة الروسية في مجال الطاقة مثل المجر والتشيك وسلوفاكيا.
وبشكل فعلي، في يوليو الماضي انضمت الحكومة الإيرانية لشركة النفط البولندية "لوتوس" التي تعمل بمدينة غدانيسك الساحلية لإتمام الصفقة. سرعان ما أدركت السعودية أن توسيع الأسواق الإيرانية في بولندا يحمل في طياته إمكانية للإضرار بهيمنتها على سوق النفط العالمي، وسارعت بعد ذلك لدخول سوق النفط البولندي هي الأخرى بعد اتصالات مع "أورلن" أكبر شركات النفط البولندية، التي تنافس "لوتوس" على السوق المحلي.
تجسد هذه السياسة المعركة الدائرة بين الدولتين على حصة السوق. وفيما تنافسا قبل عام على من يقدم أعلى تخفيضات، فإن الصراع الآن على حصص السوق الجديدة والتوقيع على عقود طويلة المدى.
حاليا، تحافظ روسيا على ضبط النفس فيما يتعلق بالتدخل الإيراني في أسواقها التقليدية. ويبدو أنها في انتظار دراسة حجم التجارة الإيرانية في أوروبا، وأنها ستوافق على إدخال ناقلة بترول واحدة كل شهر إلى الأراضي البولندية، وليس أكثر من ذلك.
لكن في حالة واصلت إيران خسارة الأسواق بشرق أسيا فيمكن أن تضطر لاحتلال أسواق جديدة بشرق ووسط أوروبا، الأمر الذي يمكن أن يحدث صداما بين الكريملين وطهران ويؤدي لتعاظم الصراع بين السعودية وإيران للسيطرة على السوق العالمي والأوربي على وجه التحديد.
الدكتور "يوسي مان" رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة "بار إيلان" الإسرائيلية والخبير في أسواق النفط بالشرق الأوسط وفي اقتصاديات دول الخليج.