بعد أن وجدت المملكة السعودية نفسها وحيدة في ساحة الدفاع عن ما تسميه «المعارضة المعتدلة»، وبعد تنازل تركيا عن هذه التنظيمات الإرهابية التي كانت تدعمها بمشاركة السعودية، واتجاه أنقرة نحو تطبيع العلاقات مع سوريا من جديدة بعد أيام من تطبيعها مع روسيا، وفي ظل استسلام أمريكا للسيطرة الروسية على الموقف في سوريا وحتى طاولة المفاوضات، يبدو أن السعودية اختارت الاستدارة بعض الشيء والتنازل عن سياساتها العنجهية بشأن سوريا، أو على الأقل التقرب من روسيا.
قال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، الجمعة الماضي: المملكة سترحب بمشاركة روسية فعالة في الحرب ضد داعش في سوريا، لكن ليس في مقابل الإبقاء على الرئيس السوري، بشار الأسد، في السلطة، أو شن المزيد من الهجمات على المعارضة المعتدلة، وأضاف الجبير أن السعودية تتابع محادثات وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، مع نظيره الروسي، سيرجي لافروف، مشيرًا إلى أن كل ما يمكن فعله لإشراك روسيا في القتال ضد داعش بطريقة فعالة، سيكون أمرًا ترحب به الناس، لكن لا يمكن أن يكون ثمنه الإبقاء على الأسد في السلطة، ولا استمرار الروس في مهاجمة المعارضة السورية المعتدلة.
تصريحات وزير الخارجية السعودي جاءت بعد أيام قليلة من زيارة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، إلى روسيا ولقائه مع نظيره الروسي، سيرجي لافروف، وهو اللقاء الذي لم يخرج بجديد بشأن فكرة التعاون العسكري المباشر بينهما، فرغم اتفاق كلا الطرفين قبل لقائهما على أهمية التنسيق المشترك في محاربة الإرهاب، وإبداء روسيا ترحيبها مرارًا بفكرة العمل المشترك لمكافحة الإرهاب، إلَّا أن الزيارة لم تأتِ بجديد في هذا الشأن كما كان متوقعًا، بل اكتفى الوزيران الأمريكي والروسي بتنسيق تبادل المعلومات الاستخبارية والعملياتية بقدر كبير، ولأجل ذلك اقترحت واشنطن إنشاء مركز تنسيق مشترك في الأردن، يعمل فيه خبراء عسكريون من الولايات المتحدة وروسيا.
من جهته، أكد الكرملين على لسان المتحدث باسمه ديميتري بيسكوف، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والوزير كيري، لم يبحثا فكرة التعاون العسكري المباشر خلال لقائهما، وأوضح أن المباحثات كانت صريحة وبناءة وتفصيلية، مضيفًا أن الجانبين يتبادلان المعلومات، لكنهما لم يصلا إلى درجة تسمح بعمل مشترك ضد الإرهاب، وأشار بيسكوف إلى أن موقف موسكو تجاه الرئيس السوري بشار الأسد، لم يتغير، مؤكدًا أن موسكو تدعو إلى استئناف المفاوضات بين السوريين لكونها تمثل الطريق الوحيد لإنجاز عملية التسوية.
في الشأن ذاته، أكدت وزارة الخارجية الروسية، أن القوات الجوية العاملة في سوريا لا تستهدف إلَّا الإرهابيين من تنظيمي داعش وجبهة النصرة ولا تستخدم ذخائر كيميائية، موضحة أن مناهضي نظام بشار الأسد سجلوا بالقرب من الحدود السورية ـ التركية تقريرًا مصورًا زعموا أنه يثبت استخدام الطيران الروسي والسوري ذخائر محظورة مزودة بمواد كيميائية.
يبدو أن المملكة السعودية اختارت الابتعاد بعض الشيء عن سياساتها القاسية تجاه روسيا، خاصة في الشأن السوري بعد أن وجدت نفسها أمام منعطف دقيق يوحي بتنازل حليفتها الأمريكية والتركية عن سياستهما بشأن سوريا، الأمر الذي دفع المملكة لاتخاذ قرار بإعادة تموضع سياستها الخارجية.
كانت الرياض تخرج في كل مناسبة لتؤكد الدعم الكامل للجماعات المسلحة في سوريا وتلحقة بانتقاد التدخل الروسي هناك، وتأكيد ضرورة تنازل روسيا عن دعمها للرئيس السوري، بشار الأسد، ففي أكتوبر الماضي أكد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، رفض السعودية المشاركة مع روسيا في تدخلها بجانب الأسد بحجة مكافحة الإرهاب، وقال حينها بلهجة حادة: على الرئيس السوري أن يرحل أو أن يواجه خيارًا عسكريًّا، لكن حديث السعودية بشأن التدخل الروسي في سوريا والتنسيق معها اختلف كثيرًا عن الماضي، فقد قال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أثناء زيارة كيري إلى روسيا: إن المملكة تدعم التعاون الأمريكي الروسي في مجال محاربة الإرهاب.
على افتراض أن هذه التصريحات لم تكن استدارة سعودية تجاه روسيا، أو محاولة لجس النبض الروسي في إطار التنازل عن دعم الرئيس السوري في مقابل تطبيع العلاقات وتنسيق تعاون عسكري مشترك، فإنها يمكن أن تكون محاولة لتحقيق تقارب سعودي روسي في سوريا، خاصة بعد أن وجدت المملكة نفسها وحيدة في ساحة معاداة الأسد، بعد أن استدارت معظم الدول التي كانت تتمسك بموقفها المعادي للرئيس السوري وتتمسك برحيله عن السلطة، حتى إن المعارضة السورية بدأت تتنازل عن هذا الشرط بعد أن وجدت الكفة ترجح لصالح الجيش السوري، لكن من المؤكد أن موسكو لن تخضع للرغبة السعودية في تنسيق العمليات العسكرية، فالأخيرة تؤكد عند كل مناسبة ثبات موقفها تجاه الحل السياسي وموقع الرئاسة، مع تشديدها على ضرورة توحيد الجهود في المعركة ضد الإرهاب.