كثرة وتعدد التحديات التي تواجهها مصر في الوقت الحالي، ووقوعها في براثن إرهاب طاحن، دفع الأصوات التي تنادي بتشكيل ما يُعرف باسم "حكومة الحرب" إلى التعالي مُجددًا، لاسيما أنها جاءت في وقت تقف فيه حكومة المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء مكتوفة الأيدي أمام الكثير من الأزمات، فجاءت تلك الفكرة تعويضًا عن فشل الحكومة الحالية.
"البرلمان يُطالب"
النداء تلك المرة خرج من أسفل قبة البرلمان ولاقى ترحيبًا ليس ضعيفًا، تزعمه النائب مصطفى بكري، مُطالبًا بتكشيل حكومة حرب تواجه المخططات التآمرية التي تحاك ضد مصر، فتأتي تلك الحكومة المُنتظرة لتكون على دراية واسعة وخبرة كبيرة في المجال الأمني والاقتصادي، وتخول لها صلاحيات واسعة.
واستكمالًا لتفسيرات النائب حول مطلبه، فشدد على ضرورة أن تعمل تلك الحكومة على خفض نبرة التذمر والانتقاد في المرحلة المقبلة، والذي يُعد جزء من حماية الأمن القومي، موضحًا أن وسائل الإعلام العالمية تنشر تقارير لم تعد سرية حول وجود مخططات تستهدف أمن وسلامة ووحدة مصر.
حكومة الحرب سيكون مطلوب منها اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة وجريئة؛ لأن مصر فعليًا في خضم حرب ضد الإرهاب يهدد الأمن القومي، فالحكومة إذا تشكلت من أسماء لواءات متقاعدين ستكون الأنسب مع المرحلة، التي تتطلب الانضباط والعمل الحاسم، وفقًا له.
واستند بكري إلى أن كثيرًا من دول العالم تلجأ إلى فكرة حكومة الحرب خلال الأوقات العصيبة التي تمر بها، مثل إسرائيل التي تعتمد طوال تاريخها على حكومات الحرب، ومصر تريد حكومة جادة وحاسمة تأخذ على عاتقها مهمة التصدي للتحديات ومجابهة المخاطر.
"ما هي حكومة الحرب؟"
بداية.. أن ظهور مصطلح حكومة الحرب كان خلال الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي ببريطانيا، عندما أطلقه الرئيس البريطاني "ونستون تشرتشل" على حكومته لإثارة الحماس لدى الشعب البريطاني.
إلا أنه يحمل ثلاث معاني وفقًا لتجارب عالمية سابقة، فهي أما أن يُشكل مجلس من لواءات وخبراء أمنيين متقاعدين لديهم علاقة جيدة بالدولة وتاريخ مُشرف، تستطيع أن تقود الدولة إلى جانب الحكومة أو بديلًا عنها في فتراتها العصيبة.
والمفهوم الثاني، هو أن يتشكل مجلس من خبراء ذوي تاريخ مُشرف أيضًا، في مجالات عدة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وإعلامية، يكون مهمته أن تضع مزيدًا من السياسات الاقتصادية الناجحة المدروسة.
وآخر مفاهيم حكومة الحرب، أنه هو المجلس الذي يتم تشكيله بشكل مُصغر وقت الحروب فقط بحيث تكون عبارة عن مجموعه من الوزراء العسكريين ووزراء التموين والداخلية والإعلام، لمعاونة وزير الدفاع على مواجهة الأزمات الداخلية، حتى لا تؤثر على مسار المعركة أو الحرب.
"غير واردة"
ومن أجل مزيدًا من التوضيح لمفهوم حكومة الحرب وفائدتها، استطلعت "الدستور" آراء خبراء الشأن السياسي الذين حددوا معنى حكومة الحرب والتوقيت المناسب لها، مستبعدين أن يكون هذا الأمر واردًا في مصر خلال الفترة الحالية.
"لا داعي لها"
تقول الدكتورة نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أن حكومة الحرب لا تلجأ لها الدول ألا في حالة خوضها لحروب سواء أهلية داخل الدولة أو عسكرية مع دولة أخرى، بحيث أنها تحتاج إدارة عسكرية في كل المجالات متأهبة طوال الوقت، وهي الحالة التي تتنافى مع مصر في الوقت الحالي.
وتضيف: "معايير حكومة الحرب لا تنطبق على مصر، لأنها ليست منقسمة سياسيًا أو جغرافيًا أو اجتماعيًا حتى يختار كل فصيل حكومة خاصة به عن الآخر"، مشيرة إلى أن حكومة الحرب تشبه حكومات سوريا واليمن فكل تيار لديه حكومة وتنوعت بين العسكرية والسياسية والمعارضة.
ولفتت إلى أن مصر دولة ذات سيادة، ولديها نظام قضائي ومؤسسي، وحكومة حتى وإن كانت مقصرة في بعض الأمور فليس الحل هو التهويل وتخويف الشعب بإننا في حاجة إلى حكومة حرب، موضحة أن اقتراح مجلس النواب غير وارد تنفيذه لأنهم لا يملكون الآليات التي يعوضون بها فشل الحكومة الحالية.
وتشير إلى أن حكومة الحرب بشكل عام تعني إصطلاحيًا سلطة مفوضة بصلاحيات واسعة، تأتي كي تؤدى ثلاثة مهام رئيسية ضمان الأمن وتوفير الاستقرار وتشجيع الاستثمار ومراعاة عدم تفريغ النمو الاقتصادي من مضامينه الاجتماعية.
"مزايدة مرفوضة"
وأعرب الدكتور أحمد دراج، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عن استنكار من مقترح النواب بتكشيل حكومة حرب، واصفًا إياها بـ"المزايدة المفروضة"، التي جاءت بسبب عجز النواب عن تقديم بدائل معقولة ومفيدة تعوض فشل وزارء حكومة شريف إسماعيل.
ويضيف: "حكومة الحرب تنشأ في ظروف معينة ولأسباب واضحة غير متوافرة حاليًا، فضلًا عن أن الأزمة الحالية ليس في وجود حكومة عادية أو حكومة حرب، إنما في عدم وجود كفاءات قادرة على إدارة شؤون البلاد، وتكرار السياسات رغم تغيير الوجوه".
ولفت إلى أن النواب يستخدمون "شماعة" الإرهاب والتحديات بطرح مقترح حكومة الحرب ليظهروا في دور "حلال المشاكل" فقط، بدون دراسة مسبقة للمقترح وأسبابه وظروف نشأته، وهو الأمر الذي يدل على عدم إدارك النواب للمشكلة الرئيسية التي تمر بها البلاد.