أوفير جندلمان المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو للإعلام العربى قال مساء الأحد الماضى، إن نتنياهو استضاف وزير الخارجية المصرى سامح شكرى فى مقر إقامته بالقدس الغربية، وتناولا العشاء معا، ثم شاهدا مباراة نهائى أمم أوروبا بين فرنسا والبرتغال التى أقيمت فى باريس.
جندلمان حرص على بث صورة لنتنياهو وشكرى واقفين فى غرفة وأمامهما شاشة تلفاز يتصدرها هداف منتخب فرنسا الشهير ولاعب اتليتكو مدريد انطوان جريزمان.
لا أعرف مدى دقة أن شكرى شاهد المباراة أم أن الأمر كان مجرد صدفة، ولا أعرف أساسا هل وزير خارجيتنا مهتم أصلا بالكرة أم لا، لكن الذى أعرفه جيدا هو الهوس الإسرائيلى الدائم بالرموز والايحاءات والرسائل غير المباشرة، لترسيخ صور وقناعات معنية.
شخصيا عندما قرأت تصريح جندلمان أن وزير خارجيتنا شاهد مباراة كرة قدم مع نتنياهو وفى القدس الغربية شعرت بالحزن والخجل والقهر وكل ما هو محبط ومؤلم.
أفهم أن يشاهد وزير خارجيتنا مباراة كرة قدم أو فيلما أو مسرحية أو أى عمل ترفيهى مع أى وزير أو مسئول عربى شقيق أو دولى صديق، باستثناء أن يكون ذلك المسئول من إسرائيل، هذه الدولة المسخ هى السبب الرئيسى فى معظم كوارثنا المصرية والعربية والإسلامية.
أدرك أيضا أننا قد لا نكون قادرين الآن على قطع العلاقات الدبلوماسية مع هذا العدو، لكننا لسنا مضطرين إلى أن نبتسم فى وجه عدونا تطبيقا للمثل العربى الشهير «إذا بليتم فاستتروا».
أدرك أيضا أن شكرى ذهب إلى إسرائيل لبحث موضوعات وقضايا جادة تهم المصالح المصرية، لكن الذى سيبقى فى ذاكرة الكثيرين للأسف هو صورة شكرى فى ضيافة نتنياهو، يشاهدان المباراة.
المغزى الوحيد لبث إسرائيل لصورة وزير خارجيتنا وهو يشاهد مباراة كرة قدم مع مجرم الحرب نتنياهو هى الإيحاء للإسرائيليين والمصريين والعرب وكل العالم بأنه لا توجد مشكلة بين إسرائيل والدولة العربية الأكبر فى المنطقة، وأن العلاقات بين البلدين صارت «سمنا على عسل» للدرجة التى تدفع وزير خارجينا وهو يزور إسرائيل لأول مرة ان يجلس مع نتنياهو لساعة ونصف الساعة ليشاهد مباراة كرة قدم.
أدرك أن غالبية المسئولين فى مصر فى كل العهود من جمال عبدالناصر إلى عبدالفتاح السيسى مرورا بالسادات ومبارك والإخوان يتعاملون فى قرارة نفوسهم مع إسرائيل باعتبارها العدو الاستراتيجى، لكن إسرائيل تحاول دائما تسخير الرموز فى علاقتها معنا لكى تحقق انتصارات طوال الوقت.
فى 5 يونيو 1981 دمرت إسرائيل المفاعل النووى العراقى لتكريس يوم 5 يونيو باعتباره يوما للهزائم العربية، وتم ذلك بعد يوم واحد من لقاء أنور السادات ومناحم بيجن للايحاء بأن الرئيس المصرى قد وافق على العدوان الإسرائيلى وهو أمر غير صحيح قطعا!. ونتذكر بالطبع الصورة الأشهر لوزيرة الخارجية الإسرائيلية الأسبق تسيبى ليفنى، وهى تدلل وتبتسم وتستند على وزير خارجيتنا السابق أحمد أبوالغيط قبل ثورة 25 يناير 2011. ونتذكر ايضا تسريب إسرائيل لرسالة محمد مرسى إلى شيمون بيريز التى بدأها بعبارة «عزيزى بيريز»!!.
لا ألوم إسرائيل على إصرارها على توظيف الرموز والتواريخ والصور، لكن ألوم مسئولينا على عدم التنبه لهذا الأمر.
إذا قبلنا مضطرين هذا السلام البارد أو المتجمد مع عدونا الرئيسى، فلماذا نضطر إلى الابتسام فى وجهه والتسامر معه، بينما هو يواصل احتلال الأرض العربية وحصار غزة وتجويعها، وقتل الأطفال الفلسطينيين؟!
لماذا لا يتم إبلاغ كل مسئولينا بأنهم وإذا كانوا مضطرين لمقابلة المسئولين الإسرائيليين، فعليهم ألا ينسوا، على الأقل مراعاة مشاعر الشعب المصرى والعربى واحترام دماء الشهداء العرب منذ نكبة عام 1948 وحتى عمليات القتل اليومى فى الضفة وغزة؟!
كنت أتمنى من وزير خارجيتنا أن يصر على مقابلة نتنياهو فى تل أبيب فقط، وألا يلتقيه فى القدس الغربية. كنت أتمنى ألا يسمح السفير سامح شكرى للإسرائيليين بالتقاط صورة وهم أمام التلفاز أو وهو مبتسم وودود، لأن دلالة الصورة خطيرة حتى لو كانت عابرة وغير مقصودة.
خسرنا المضمون ضد إسرائيل منذ سنوات، فهل نخسر الشكل أيضا؟!
شكرى ونتنياهو.. وكرة القدم وحرب الرموز
مصدر الخبر
الشروق