ألقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، كلمة خلال مشاركته جلسة الحوار مع الأسواق البازغة والدول النامية التي افتتحها الرئيس الصيني شين جين بينج، مقدما الشكر له ولشعب الصين على الدعوة الكريمة للمشاركة في قمة تجمع بريكس التاسعة، وحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.
الحضارة العريقة
وقال الرئيس السيسي: «إنه ليشرفني أن أتواجد بينكم اليوم في الصين ذات الحضارة العريقة.. تلك الحضارة التي تشهد على صلابة وإرادة شعب عظيم، مزج حضارته بكل صور الحداثة والتقدم في عصرنا الحديث.. وكما نشأت الحضارة المصرية على ضفاف النيل العظيم، وسجلت أمجادها على أوراق البردي، نشأت الحضارة الصينية على ضفاف النهرين الأصفر والأزرق، وقدمت للعالم الكثير من المنجزات العظيمة.. وما بين حضارتَيْ الشرقين الأدنى والأقصى، تقدمت الإنسانية وخطت خطوات واسعة للأمام».
القمة الأولى
وتابع: «وحيث أن هذه هي القمة الأولى التي أشرف بحضورها معكم، فاسمحوا لي أن أنقل لكم مشاعر الود والاحترام التي يكنها الشعب المصري لشعوب دولكم الصديقة لجنوب أفريقيا التي كافح شعبها من أجل العدالة الإنسانية والمساواة، وحملت لواء مكافحة العنصرية في قارتنا الأفريقية المناضلة وللشعب الروسي، أحد أكثر الشعوب ثراءً في العلوم والثقافة والفنون، والذي ساند آمال الشعب المصري وقضاياه منذ خمسينات القرن الماضي وللشعب الهندي العريق، صاحب حضارة التنوع والقيم الروحانية والفلسفة، والذي بدأ معنا مسيرة استقلال الدول النامية منذ ميلاد حركة عدم الانحياز والشعب البرازيلي الصديق، الذي أدرك مبكرًا مفاهيم حماية البيئة والتنوع الأيكولوجي، فأهدى العالم مبدأً صار عقيدة دولية، وهي التنمية المستدامة، التي ولدت في مدينة "ريو" البرازيلية عام 1992».
تجمع بريكس
واستكمل السيسي: «إن مصر تقدر أهمية تجمع البريكس وخصوصيته، ليس فقط فيما يتعلق بآليات العمل المؤسسي التي تقوم بتنسيق سياسات الدول الأعضاء، ولكن أيضًا بسبب الرؤى السياسية المشتركة التي دأبت قممكم على تبنيها تجاه القضايا السياسية ذات الأهمية الخاصة للدول النامية، لتعكس بذلك الصفة الشاملة لهذا التجمع».
النمو الاقتصادي
وواصل الرئيس: «وإذا كان موضوع قمتكم التاسعة، هو "شراكة أقوى من أجل مستقبلٍ أكثر إشراقًا"، فأقول لكم إن المصريين، برغم التحديات الجسيمة، يستكملون بدأب وجدية بناء المستقبل، وتطبيق برنامج طموح للنمو الاقتصادي المستدام، من خلال إصلاح جذري للسياسات المالية والنقدية، وسلسلة من المشروعات القومية العملاقة في مختلف القطاعات، الأمر الذي أمكن معه تغيير مسار الاقتصاد إلى نمو وصل في يوليو الماضي إلى 4،3%، مع ارتفاع حجم الاحتياطي الأجنبي إلى 36 مليار دولار، للمرة الأولى منذ عام 2011».
أولويات وطنية
واستطرد الرئيس السيسي: «كان لدينا منذ البداية، رؤية مبنية على ذات الأولويات التي اعتمدتها أجندة التنمية 2030، مسترشدين كذلك بأجندة أفريقيا 2063، ولكن وفق الأهداف والأولويات الوطنية الخالصة، لتوفير فرص العمل وتحقيق النمو وتنويع الاقتصاد، مع جعل الشباب ركيزة لهذا الإصلاح وقاطرة له».
تنفيذ أجندة 2030
وتابع: «بما أن محور هذا المنتدى هو كيفية تنفيذ أجندة 2030، فاسمحوا لي بتلخيص رؤية مصر فيما يلي:
أولًا: إنه بدون نظام اقتصادي عالمي عادل وشفاف، وتعزيز مشاركة الدول النامية في أطر الحوكمة الاقتصادية العالمية.. وبدون نظام تجارى متعدد الأطراف يقوم على احترام القواعد وتمكين الدول النامية.. فإنه لن يمكن لدولنا الوصول لمعدلات ومؤشرات الأداء الاقتصادي للدول المتقدمة.
ثانيًا: إننا نتفق مع رؤية بريكس بأهمية توفير التمويل الكافي – سواء المحلى أو عبر البنوك متعددة الأطراف - لمشروعات البنية الأساسية، التي تعد أفضل سبيل لتحقيق طفرة حقيقية في مستوى النمو الاقتصادي الحقيقي.
تمويل التنمية
ثالثًا: إنه لا يتعين أن تظل مسألة تمويل التنمية مشكلة تخص الدول النامية وحدها دون سائر المجتمع الدولي.. وفي هذا الإطار نلحظ بقلق بعض الدعوات لإعادة تفسير مبدأ "المسئولية المشتركة والمتباينة"، من خلال تقسيم جديد للدول من صناعية متقدمة إلى حديثة التصنيع ومتوسطة النمو، بحيث يصبح عبء التنمية لبعض الدول النامية مسئولية نظرائهم من الدول النامية أيضًا.
رابعًا: من الضروري أن تؤكد الدول النامية على حقها في العمل وفق رؤيتها وأولوياتها الوطنية وظروفها الخاصة، دون أن يكون ذلك مصدر انتقاد لها خلال المراجعات الدولية لمدى تنفيذها لأجندة 2030.
خامسًا: من الناحية العملية، فإننا نقترح النظر في تكوين مجموعة اتصال مصغرة تضم الدول التي تشارك في هذا المنتدى، لتتولى وضع بدائل لتنفيذ كلٍ من الأهداف السبعة عشر لأجندة التنمية المستدامة، من ناحيتي السياسات ثم وسائل التطبيق، سواء كان ذلك على المستوى الحالي أو المستقبلي.
"السلم المستدام"
وعن دعوة مصر للجلسة، قال الرئيس السيسي، « إن مصر تثمن غاليًا دعوتها لجلسة الحوار هذه، والتي لا شك ستثرى رؤيتنا حول التنمية بكل أبعادها، بما في ذلك مفهوم "السلم المستدام" الذي تشير إليه وثائق تجمع بريكس، لاسيما في عصر يشهد تحديات جسام من فقر، وتدهور مناخي، وتآكل في موارد الأرض، وإرهاب سياسي وفكري وعرقي، حيث بات تحدى التنمية والحياة الكريمة لشعوبنا دافعًا ومحركًا للعمل الجماعي المشترك، على غرار تجمعكم هذا، الذي نهنئكم على نجاحه الباهر بعد عقد كامل من الجهد المنتظم والعمل المشترك.
أهداف ومواقف
وقال السيسي.. وفى هذا الصدد، فإن لدى عددًا من الرسائل أو الأفكار التي أدعو التجمع للنظر فيها:
بينما تؤيد مصر تجمع بريكس وأهدافه ومواقفه، فإننا على يقين أيضًا بأن لدينا ما نقدمه لتجمعكم هذا من الإمكانيات الحالية والمستقبلية. ويكفي أن أشير هنا إلى محور قناة السويس الذي يتم تحويله ليضم عددًا من المناطق الصناعية والتكنولوجية واللوجستية العملاقة، لتخدم حركة التجارة والصناعة والنقل والابتكار إقليميًا وأفريقيًا ودوليًا، بما يمكن أن يفتح منافذ جديدة وهائلة للتفاعل الاقتصادي بين دولنا.
الطريق الأخضر
وعن دعم مبادرة الحزام والطريق، قال الرئيس: «من هنا كان دعم مصر لمبادرة الحزام والطريق، التي أطلقها رئيس الصين، لإعادة الروابط التجارية والثقافية بين الشرق والغرب عبر شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط التي تقع قناة السويس في القلب منها، والتي حملت تجارة الشرق الأقصى إلى أوروبا وأفريقيا على مر العصور».
تجربة فريدة
ونوه الرئيس السيسي إلى إن مصر ترى في تجربة بريكس الفريدة، ونجاحها في تحقيق درجة غير مسبوقة من تنسيق السياسات وتطبيق التعاون الفعلي بين أطرافها، تجربةً جديرة بالمحاكاة ويتعين دراسة سبل نقلها إلى دوائر أوسع من الدول النامية، كما نعرب عن استعدادنا للدخول في علاقات تعاون ثلاثي مع دول بريكس في أفريقيا، في تجسيد حقيقي للتعاون جنوب-جنوب.وإننا نقدر أن التفاعل على نمط مباشر أو غير مباشر بين دول بريكس وغيرها من الدول البازغة، من الممكن أيضًا أن يستفيد من الأدوات المالية التي يقدمها بنك التنمية الجديد، وفق ترتيبات أكثر مرونة للدول النامية غير الأعضاء بتجمع البريكس.
آلية مناسبة
واختتم الرئيس: «يسعدني أن أعرب عن تطلعنا لأن يتمكن تجمع بريكس من التوصل، في وقتٍ قريبٍ، إلى آليةٍ مناسبة للتواصل والحوار مع كافة الدول النامية، التي يمكن أن يكون لها إسهاماتها في التجمع، بما يدفع جهودنا التنموية إلى آفاق واسعة، ويحقق شراكة أقوى بين دولنا، من أجل مستقبل أكثر إشراقًا لشعوبنا».