الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

«ورد وياسمين» مسرحية تدين المجتمع.. وتنصف ذوي القدرات الخاصة

«ورد وياسمين» مسرحية تدين المجتمع.. وتنصف ذوي القدرات الخاصة

وثيقة إدانة مسرحية تقدم بها المخرج شريف فتحى، للجمهور على خشبة المسرح العائم، بعرض «ورد وياسمين»، الذى يحمل عنوانه باقة تفاؤل ليست لنا، ولكنها مقدمة من وإلى أبطال العرض من فرسان الإرادة، بينما وجهت الإدانة لمجتمع كامل، نهشته المادية لدرجة دفعته لانتهاك حقوق ذوى القدرات الخاصة، لا الاحتياجات الخاصة، الذين تصدوا لبطولة هذا العمل، فى تجربة هى الأولى من نوعها على خشبة مسرح الدولة.

وإذا أردت أن تكتشف مشاركتك فى جرم انتهاك حقوق الإنسان، يمكنك الجلوس على مقاعد المتفرجين، فى العرض الذى تمتد لياليه على خشبة المسرح العائم حالياً، وهناك لن تجد ممثلين يتقمصون شخصيات ليست لهم، ولكنك ستجد من تصفهم بالعمى، والصمم، والخرس طوال الوقت، وستجد ذوى الإعاقات الحركية، وقصار القامة، يوجهون إليك اتهاماتهم بشكل مباشر، وستكتشف انفعالك طوال العرض مع أحداث تنبض بالمصداقية، وستتقبل كل ما يوجه إليك من اتهامات، وانت تصفق لجرأة منتقديك، الذين لم يجدوا مجتمعاً يحنو عليهم، أو يمد لهم يد العون، فقرروا تحديه بالفن، وتقديم عرض مسرحى غنائى استعراضى، مفرط فى الحزن والبهجة فى آن واحد.

«ورد وياسمين» عرض ملىء بأشواك المجتمع المصرى، مغرق فى تفاصيل أزمات ما تعارفت عليهم الحكومة باعتبارهم أصحاب الـ5% المستحقين لوظائفها، دون أن تمنحهم سوى القليل منها، والعرض بمثابة وقفة احتجاجية ضد مجتمع لا يؤمن بقدراتهم الخاصة، ولا يحنو على أى منهم، لدرجة أنهم فضلوا «كرسى»، و«عكاز»، و«سماعة»، على المجتمع المصرى بأكمله، لأنهم يرون إنسانية هذه الأدوات وحنوها عليهم، أكثر مما يجدون من اهتمام لدى البشر، ويؤكد العرض على تملص الجهات الحكومية المختلفة من فتح أبواب العمل أمامهم، رغم استيفائهم لشروطه المختلفة، باستثناء عدم توافقهم مع نظرة التمييز التى تتعامل بها الجهات الحكومية معهم.

العرض الذى تقدمه فرقة مسرح الشباب، برئاسة الدكتور أسامة رؤوف، استعان بمترجمة للغة الإشارة، لتحقيق تواصل مع غير القادرين على السمع، كما ترجمت احتجاجات بعض الممثلين على المسرح، والتى جاءت دلالة على جهلنا بلغة من يعيشون معنا، ليؤكد العمل على القدرات الفنية والاستعراضية لكثير من ذوى القدرات الخاصة، الذين نصفهم بالمعاقين، رغم أن الإعاقة كما وصفها أبطال العرض، ليست إعاقة جسم بس.. ولكنها إعاقة ناس لا تحس، إضافة لتعبيرهم عن امتهان كرامتهم فى الشارع المصرى، وتعرضهم لمزيج من السخرية والمضايقات التى تصل إلى حد التحرش بهم، وكلها آفات لا يمكن التغاضى عنها أو تجاهلها، خاصة أن هذه الفئة المهمشة تطلب العمل، والمساهمة فى نهضة هذا الوطن ورفعته، لأنهم يرون أن كل شىء يفقد يمكن تعويضه، إلا الوطن الذى إذا ضاع فلن نجد له بديلاً مهما بحثنا.

الرسائل التى حملها العرض لم تقتصر على الجمل الحوارية، او المشاهد التمثيلية التى تعبر عن تهميش ذوى القدرات الخاصة فى التعليم والعمل على حد سواء، ولكنها امتدت للتعبير عن معاناتهم من خلال الغناء والاستعراضات، ليلخص ذوو القدرات الخاصة رسالتهم الأبرز، فى أغنية تقول كلماتها، «من حقنا.. بنقولها ليكم كلنا.. إحنا يا ناس كدا زيكم.. ومش أقل منكم.. ليه تبعدونا عنكم.. ما تفرحولنا قلبنا»، وهى الرسالة التى طرحها مؤلف العرض الشاعر أيمن النمر، سواء فى المشاهد التمثيلية، أو فى كلمات الأغنيات التى عبرت عن حالة المجتمع بأكمله، لا عن الحالة التى يطرحها العرض فقط، كما تميزت ألحان إيهاب حمدى فى إبراز هذه الحالة، مع اكتمالها بديكور بسيط ومعبر للدكتور أحمد عبدالعزيز، ويتشارك فى بطولة العرض، مصمم الاستعراضات الفنان سيد فاروق، الذى استطاع بالعمل مع المخرج شريف فتحى، أن يدفع ممثلين للرقص على أنغام لا يسمعونها، لا من خلال مشاهدته فقط، لأنه لم يشارك فى قيادتهم إلا فى النصف الأخير من العرض، ولكن ذوى القدرات الخاصة قدموا استعراضات مبهجة ومؤلمة فى الوقت نفسه، لتؤكد على بطولة سيد فاروق، الذى نجح فى التواصل معهم وتدريبهم بشكل احترافى، حتى أن أخطاء الإيقاع والتناغم لديهم، لا تختلف كثيراً عن الأخطاء التى ترتكبها الفرق الاستعراضية المحترفة فى مصر، وهو ما يجعلنا نقدم تحية واجبة لسيد فاروق، ومخرج العرض شريف فتحى، الذى نتمنى استمراره فى هذا الاتجاه، كي تمتد لذوى القدرات الخاصة، وتزيح التراب عن مواهبهم الدفينة، مع قدرته على توظيفهم بشكل فنى واحترافى أضاف إلينا قبل أن يضيف إليهم.

مصدر الخبر
الوفد

أخبار متعلقة