تشهد الأسواق المحلية بجميع قطاعاتها التجارية، حاليًا، حالة كبيرة من الارتباك بسبب الارتفاعات الكبيرة فى سعر الدولار وتخطِّيه حاجز 13 جنيهًا، مما تسبَّب فى وجود عمليات تخزين كبيرة للسلع والمنتجات داخل العديد من الأسواق التجارية.
ورصدت «المال» موقف العديد من المستوردين والشركات وكبار الوكلاء فى قطاعات الصناعات الهندسية والأجهزة المنزلية وحديد التسليح، والأدوات الكهربائية وإطارات السيارات، وفلاتر المياه، وبعض أنواع الصناعات الغذائية المجفَّفة التى لم تتأثر بعمليات التخزين.
وبالتزامن مع عمليات التخزين والامتناع عن البيع، رفع التجار أسعار السلع والمنتجات الموجودة لديهم بنسبة تراوحت بين 10 و%30 خلال اليومين الماضيين بسبب الزيادة الكبيرة التى طرأت على سعر الدولار.
قال محمد شعلان، رئيس شركة أكوا زمزم لفلاتر المياه، إن شركات فلاتر المياه تقوم بحجب الفلاتر عن البيع؛ من أجل الاستفادة من فارق السعر نتيجة ارتفاع الدولار المستمر ونقص المعروض.
وأوضح شعلان لـ«المـال» أن أسعار الفلاتر زادت خلال أسبوع بنسبة %80، لافتًا إلى أن الفلتر الذى كان يبلغ سعره 1600 جنيه ارتفع حاليًا إلى 2300 جنيه الأسبوع الحالى، كما أن السعر فى زيادة مستمرة بشكل يومى، والمستوردون والتجار الكبار يرفضون حتى تسليم الحصص اللازمة للتجار والموزعين.
وأضاف أن هناك نقصًا كبيرًا فى الفلاتر نتيجة امتناع البعض عن بيع منتجاتهم، ومن أبرز الأنواع التى بها نقص: شركات أكوا تركس، ووتر ورالد، وسول ووتر، كما أن سعر الفلتر به نحو 800 جنيه ارتفاعًا دفعة واحدة، موضحًا أنه كان المفترض حصوله على كميات فلاتر من الشركات التى يتعامل معها، وعند ذهابه لتسلُّمها فاجأته الشركات برفض البيع إلا بالأسعار الجديدة التى حدّدوها دون أى إخطارات بالزيادات، مؤكدًا أن الكثير من الموزعين رفضوا الشراء بالأسعار الجديدة؛ لأنها مُبالَغٌ فيها، والسوق لن تستوعبها.
وقال فتحى الطحاوى، نائب رئيس شعبة الأدوات المنزلية والكهربائية بغرفة القاهرة التجارية، إن كل السلع المنزلية والكهربائية بها نقص حاد يتراوح بين 50 و%60، خاصة أن مصر تستورد نحو %80 من منتجات الأدوات المنزلية والكهربائية، مؤكدًا أن أسعار تلك المنتجات ارتفعت بما لا يقل عن %60 حاليًا، لافتًا إلى أن أجهزة أطقم الصينى بها ارتفاعٌ بأكثر من 700 جنيه للطقم الواحد.
وتابع الطحاوى: من حق التاجر القيام بتأجيل بيع منتجاته؛ وذلك للحفاظ على رأسماله والاستفادة من المكاسب، كما أن تأجيل البيع سيفيد التاجر فى تسعير منتجاته، فى ظل البلبلة التى تحدث حاليًا فى السوق.
وأوضح أن جميع التجار أوقفوا البيع بشكل جزئى حاليًا، وهناك نقص شديد فى أصناف أجهزة البورسلين والأدوات المنزلية بنسبة تصل إلى %50، بالإضافة إلى أن أطقم الزجاج يوجد بها عجز شديد بنسبة لا تقل عن %70، فيما اختفت تقريبًا منتجات أطقم الأكروبال والكاسات الزجاجية.
ولفت إلى أن أجهزة الخلاطات الكهربائية والكاتشين ماشين، بها عجز بنسبة %60 تقريبًا، رافضًا الإفصاح عن أسماء الشركات التى تنتج هذه الأصناف.
وأشار الطحاوى إلى أن الشركات المصنِّعة للتكييفات لا تقوم بتوريد أى أجهزة فى الوقت الحالى، وهناك نقص بالسوق تجاوز %60، كما أن المصانع المصرية تقوم برفع أسعار منتجاتها، مستغلةً حالة البلبلة الحالية، ولا سيما فى ظل تحجيم الاستيراد عبر قرارى 43 و991 اللذين تسبّبا فى احتكار المصانع المصرية للمنتجات والأسعار.
وقال محمد سعد، رئيس شركة الحسن لتجارة إطارات وبطاريات السيارات، إن المستوردين وكبار الوكلاء يمتنعون منذ يومين عن توريد الطلبات اللازمة للتجار والموزعين، معلِّلين ذلك بالارتفاعات الكبيرة التى حدثت بأسعار الدولار أمام العملة المحلية، ووصوله لـ13 جنيهًا.
وأكد أن اتجاه هؤلاء لتعطيش السوق يرجع إلى رغبتهم فى تحريك جديد فى أسعار الإطارات والبطاريات، وتحقيق هوامش أرباح كبيرة، على الرغم من تكدس مخازنهم بالبضائع، لافتًا إلى أن بعضهم بالفعل أقرّ زيادات كبيرة بين 10 و%15 على المنتجات، ومن أراد الشراء فعليه أن يقبل تلك الأسعار الجديدة.
وضرب سعد مثالًا ببعض الأصناف التى يمتنع التجار عن بيعها حاليًا، تخص بعض أصناف ومقاسات إطارات شركة بريدجستون، فضلًا عن اختفاء تام لبعض الإطارات ذات المنشأ الصينى، مثل إطارات "بوتو" الخاص بسيارات النقل.
وأشار إلى أن أسعار إطارات شيات الصينى للسيارات النقل، ارتفعت إلى نحو -1100 1150 جنيهًا أمس للمستهلك، مقابل -1050 1075 جنيهًا للمستهلك الأسبوع الماضى، فضلًا عن أن أسعار إطارات الكوريو ارتفعت أيضًا إلى -1050 1075، مقابل -1025 1050 الأسبوع الماضى.
وأوضح سعد أن جميع أصناف الإطارات الملاكى ارتفعت أسعارها بما لا يقل عن %10، مثل أصناف كومهو وجى تى، وبريدجستون وماكسيس، وهانكوك، وغيرها من الأصناف.
وطالب الحكومة بضرورة تفعيل أدواتها الرقابية لمواجهة عمليات التخزين وتعطيش السوق التى يمارسها حاليًا العديد من المستوردين والوكلاء، ولا سيما أن المستهلك هو الضحية الوحيدة من جرّاء كل ما يحدث فى الأسواق.
وقال أحد تجار الأدوات الكهربائية، إن عددًا من الشركات أوقفت بيع منتجاتها للتجار فى منتجات كاللمبات والكشّافات والأسلاك الكهربائية، مساء أمس؛ بسبب الزيادات فى أسعار الدولار، وعدم قدرتها على تسعير منتجاتها فى ظل التغيرات المتلاحقة للدولار، وعاودت اليوم البيع لتجار الجملة بعد إجراء قائمة جديدة بأسعار منتجاتها للتجار.
وأكد المصدر الذى فضّل عدم الإفصاح عن اسمه، أنه مِن ضِمن الشركات التى أوقفت بيع إنتاجها: "السويدى للكابلات" و"فيلكس" و"فينوس" و"فيونا"، وذلك خلال ساعات متأخرة من مساء أمس، وذلك بعد أن تَجاوز الدولار 13.05 جنيه بالسوق الموازية، وعاودت اليوم البيع بقوائم جديدة بالأسعار، مضيفًا أن شركات رفعت أسعار بيع منتجاتها بنحو %25 كشركة فينوس، وأخرى خفّضت نسبة الخصومات على منتجاتها للتجار.
وأضاف المصدر: شركة السويدى بدأت بتخفيض نسب الخصومات لمنتجاتها التى تقدمها لتجار الجملة، من %38 نسبة الخصم، ثم لـ %8، ثم تخفيضه مرة أخرى لـ %5 فى ظل تغييرات يومية متلاحقة فى الأسعار بالسوق الموازية، فعلى سبيل المثال لفّة السلك التى كان ثمنها 100 جنيه، كان التجار يحصلون من الشركة بخصومات نسبتها %38 عليها، لتصل لهم بسعر 62 جنيهًا، وبعد التعديلات وخفض نسب الخصم، ارتفع سعر المنتج على التجار ليصل سعر لفة الأسلاك لـ95 جنيهًا، وهو ما يعنى زيادة الأسعار على المستهلك.
وتابع أن الخفض الذى بدأت تشهده أسعار الدولار بالسوق الموازية، اليوم، والذى وصل بالسعر لـ12.50 جنيه، لن ينعكس مباشرة على أسعار السلع والمنتجات بالخفض، فى ظل أن سعر المنتجات بحاجة لمزيد من الخفض والاستقرار حتى تُعاود أسعار المنتجات الانخفاض، بعد احتساب الشركات والتجار أسعار منتجاتهم عند سعر تجاوز 13 جنيهًا للدولار.
من جانبه قال أحد كبار وكلاء وموزعى شركة السويدى وشركات أخرى لـ«المال»، إن أغلب الشركات المنتجة للأدوات الكهربائية أوقفت توزيع إنتاجها منذ أسبوع إلى 10 أيام، منذ تلميحات طارق عامر محافظ البنك المركزى بخفض سعر الجنيه، وما تبع ذلك من ارتفاعات بأسعار الدولار فى السوق الموازية وعدم استقرارها.
وأكد أن أغلب الوكلاء يعملون حاليًا على تصريف البضائع القديمة ببطء، لحين وضوح الرؤية واستقرار الأسعار؛ لتمكين الجميع من تسعير منتجاتهم بشكل يجنِّبهم الخسائر، لافتًا إلى أن العديد من الشركات خفّضت نسب الخصومات للتجار، وشركات أخرى رفعت أسعار منتجاتها.
وتابع المصدر قائلًا: "كله واقف يترقب ومحدش فاهم حاجة وسأقضى أجازة أسبوعية لحين اتضاح الرؤية فى السوق".
وقال أحد تجار ووكلاء حديد التسليح، رفض ذكر اسمه، لـ«المال»، إن شركات الحديد قامت قبل أيام بوقف تسليم الحصص لهم، ثم قامت برفع الأسعار على خلفية ما حدث فى الدولار خلال اليومين الماضيين، حيث رفعت شركتا حديد عز وصلب مصر أسعارهما بزيادة قدرها 600 جنيه خلال مرتين فى أقل من أسبوع.
وأوضح أن طن الحديد يسجل حاليًا 6300 جنيه، كما أن هناك زحامًا غير عادى من تجار الحديد والوكلاء على شراء كميات من الحديد، من أجل تخزينها بالمخازن؛ ترقبًا لأى زيادات جديدة فى الحديد من جانب الشركات، وهناك توقعات باستمرار ارتفاع أسعار الحديد خلال المرحلة المقبلة.
وقال يحيى زلط، عضو شعبة صناعة الجلود، إن جميع المستوردين قاموا بزيادة أسعار منتجاتهم التى يتم استيرادها بشكل كبير، كما أنهم يقومون بوضع هامش ربح، بخلاف الزيادة فى أسعار الدولار، والبعض يقوم بتخزين كميات من منتجاتهم، لكن نحاول التغلب على تلك الأزمة بالاكتفاء ذاتيًّا.
وأشار زلط إلى أن المستوردين هم المستفيد الأول من تلك الأزمة، فى جنى أرباح بشكل أكبر، وهناك ارتفاع فى الأسعار بما لا يقل عن %20، موضحًا أن المستوردين يقومون بتعديل أسعارهم كل ساعة حسب ارتفاع أسعار الدولار.
وقال محمد شكرى، رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، إنه لم يرد للغرفة رسميًّا ما يفيد قيام البعض بتخزين السلع، لكنه أكد أن تخزين كميات من السلع المعبأة والجافة وارد، ويمكن أن يحدث؛ لأنها لن تتأثر بالتخزين، كما أن تجار المواد الغذائية أغلبهم يعمل بشكل غير رسمى، ما يزيد من احتمالية تخزين الكميات بدرجة كبيرة.
وأضاف أن السلع المنتَجة محليًّا متوافرة ولا توجد بها أى شكاوى، لكن الأزمة فى السلع المستوردة إذ يوجد بها عجز شديد، كما أن القائم بتخزين السلع يفعل ذلك من أجل الاستفادة من فرق سعر الدولار، وجميع التجار يقومون باللجوء للسوق الموازية لتدبير الدولار اللازم لهم.
من جهته قال مصطفى رجب، رئيس مجلس إدارة مجموعة سلاسل أولاد رجب، إن السلاسل التجارية تخضع لمنافسة شرسة حالية لا تجعل من مصلحة أى "هايبر ماركت" تخزين منتجاته وعرضها مرتفعة السعر، إذ إن الجمهور سيتحول بذلك إلى التجار الذين يطرحون السلع الأرخص سعرًا.
وأشار إلى أن أسعار السلع مرتبطة حاليًا بالسوق السوداء، وليس بأسعار الصرف الرسمية، موضحًا أن البنك المركزى لا يوفر للجميع الدولار، ما يضطر معه المستوردون للجوء للسوق الموازية، وهو ما يذهب بأسعار المنتجات إلى آفاق بعيدة.
وضرب رجب مثالًا باللحوم البرازيلية التى تضاعفت أسعارها فى الفترة الأخيرة لتقترب من اللحوم البلدية، إذ يصل سعر الكيلو إلى نحو 60 جنيهًا حاليًا.
وأكد أن شركته تعاقدت أمس على العديد من البضائع والسلع لتغطية الطلب المتزايد بالفروع، مشيرًا إلى أن معظم السلع ارتفعت أسعارها من 10 إلى %20، قائلًا: «أنا مش عارف الناس هتشترى إزاى».
فيما قال محمد السويدى، رئيس اتحاد الصناعات، رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب، إن ضريبة الإصلاح دائمًا يدفعها المواطن، وبالطبع سنجد بعض التجار يقومون بحجب سلعة أو تخزينها استغلالًا للارتفاعات المتوالية للدولار بالسوق السوداء، بالإضافة إلى الزيادة السعرية المنتظرة بعد تطبيق قانون الضريبة على القيمة المضافة.
وأضاف السويدى، فى تصريح لـ«المال»، أن هذه المساعى تضرُّ الأسواق من ناحية، وتخفِّض مبيعات التجار الإجمالية من ناحية أخرى، مطالبًا بضرورة اتخاذ الجهات الرقابية، وعلى رأسها جهاز حماية المستهلك، كامل التدابير والاستعدادات لمواجهة مَن يخزِّن ويحجب السلع عن التداول.
وأكد أحمد الوكيل، رئيس اتحاد الغرف التجارية: لا يستطيع أى تاجر المضاربة على سلعة معينة؛ لأنه فى النهاية حجم الطلب والقوى الشرائية هى ما يحدد توازنات السوق، موضحًا أن التجار "مصريون" لا يسعون للإضرار بمصالح الوطن، كما أنه من المفترض أن يكونوا على معرفة بمصالحهم، فعملية المضاربة على السلعة من الممكن أن تضر من يفعلها؛ لأنها تؤدى إلى نتائج عكسية تسهم فى خفض المبيعات ونزوح قطاع عريض من الجمهور بحثًا عن سلعة بديلة أرخص أو التحول إلى تجار تجزئة آخرين.
وأوضح الوكيل أن القوى الشرائية للجنيه هى التى تحكم حجم المبيعات، فإذا افترضنا أن دخل شخصٍ ما 2000 جنيه كان يشترى 50 منتجًا شهريًّا، فالآن وبعد ارتفاعات أسعار معظم المنتجات نتيجة أزمة الدولار بات يشترى 10 منتجات فقط، فهو فى هذه الحالة لا يمتلك إلا خيارين: البحث عن سلع أرخص بديلة، أو تقليل الاستهلاك، ومن ثم فليس من مصلحة التاجر رفع الأسعار.
فى السياق نفسه دعا حمدى النجار، رئيس الشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، جميع المستوردين للتوقف عن الاستيراد نهائيًّا فيما عدا السلع الاستراتيجية لحين استقرار سعر الصرف وتثبيت سعره؛ وذلك حتى ينخفض الطلب على الدولار وتتحسن أسعاره بالتدريج بالسوق الموازية.
وأكد أن الأسواق على مدى اليومين الماضيين شهدت حالة من عدم الاستقرار بسبب حالة الانهيار التى يشهدها سعر الدولار والذى تجاوز 13 جنيهًا، وهو رقم قياسى لم تشهده الأسواق من قبل.
وتعليقًا على بعض الاتهامات الموجهة للمستوردين، والخاصة باستغلالهم حالة السوق، والقيام بالتخزين أو تاجيل بيع بعض المنتجات، للاستفادة من فروق أسعار الدولار المرتفعة- قال النجار: ليس من مصلحة المستورد أن ترتفع أسعار سلعته، ففى النهاية القوى الشرائية هى ما تحكم حجم الطلب، ومن يفعل ذلك من المستورين فهو الخاسر الأكبر.
وأشار النجار إلى أن الزيادات المستمرة بشكل يومى فى السوق الموازية، أصبحت أمرًا غير مُحتمَل، والاستمرار فى زيادته يمثل خطورة كبيرة على الاقتصاد القومى وانهياره على المدى القصير، ولا بد من تدخل البنك المركزى لوقف هذه "المهزلة"، بالإضافة إلى ضرورة أن تعتمد الحكومة خطة إصلاحية تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية وتدعيم الصادرات المصرية وعودة السياحة.