ينشغل المتابعون لحملة هيلاري كلينتون الرئاسية هذه الأيام بدفعةٍ جديدة من بريدها الإلكتروني، الذي تحوّل إلى خزّان معلومات يغرفُ منه ملاحقوها لإدانتها في خضم معركةٍ شرسة تقودها وزيرة الخارجية السابقة للوصول إلى البيت الأبيض، ولكنها تُسلط الضوء كذلك على عائلةٍ تمكنت من نسج شبكة علاقات سياسية واقتصادية قوية ومتينة وظّفتها في خدمة توأمة «المال والسلطة»، بعدما كشفت مؤسسة «جوديشال ووتش» الحقوقية عن محاولة متبرعين نافذين لمؤسسة العائلة الخيرية، بينهم لبنانيون وسويسريون وكنديون، الحصول على خدمات، بعضها سياسي، غالباً بصفتهم مانحين أسخياء للمؤسسة.
لكن ما يثار حديثاً حول «مؤسسة بيل وتشلسي وهيلاري كلينتون الخيرية»، يتخطى العبث السياسي الجمهوري خصوصاً لملاقحة مرشحة رئاسية ديموقراطية في أوج حملتها، إذ يلقي الضوء على كواليس عائلة آل كلينتون، التي تمكنت منذ سنوات من جمع مئات الملايين من الدولارات عبر إلقاء المحاضرات داخل الولايات المتحدة وخارجها، ولكن خصوصاً عبر مؤسسة تحمل طابعاً خيرياً، ولكنها باتت الأكثر إثارة للجدل من بين جميع المؤسسات التي تحمل الطابع ذاته، والتي أسسها رؤساء أميركيون سابقون أحيلوا «إلى التقاعد».
ويصف الإعلام الأميركي ممارسات مؤسسة كلينتون بـ «تضارب المصالح»، مسلطاً الضوء خصوصاً على فترة عملها خلال تولي المرشحة الرئاسية الحالية حقيبة وزارة الخارجية، بعدما كشفت «جوديشال ووتش» عن آخر دفعة من بريدها الإلكتروني اثر ممارستها ضغوطاً على وزارة الخارجية للحصول عليها.
وكان المرشح الديموقراطي بيرني ساندرز قد صوّب سهامه في خضم حملة الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأميركية، على «مؤسسة كلينتون»، مهاجماً إياها باعتبارها تلقت ملايين الدولارات من حكومات أجنبية، بعضها في دول وصفها بـ «الديكتاتورية»، كالسعودية، ولكنه ايضاً أكد أن «لديه مشكلة مع مؤسسة تديرها وزيرة خارجية، وتتلقى أموالاً من حكومات أجنبية»، معززاً نظرية «تضارب المصالح» التي كانت قد أثيرت حول هذه القضية منذ فترة.
لكن المعضلة الأساسية التي تواجه ملاحقي وزيرة الخارجية السابقة، تكمن في أن إمكانية إدانتها في ما يتعلق بمؤسسة العائلة، هي في غاية الصعوبة، تماماً كقضية بريدها التي لم تغلق، إذ بالإمكان الكشف عن سوء إدارة «أخلاقي» للمهنة، من دون التوصل إلى إثبات جرمٍ محدد.
ولعل ما كشفته «جوديشال ووتش» هو غيضٌ من فيض حول ازدواجية المصالح بين وزارة الخارجية في عهدة كلينتون ومؤسستها، بعدما أكدت أن المسؤول الكبير في مؤسسة كلينتون، دوغ باند، طلب من مساعدتي كلينتون في الخارجية، تشيريل ميلز وهوما عابدين، أن تصلا متمولاً نيجيرياً ـ لبنانياً، هو رجل الأعمال جيلبرت شاغوري، بـ «رجلنا في لبنان»، وهو السفير الأميركي السابق في بيروت جيفري فيلتمان. ووعدت ميلز بـ «التواصل مع جيف» رداً على الرسالة، لكن فيلتمان أعلن منذ أيام انه لم يتواصل يوماً مع المتمول اللبناني، علماً ان من بين ما كتبه باند في الرسالة انه «كما تعلمون، شاغوري رجل مفتاح في لبنان، ومهم بالنسبة لنا، ومحبوب في لبنان. مهم جداً»، فيما اعتبرت ميلز مؤخراً أن شاغوري كان يريد ان يعطي رأيه خلال مرحلة كان لبنان يتحضر فيها لاستحقاق انتخابي.
وشاغوري هو صديق مقرب من بيل كلينتون، وعلى لائحة أكبر المانحين لمؤسسة كلينتون الخيرية. واعتبرت «جوديشال ووتش» أن هذا التواصل يتعارض مع تعهد كلينتون لدى تسلمها حقيبة الخارجية بـ «عدم المشاركة شخصياً بأي مسألة تكون مؤسسة ويليام ج. كلينتون طرفاً فيها».
لكن الصحافي في «وول ستريت جورنال» جايمس غريمالدي، الذي يلاحق «مؤسسة كلينتون» منذ أعوام يعارض ذلك ـ وهو قطعَ شوطاً كبيراً في مراقبة علاقات المؤسسة وكيفية توظيفها في خدمة أغراض سياسية ـ له رأيٌ مغايرٌ تماماً. وبعد متابعته لتسريبات «ويكيليكس» ومراقبته لنشاط وزارة الخارجية، وجد الصحافي الاميركي ان شركات أميركية عدة، أبرزها «بوينغ» و «وولمارت» و «مايكروسوفت» و «جنرال الكتريك»، وحتى شركة «أكاديمي» أي «بلاك ووتر» سابقاً، المتورّطة في حرب اليمن، حصلت على خدمات من كلينتون خلال توليها رأس الديبلوماسية الأميركية، وهي ـ أي الشركات ـ تبرعت بمبالغ ضخمة في الوقت ذاته لمؤسستها الخيرية.
لكن هذا «التضارب في المصالح» لا يقتصر على الشركات المحلية. فقد ساعدت كلينتون سويسرا في قضية «يو بي اس» المصرفية، وملاحقة أسماء أميركية هرّبت أموالها إلى البلد الأوروبي لإخفاء عائداتها بغية التهرب الضريبي، ما تبعه تبرع ضخم من قبل «يو بي اس» لمؤسسة كلينتون. لكن بحسب غريمالدي، لم يقتصر الامر على ذلك، بل طلبت وزيرة الخارجية السابقة من سويسرا مقابل خدمتها، أن تقبل بنقل سجناء من غوانتانامو، معظمهم من الأيغور الصينيين، إليها.
هذا التبادل في الخدمات، والذي ترافق دائماً مع تبرعات سخية قدمت للمؤسسة، وصل أيضاً إلى الخليج، على اعتبار أن شيوخاً وأمراء خليجيين هم من أبرز المانحين للمؤسسة، وعلى رأسهم السعودية. وهنا، يذكر غريمالدي في مقابلة مع موقع «الديموقراطية الآن» أن مطار ابو ظبي طلب الحصول على ميزة وجود مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي لمساعدة الركاب المغادرين إلى الولايات المتحدة على إنهاء معاملات تفتيش الهجرة والجوازات وتخليص الجمارك ومتعلقات الزراعة مُسبقاً في المطار قبل المغادرة إلى أميركا، وترافق ذلك مع حملة تبرعات قوية من شركة طيران «الاتحاد» لمؤسسة كلينتون، لحقتها دعوة وجهت إلى بيل كلينتون لزيارة الإمارة النفطية وإلقاء خطب مدفوعة خلال مؤتمر نظمته وزارة السياحة في الإمارة.
لا ينكر غريمالدي حجم التبرعات الخليجية لمؤسسة كلينتون، والتي تثير تكهنات حول أهدافها، ناهيك عن جدلية التبرع من قبل أنظمة تعتبر قمعية. «تضارب المصالح» شمل ايضاً تبرعات من شركات كندية على علاقة بالمشروع النفطي الذي كانت اوتاوا تسعى إليه مع الولايات المتحدة، والذي رفضه الرئيس الأميركي باراك أوباما.
في المحصلة، تحاول الـ «اف بي أي» اليوم فتح تحقيق شامل يتعلق بمؤسسة كلينتون، وسط مقاومة من إدارة أوباما، فيما وعد بيل كلينتون بـ «القيام بما هو صواب» في ما يتعلق بهذه المؤسسة حال وصول زوجته إلى البيت الأبيض، و «المصارحة مع الشعب».
لكن يبقى أن هذه العائلة، تمكنت من إنشاء «بنك» لها، حوّلها إلى أثرى العائلات السياسية في تاريخ الولايات المتحدة. هذا «البنك»، الذي يحمل اسم «مؤسسة كلينتون»، يحمل في طياته ايضاً الكثير من الأسرار حول كيفية إدارة السياسة وتوظيفها في بناء امبراطورية مالية لـ «عائلات حاكمة» في الولايات المتحدة، وهي معضلة سعى ساندرز إلى تسليط الضوء عليها، لكنها على الأرجح ستظل قيد الكتمان.. هي باختصار جزءٌ بسيط من منظومة الفساد، على الطريقة الأميركية!