لم يصدّق فلاديمير بوتين ما رأته عيناه. فقد استجوب وزير خارجيته، سيرغي لافروف: "هل كتب هذا؟ أفيغدورنا؟". وكانت على طاولته صيغة البلاغ الذي نشرته وزارة الدفاع الإسرائيلية. وتساءل لافروف عن سبب عدم توقيع البلاغ، رغم تعيين المتحدثة بلسان الوزارة أورنا سمحوني قبل شهر. فالبلاغ تذكر أن يهاجم بشدة روسيا، بسبب الاتفاق النووي مع إيران قبل عام وبيع صواريخ أرض ـ جو يمكنها اعتراض طائرات إف 35 التي سيستوعبها سلاح الجو الإسرائيلي وهي في طريقها لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية. ولافروف، ممثلاً لبوتين، كان أحد السبعة الموقعين الأجانب على الاتفاق إلى جانب ممثلي ست قوى عظمى والاتحاد الأوروبي. فجأة، من ملجئه في هكرياه، هاجم ليبرمان: "هذا اتفاق مولوتوف ـ ريبنتروب". أي، لافروف هو فيتسلاف مولوتوف، وبوتين هو ستالين، وجواد ظريف هو يواكيم فون ريبنتروب وخامنئي هو هتلر.
همس لافروف، هذا مستحيل. فليبرمان ليس بطلاً إلى هذا الحد، حتى إن كان الجيش الإسرائيلي يخضع قانوناً لإمرته، وهو ما لم يختبر بعد. ثمة خطأ في الترجمة هنا، أو إبداع. وكما في مؤتمرك الصحافي هنا مع نتنياهو حينما قرر مترجمهم، وهو برتبة وزير، زئيف ألكين، أن يوفر عليك وعلى الناطقين بالروسية كل تفصيل قد يُحرج رئيس حكومة إسرائيل. ووعد لافروف بوتين: هذا لا يخطر ببال. يمكن الركون إلى ليبرمان: فهو لا يتجرأ على استفزاز روسيا. بالتأكيد انتزع من خزانة مقارناته اتفاق ميونيخ: ليس أصلياً، ولكن مسموح استخدامه. عندما يستخدمون "ميونيخ"، فإن المتهم هو الغرب. يمكن الحديث أيضاً عن فيينا، ولكن ليبرمان لن يحرج راعيه، مارتين شلاف.
وهذه فقط أحلام صيف. ليبرمان لم يكن ليخطر بباله فحص حدود صبر بوتين، محطّم الأردوغانيين. هذا البائس الذي وزع قبل أسبوع خليطاً من "أوباما"، "المحرقة"/ "هتلر" و "ألمانيا النازية". ولا كلمة عن السوفيات وورثتهم.
وليبرمان هو نتاج منظومة التعليم السوفياتية، حيث ردد التلاميذ أن اتفاق مولوتوف – ريبنتروب كان من مقتضيات الضرورة: ستالين دافع عن أمن الوطن، قبل أسبوع من تنفيذ ألمانيا نيتها غزو بولندا. وغالباً ما أخفوا عن التلاميذ الملحق السري للاتفاق، لتقاسم الغنائم البرية بين هتلر وستالين. ومن شدة الحماسة، لم يهتموا في المدارس السوفياتية للإشارة إلى أن الأميركيين لم يكونوا شركاء في المؤامرات الأوروبية وبينها اتفاق ميونيخ.
وكبوة طابعة ليبرمان ليست مجرد خطأ عابر. إنها رفسة للدلو. فوزارة الدفاع كانت حلم ليبرمان، لذاتها وليس كمدخل لغرفة رئيس الحكومة. قدس الأقداس. بعد عشرين عاماً في الجوار، من المدير العام لمكتب نتنياهو إلى رئيس حزب ووزير اقتصاد ووزير خارجية، ناور حتى الطابق 14 في هكرياه. لو أنه التزم الصمت لكان يمكن أن يجسد فعلاً ادعاءه بالتأثير على السياسة القومية، لكنه على الأقل أفلح في استغلال الفرصة لتعميق معرفته بالمؤسسة: نوع من المتدرّب في كلية الأمن القومي. ولكن ليبرمان لم يضبط نفسه. غريزة الشر تغلبت عليه، والنهاية السريعة التي اضطر فيها لابتلاع كلامه، أو كلام الناطقة باسمه.
وإذا كان سلوك إسرائيلي يكرهه الأميركيون، لأسباب بينها أن الدول الأخرى تعمل بلباقة ديبلوماسية، ليست هناك دولة أخرى ترضع كل شهر ربع مليار دولار، ما يجعل هذا نكراناً للجميل ممزوجاً بإهانة مركزة. والطريق إلى القائمة السوداء في البيت الأبيض قصير وغالباً باتجاه واحد. ويتطلب الأمر سنوات كثيرة وتبدل أجيال لمحو الرواسب. فأرييل شارون احتاج إلى 18 عاماً وإلى انتخابه رئيساً للحكومة، وحينها جن للحظة، تحدث ضد جورج بوش عن "تشيكوسلوفاكيا" وسارع بعدها للتراجع والتسليم بدعم بوش الطليعي لإنشاء دولة فلسطينية. وعندما قرأت إدارة أوباما كيف أن موشي يعلون يصف جون كيري، تم حشر وزير الدفاع السابق في الزاوية.
إن وزراء الدفاع الإسرائيليين، ممن ليسوا أيضاً رؤساء حكومة يمكنهم النجاح في تل أبيب فقط إن نجحوا في واشنطن. موشي ديان، شمعون بيريز، عيزر وايزمان وموشي أرينز فهموا ذلك. كل واحد منهم حدد لنفسه النجاح بشكل مختلف، لكنهم جميعاً عرفوا أنهم ينتصرون مع البنتاغون وليس عليه والرئيس فوقه. أرينز عام 1983 ومرتين أخريين في العقد ونصف الماضيين، هو النموذج الأفضل لما لم يكن ليبرمان ولن يكون. بعد 35 عاماً من وزراء دفاع كانوا أيضاً رؤساء حكومة (دافيد بن غوريون، ليفي أشكول، مناحيم بيغين) أو رجال أمن واضحين (ديان، بيريز، وايزمان، شارون) ومع سابقة مدنية سلبية (بنحاس لافون)، جاء أرينز مسلحاً بخلفية مساعد المدير العام الهندسي للصناعات الجوية، ورئيس لجنة الخارجية والأمن، والسفير في واشنطن. وخلال شهور قليلة ورغم التعيين البائس لرئيس الأركان (موشي ليفي) والخلافات بشأن اهتماماته – لبنان وطائرة لافي، والانتفاضة وحرب 1991ـ كسب لنفسه سمعة وزير دفاع ممتاز ومرشح معقول لرئاسة الحكومة عن الليكود.
وكان يفترض أن توفر وزارة الدفاع لليبرمان فرصة مثل أرينز. وزير دفاع مدني، لم يكن رئيس أركان ولا جنرال، وللأبد لن يُعتبر من عظام رقبة المؤسسة العسكرية. ولكنه أيضاً لن يكون مقيّداً بالنزاعات العتيقة حول القيل والقال بشأن معارك سلطان يعقوب أو قبر يوسف. ويكفي أن المستوى السياسي يفهم الأولويات ويحدد الاتجاهات ويوفر الرعاية العليا الجدية. ويميل الضباط أيضا إلى أن يذكروا بالخير رؤساءهم، المدنيين والعسكريين، ممن رفعوا رتبهم أو مناصبهم. وبإضافة مقاربة جوهرية وبعض الكلام والاتزان يسهل أن تنتزع من الضباط لياقات والجمهور لن يرى سوى الاحترام. ونتنياهو يفضل أيضاً عدم التورط في معركة إشكالية، تقوض الدعم السياسي، انظر ما جرى لعمير بيرتس.
وفي حواراته مع رؤساء الموساد (شبتاي شافيت) و»نتيف» (ياشا كدمي) المتقاعدين وجنرالات احتياط (غيورا آيلاند) في فترات سابقة، حاول ليبرمان توسيع قاعدة معارفه. وهو حاليا يتشاور مع قادة عسكريين سابقين، لكن هذا ليس بديلاً عن العمل المنهجي. وفي محيطه الدائم يمكن أن يعمل مخلصون جلبهم معه أو مؤهلون وجدهم هناك – فهو لا يملك مخلصين مؤهلين. فلمنصب رئيس الديوان عين مقرّبة، شارون شالوم، الذي اجتاز معه تحقيق الشبهات الجنائية (ملفه أغلق حينما تراجع المستشار القضائي للحكومة يهودا فاينشتاين عن نيته تقديم لاحة اتهام ضد ليبرمان). فشالوم أثبت أنه رجل السر المطيع لرئيس «إسرائيل بيتنا». ولكن ليس هذا المستوى المطلوب لرئيس طاقم وزير الدفاع في دولة إسرائيل.
وهناك علاقات ممتازة بين مستويات العمل العسكرية في تل أبيب وواشنطن (وأيضاً في شتوتغارت، مقر القيادة الأوروبية، وفي قاعدة ماكديل في تامبا فلوريدا، مقر القيادة الوسطى والقوات الخاصة). ودور المستوى السياسي هو تجنب الإضرار بها. ولو حرص ليبرمان على دراسة تاريخ العلاقات لاكتشف أي استثمار ـ في الخبرة المهنية والاعتدال السياسي على حد سواء ـ مطلوب لتلطيف لا مبالاة وزراء الدفاع تجاه إسرائيل. والمجلد الأخير من نشرات دائرة التاريخ في البنتاغون في سلسلة الوزراء يختص بملفين ليرد، الذي خدم في السنوات الأربع الأولى من رئاسة ريتشارد نيكسون.
ويكشف التوثيق عمق معارضة البنتاغون لتعزيز العلاقات مع دايان والجيش الإسرائيلي. وكان لذلك أثر مباشر، في نهاية حرب الاستنزاف، على شروط بيع صواريخ جو - أرض "شرايك" (ضد صواريخ أرض - جو الروسية بمصر) في تجنّب الضربة الجوية الأولى عند استئناف القتال. وهذا أحد جذور قرار غولدا مئير ضد ضربة كهذه في يوم الغفران. فتقليص حجم أدوت القتال الأميركية الحيوية لصالح القطار الجوي حافظ على البرودة في البنتاغون. فقط السلام مع مصر، والتدخل المتحمس لوزير الدفاع وايزمان، هو ما كسر الجليد وقاد إلى أول زيارة لوزير الدفاع هارولد براون وأعضاء في هيئة الأركان المشتركة، إضافة إلى المسألة البسيطة لهبات المعونة الأبدية.
وخطيئة ليبرمان مضاعفة. في نظر الأميركيين، لا يهم كيف انتزع منصبه من نتنياهو – هم يحكمون عليه وفق أدائه، أي ينال فرصة لصفحة جديدة. والاتفاق مع إيران هو اتفاق مبرم. وإيران تحرص على عدم الخداع، خشية ضبطها وتوفير ذريعة لقصفها. وليبرمان أقر بأن إيران تفي بتعهداتها. من هنا يوجد عقد لمواجهة استئناف الأزمة. فكيف يعرض ليبرمان استغلال هذا العقد؟ مبادرة سياسية بعيدة المدى، تضع إسرائيل في وضع استراتيجي معدل في عشرينيات القرن؟ تحديث بنية الجيش الإسرائيلي، وهو ما تفعله هيئة الأركان بالتعاون مع وزارة المالية، حيث لموشي كحلون حصة أهم من ليبرمان في الأمن القومي؟ أم فقط الصراخ ميونيخ ميونيخ؟
فقط أحد أسلاف ليبرمان، إيهود باراك، ترأس كوزير للدفاع كتلة كانت أصغر من إسرائيل بيتنا، وكان هذا في نهاية طريقه ـ الاستقلال، التي قسمت حزب العمل. وبغية الوصول إلى رئاسة الحكومة ينبغي لوزير الدفاع ترؤس أحد الأحزاب الكبرى، وإذا خرج منها، أن يعود إليها أولاً، كما فعل بيريز (رافي) وشارون (شلومتسيون).
وليبرمان ليس مرغوباً في الليكود. وحتى لو اتفق مع نتنياهو على إعادة استيعابه وضمان ترشيحه في الانتخابات المقبلة كالرجل الثاني، من دون إدخال رجاله لمركز الليكود، سيقابل بالعداء. فالتائبون يستقبَلون بريبة. مسموح لهم الانضمام للحكومة، لكن فرصهم في نيل الزعامة معدومة. من ذهب مع شارون لكديما، مثل تساحي هنغبي، يقبل لكنه لا يتقدم. ليبرمان محبوب بشكل أقل، لأنه في الانتخابات الملية تصارع رجاله مع مرشحي الليكود. لذلك عليه إيلاء أهمية خاصة للاعتماد الممنوح في العالم لكل وزير دفاع إسرائيلي، كشريك كبير لرئيس الحكومة في قيادة السياسة في المناطق وعلى الجبهات. والأمر لم يكن معقداً جداً، لو أنه أعطى نفسه صورة اعتدال، كحامل ثقل المسؤولية. ولو أنه لم يكن ليبرمان السطحي، المتعجرف، المستوطن الأول في وزارة الدفاع.
وعندما عربد ليبرمان على أوباما فإنه استفز إدارتين، الراحلة والجديدة. في لعبة الانتخابات الرئاسية، انتقاداته للاتفاق كانت مساهمة لدونالد ترامب وضربة لهيلاري كلينتون، أي فتح حساب معها. وكلينتون، التي كوزيرة للخارجية ضمت حاشيتها دوماً مساعداً لرئيس الأركان المشتركة، محاطة بمتقاعدين جدد من البنتاغون، نائبة وزير (ميشال فلورنوي)، جنرال (جون ألان)، وأدميرال (جيمس ستاوريديس). وشعارها الانتخابي، «أقوياء موحدون»، منسوخ من شعار القيادة الأوروبية وقوات الناتو تحت قيادة ستاوريديس. ومن داخل هذه المجموعة لخبراء أمنيين حريصون على أمن إسرائيل، ولذلك يسعون أيضاً لأنهاء مرتب لاحتلال المناطق، يتوقع أن تمنحهم كلينتون أدواراً خارجية وأمنية مركزية في الإدارة – وزير أو وزيرة دفاع، مستشار أمن قومي، مدير المخابرات القومية، رئيس المخابرات المركزية. وليبرمان، عدا عيوبه الأخرى، التي تمنع عنه وزارة الدفاع في إسرائيل، سيكون ففي عجز أمام كلينتون، إذا ظلّ في منصبه.
لقد مرّ أسبوع على حماقة ميونيخ، ونصف أسبوع على الزحف متراجعاً. ساخن، بارد، مضجر. مطلوب ألعوبة جديدة من استراتيجي مؤرخ.
ليبرمان في القائمة السوداء الأميركية
مصدر الخبر
جريدة السفير