رغم الحرب التى أعلنها قادة الإخوان على مصر، شعبا وجيشا وشرطة، وحشدهم للذئاب الجائعة إلى الدم، فى رابعة والنهضة، وشحن الشباب بخطاب تكفيرى وتحريضى، استمدوه من مقاربات فقهية خاطئة، استلهموها من تراث القرون القديمة، ثم أطلقوها علينا، لتحرق الأخضر واليابس، فى حرب إرهابية غادرة وشعواء، لم تنجح الدولة بعد فى تحقيق العدالة الناجزة، وقطع يد الإرهاب الغادرة التى لاتزال تضرب من حين لآخر، فى عمق الدولة المصرية.
مواجهة الدولة المصرية لمعركة الإرهاب الممتدة، احتاجت إلى خطوات أمنية وفكرية واقتصادية، والأهم أنها احتاجت إلى إطار قانونى، يستطيع تحجيم التنظيمات الغادرة، ووأد التطرف فى مهده، والسؤال الآن، هل حققت مواجهتنا للتنظيمات الإرهابية أهدافها أم لا؟ خاصة فى الإطار القانونى الذى وصفه الرئيس السيسى يوما بأن «يد العدالة الناجزة.. مغلولة بالقوانين».
عدم تعريف الإرهاب بشكل دقيق حرم الحكومة من قدرتها على الردع
اللعبة القذرة للتنظيمات الإجرامية استدعت فى البداية اتخاذ قرار من الرئيس السيسى بإعادة صياغة قوانين المواجهة مع الإرهاب، نظرا لكونه كان يجمع فى ذلك الوقت بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لعدم وجود مجلس تشريعى منتخب، ما جعله يتدخل لملء الفراغ التشريعى، لوضع إطار جديد للمواجهة.
السيسى أصدر فى 17 فبراير، القانون رقم 8 لسنة 2015، بشأن تنظيم المواجهة مع قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، فى مواد عشر، وضعت تعريفا دقيقا للإرهابى، وللكيانات الإرهابية، وسمحت للدولة بتصعيد المواجهة القانونية، وفق قيمها الأخلاقية.
عيوب القانون تمثلت فى عدم وضع تعريف محدد للإرهاب، وهو ما مثل ثغرة قانونية واضحة، مع تحديد مدة الإدراج بالنسبة للكيان الإرهابى بألا تتجاوز 3 سنوات، وهى فترة قصيرة جدا، بالنسبة إلى كيانات تضم إرهابيين يخططون لاستهداف الدولة المصرية، وكان ينبغى ألا تقل المدة عن 10 سنوات.
العيب الأكبر فى قانون الكيانات الإرهابية أنه لم يعالج بطء العدالة، ما جعلها عاجزة عن تحقيق الردع العام والخاص، فجاءت مواد القانون أشبه ما تكون بالعقوبات التبعية، أى أنها جاءت لاحقة على إدانة الشخص أو التنظيم بالعمل الإرهابى، دون أن تمنع ذلك من منبعه.
بالإضافة إلى النقطة السابقة، جاء قصر الإعلان عن قوائم الأشخاص والكيانات الإرهابية على النشر فى الجريدة الرسمية، ليمنع وسائل الإعلام من التوسع فى النشر، رغم أن الردع والزجر للجرائم الإرهابية، كان يحتاج إلى حملات إعلامية كبيرة، وتخصيص صفحات دورية لها عبر موقع الهيئة العامة للاستعلامات، وغيرها من المواقع، مع ضمان التحديث الدورى لها.
القانون الذى حاول أن يحافظ على حقوق المواطنين، كان ينبغى أن يشمل على ضرورة نشر، وتخصيص أماكن فى المقرات الشرطية، توضع بها صور وبيانات الإرهابيين المدرجين على قوائم الإرهاب، كل فى دائرته، لردع الآخرين من المقربين منه، عن الانخراط فى نفس السبيل.
ومن المثير للدهشة، أن تنظيم مثل داعش، لم يدرج حتى الآن على قوائم الكيانات الإرهابية، وأن المدرج فقط هو تنظيم فرعى، كان يعمل تحت اسم داعش مطروح، بالإضافة إلى كون قوائم الأشخاص والكيانات الإرهابية يصعب الوصول إليها بشكل عام.
اغتيال النائب العام فتح الباب لـ«قانون أغسطس 2015»
اغتيال النائب العام الشهيد هشام بركات فى يونيو 2015، أثبت أن قانون فبراير، لم يردع الإرهابيين، وهو ما تحدث عنه الرئيس السيسى بوضوح فى جنازة الشهيد، عندما قال إن العدالة عاجزة، وأشار إلى وجوب تفعيل العدالة، واستكمال النصوص القانونية اللازمة لمواجهة الإرهاب.
«خلوا بالكم إيد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين، ومش هانستنى على ده، إحنا هانعدل القوانين، اللى تخلينا ننفذ القانون والعدالة، فى أسرع وقت ممكن، وخلال أيام هتتعرض قوانين الإجراءات الجنائية المضبوطة، إحنا بنقابل إرهاب.. لازم يبقى فيه محاكم وقوانين تواجه ده، مش هنقعد 5 سنين أو 10 سنين نحاكم، دول بيصدروا الأوامر من داخل القفص، وإحنا هنخلى القانون يواجه ده»
التوجه الجديد نتج عنه تحرك آخر فى أغسطس، بصدور القانون رقم 94 لسنة 2015، المسمى بقانون مكافحة الارهاب، واشتمل على 54 مادة، عالجت القصور فى قانون الكيانات الإرهابية، ووضعت تعريفًا محددًا للعمل الإرهابى، ولمسألة تمويل الجريمة الإرهابية إلكترونيا، ودعم التنظيمات بالملاذات الآمنة، والمعلومات.
وجاءت نصوص القانون مفصلة بشكل واضح، وشاملة للجرائم والأفعال الإرهابية، وهدفت فعلا إلى تحقق الردع العام، وأضافت تشديدات، يمكن بها ملاحقة الإرهابيين، وعاقبت للمرة الأولى على أفعال الشروع والتحريض والاتفاق والمساعدة والتسهيل بذات العقوبة المقررة للجريمة التامة.
وفى المقابل، ولتحقيق الردع الخاص، فتحت الباب للإعفاء من العقوبات المقررة فى هذا القانون، لكل من بادر من الجناة بإبلاغ السلطات المختصة، قبل البدء فى تنفيذ الجريمة، وأجازت للمحكمة الإعفاء من العقوبة، إذا حصل البلاغ بعد تنفيذ الجريمة، وقبل البدء فى التحقيق، وذلك إذا مكن الجانى السلطات من القبض على من ارتكب معه الجريمة، أو على مرتكبى جريمة أخرى مماثلة لها فى النوع والخطورة.
وفتحت مواد القانون الجديد الباب للانفصال عن الجماعات الإرهابية، وعاقبت بالسجن المؤبد كل من أكره شخصًا على الانضمام إلى الجماعة الإرهابية، أو منعه من الانفصال عنها، على أن تكون العقوبة هى الإعدام، إذا ترتب على الإكراه أو المنع وفاته.
وفى النهاية، قرر القانون تخصيص دائرة أو أكثر من دوائر محاكم الجنايات، لنظر الجرائم الإرهابية، والجرائم المرتبطة بها.
لكن أهم ما عاب هذا القانون هو عدم توضيح بنوده بشكل كافى للمجتمع، أو تسليط الضوء عليه، لكونه يحمل رسالة موجهه للإرهابيين، ومن سيساعدهم أو يعاونهم أو يروج لهم، إن العقوبات على الأفعال ستكون واحدة، مع وجوب إعطاء دفعة لمن يرغب فى العودة إلى أحضان وطنه.
غموض حول عدم تشكيل محاكم أمن الدولة العليا طوارئ
بعد انتخاب مجلس النواب، وانتقال سلطة التشريع إليه، أصبح البرلمان هو الجهة المناط بها استكمال المواحهة القانونية مع الإرهاب، خاصة بعد دعوة السيسى الواضحة إلى استكمال الإطار القانونى وتحقيق العدالة الناجزة، والقضاء على بطء العدالة، لكن الحكومة والبرلمان لم يتقدما بأى خطوة جديدة فى هذا الشأن.
ومع مضى الدولة فى حربها ضد الإرهاب، وجه الإرهاب تفجيراته نحو الكنيسة البطرسية بالقاهرة، وقتل 23، وأصاب 49 مصريا آخرين، فيما قال الرئيس السيسى متقدما الجنازة «العزاء لكل المصريين، والمصاب مصابنا كلنا، وإحنا حاجة واحدة، إحنا مش هنسيب تارنا، وبصراحة بقى للحكومة والبرلمان، لازم نتحرك بشكل أكثر من كده، لأن القوانين مكبلة للقضاء.. مش هينفع كده، ولازم تعالج الإرهاب بشكل حاسم».
ومع توالى الضربات الغادرة، فى تفجيرات كنيستى مار جرجس فى مدينة طنطا، التى نجم عنها وفاة 29 شخصًا، وإصابة 76، ومار مرقس فى مدينة الإسكندرية التى أسفرت عن وفاة 17 شخصًا وإصابة 48، تدخل الرئيس مرة أخرى فى معركة الإطار القانونى المواجه للإرهاب.
الرئيس قرر بعد حوادث التفجير استخدام حقه الدستورى، طبقا للمادة 154 من الدستور وأعلن حالة الطوارئ فى البلاد لمدة 3 أشهر، وهدف إلى إعادة تشكيل محاكم أمن الدولة طوارئ، بشقيها الجزئية والعليا، من أجل تحقيق الفصل السريع فى القضايا المتداولة لدى دوائر الجنايات، التى تنظرها، وتنظر إلى جانبها عددا من قضايا أخرى، مثل السرقة والقتل وغيرها، مع الفصل فى القضايا المنتهية التحقيق، والمتراكمة لدى نيابة أمن الدولة.
ورغم موافقة مجلس النواب على إعلان حالة الطوارئ فى إبريل 2017، وإصدار القانون رقم 12 لسنة 2017، بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 162 لسنة 1958، فى شأن قانون الطوارئ، إلا أن المحاكم التى التى استهدفتها خطوة الرئيس، لم تتشكل حتى الآن، رغم مد حالة الطواريء مرة أخرى حتى أكتوبر 2017، كما أنها لم يتم تشكيلها حتى الآن.
تعديل القوانين الخطوة الأخيرة لمواجهة إطالة أمد التقاضى
فى إبريل، وبعد تدخل الرئيس، تم إصدار القانون رقم 11 لسنة 2017، بشأن تعديل بعض أحكام قوانين الإجراءات الجنائية، وقانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، وقانون قوائم الكيانات الإرهابية وقانون مكافحة الإرهاب.
وحاولت التعديلات أن تجد حلا لمسألة بطء العدالة، وإطالة أمد التقاضى، كما ساهمت فى حل 3 مشكلات أساسية، شكلت ثغرات قانونية، واستغلها الإرهابيون للإفلات من يد العدالة أو تعطيلها.
الثغرة الأولى كانت فى عدم فصل محكمة النقض فى موضوع الدعوى من أول مرة، وإعادتها للنظر أمام محكمة الجنايات مرة أخرى، وبعد صدور حكم محكمة الجنايات، يكون للمحكوم عليهم حق الطعن، بطريق النقض للمرة الثانية، ما يجعل الفصل فى الجناية يستمر أعواما طويلة، فقرر التعديل جعل النقض مرة واحدة، بمعنى أن تفصل محكمة النقض فى الدعوى، دون إعادتها لمحكمة الجنايات.
أما الثغرة الثانية فتمثلت فى ظاهرة الأحكام الغيابية، فأباح التعديل حضور وكيل المتهم عنه فى الجنايات بتوكيل.
أما الثالثة، فكانت تعطيل المحاكمة لسماع كل الشهود، الذين قد يبلغون ألف شاهد، فقرر التعديل أن على الخصوم أن يحددوا أسماء الشهود، وبياناتهم ووجه الاستدلال بهم، وللمحكمة أن تقرر من ترى لزوم سماع شهادتهم، وإذا قررت عدم لزوم سماع شهادة أى منهم، أن تسبب ذلك فى حكمها.
تعديل قانون الكيانات الإرهابية كان أكثر أهمية، لكونه قرر أن يصبح الإدراج على أى قائمة لمدة لا تتجاوز خمس سنوات، تطويرا لمدة 3 سنوات السابقة، وأضاف القانون أثرا جديدًا للإدراج بالنسبة للشخص الإرهابى، وهو حظر ممارسة كافة الأنشطة الأهلية أو الدعوية تحت أى مسمى.
كما أضافت التعديلات مادة جديدة، تبيح للنائب العام أن يصدر أمره بالتحفظ على أى مال ثابت، أو منقول ومنع مالكه أو حائزه من التصرف فيه، إذا وجدت دلائل أو معلومات تدل على أن هذا المال متحصل أو مستخدم فى تمويل نشاط ارهابى، ويعرض هذا الأمر على المحكمة لتأييده أو الغائه أو تعديله.
كما أضافت التعديلات 3 مواد هامة إلى قانون الإرهاب، أولها أن تقضى المحكمة عند الإدانة بمصادرة كل مال ثبت أنه مخصص للصرف على الأعمال الإرهابية، وإدراج المحكوم عليه والكيان الذى يتبعه مباشرة فى القوائم الإرهابية.
والثانية توسيع مدة التحفظ من أسبوع إلى 14 يوما، تجدد لمده واحدة فقط، تحت اشراف النيابة فى حالة قيام خطر من أخطار جريمة الإرهاب، ولضرورة تقتضيها مواجهة هذا الخطر الحق فى جمع الإستدلالات والبحث عن مرتكبيها والتحفظ عليهم.
اما الثالثة فكانت خاصة بمعالجة استخدام الإرهابيين للحق فى رد القضاة، والذى تم استخدامه لإطالة أمد التقاضى، فرفعت قيمة رسم الرد، وحددت ميعادا سريعا للفصل فيه.
ومؤخرا، أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى قرارا يحمل رقم 355 لسنة 2017، ويقضى بإنشاء المجلس القومى لمواجهة الإرهاب والتطرف، بما يهدف إلى حشد الطاقات المؤسسية والمجتمعية للحد من مسببات الإرهاب ومعالجة آثاره، وهى خطوة جديدة هامة من أجل تحقيق المواجهة الشاملة مع الإرهاب.
إنشاء محكمة خاصة لجرائم الإرهاب.. حل طال انتظاره
رغم التطور الكبير الذى قاده الرئيس السيسى فى تنظيم الإطار القانونى لمواجهة الإرهاب، والتعديلات الأخيرة للقوانين، إلا أن مشكلة العدالة الناجزة لم تجد حلا حقيقا بعد، ولازال التلاعب بالعدالة أو تعطيلها سمة أساسية فى قضايا الإرهاب.
وبالقياس على أزمات سابقة، يمكن للدولة أن تستلهم إجراءاتها السابقة عندما أصدرت القانون رقم 10 لسنة 2004، الذى قضى بإنشاء محاكم الأسرة، والقانون رقم 120 لسنة 2008، الخاص بإنشاء المحاكم الإقتصادية.
ولطبيعة الفترة الراهنة، يكون على الدولة أن تسعى لإنشاء محاكم جديدة متخصصة فى قضايا الإرهاب، يكون لها وحدها حق الفصل فى هذه القضايا، وإحالة القضايا المتداولة التى تدخل فى اختصاصها ولم تحجز للحكم، إليها، وبهذا يمكن للدولة أن تساهم فى المعركة، وأن تفعل القانون، بشكل يمكنها من تحقيق العدالة الناجزة والردع العام والخاص بشكل قوى وسريع، يضمن لها الانتصار فى معركتها ضد الغدر والخيانة.