قصة أخرى حزينة من قصص الإرهاب الذى استشرى ليحصد الأرواح ويرمل الزوجات ويثكل السيدات.. القصة هذه المرة من تونس، رغم أن مسرح الأحداث كان تركيا، وبطلها الدكتور فتحى بيود، وهو طبيب فى الجيش التونسى ورئيس أطباء الأطفال فى تونس.
بدأت القصة التى نقلتها «سى إن إن» عندما غادر أنور، ابن الطبيب الذى كان يدرس الطب، مع زوجته بزعم أنه ذاهب ليتدرب فى سويسرا، ثم اختفى لأشهر قبل أن يتصل بأسرته ليخبرهم أنه انضم إلى داعش فى سوريا ليعمل معهم كمسعف. حاول الأب مراراً وتكراراً إثناء ولده عن الطريق الذى سلكه وشرح له أنه طريق التهلكة ولكن «أنور» أصر على موقفه، فسافر الأب اليائس إلى تركيا وهى المعبر الأساسى للجماعات الإرهابية إلى سوريا وعمل مع السلطات التركية لاستعادة ابنه. وبعد جهود مضنية عاد الابن وزوجته إلى تركيا، فقامت السلطات هناك بالتحفظ عليهما على الحدود التركية مع سوريا.
فرح الوالد الدكتور بعودة ابنه سالماً واستدعى الأم من تونس ليلتقيا بابنهما وليعملا على عودته إلى وطنه وبيته ودراسته.. ذهب الأب إلى مطار أتاتورك ليستقبل زوجته، ولكن دراما الموقف تصاعدت وكأننا نشاهد فيلماً يقبض القلوب.. قامت نفس الجماعة الإرهابية التى كان «أنور» قد انضم لها فى سوريا وهى داعش بهجوم انتحارى على المطار، فلقى رئيس أطباء الأطفال فى تونس د. فتحى بيود مصرعه مع 42 آخرين خلال الهجوم بينما جرح 243 آخرون.. فى دقائق قليلة فقد الرجل حياته فى تركيا التى قررت بعدها تسليم الابن للسلطات التونسية ولكن بعد أن أصبح يتيم الأب إلى ونجت زوجة الطبيب من الهجوم ولكن بعد أن صارت أرملة..
لا يمكننى تخيل شعور الابن بعد مقتل أبيه وهو المتسبب فيما حدث بكل المقاييس، فالرجل ما كان ليأتى لتركيا إلا ليستعيد هذا الابن، وقد صدق قول الله سبحانه «وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ».. هل استفاق «أنور» من هول ما صنعت يداه وأيدى من كان ينتمى إليهم قبل أن يغادرهم؟ هل يفكر اليوم فى أن هذا التنظيم يقتل أبرياء مثل والده دون حق؟ هل استحقت «داعش» أن يكون مسعفاً لأفرادها الملطخة أيديهم بدماء مئات الآلاف من السوريين وغير السوريين واليوم دماء أبيه؟ هل شعر برغبة فى الانتقام من القتلة، خاصة أن أحدث التقارير تقول إن العقل المدبر لهجمات مطار أتاتورك هو شخص مقرب من وزير حرب داعش فى الرقة اسمه أحمد شاتاييف وشهرته «أبو دراع»؟
نفس الأمر ينطبق على كل من صار عضواً فى أى جماعة إرهابية يعتقد أنها تدافع عن الحق وتدافع عن الإسلام وهى فى الحقيقة تقتل أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً.. ولكن هذا التعبير ظل مجازياً إلى أن تسبب الشاب أنور التونسى فى مقتل أبيه بأيدى زملاء له اقتنعوا وأقنعوه أنهم على حق وهم حقيقة فى ضلال مبين.. شباب من بيننا انتهجوا نفس الدرب فهل يفيئوا إلى عقولهم؟ هل ندعو لهم بالهداية والصواب قبل أن يستيقظوا يوماً ويكتشفوا ما اقترفته أيديهم فتصيبهم لوثة كالتى أعتقد أنها بالتأكيد أصابت أنور.. إلا إذا..
إلا إذا كانت مشاعر طالب الطب التونسى قد تجمدت بفعل المتخصصين فى داعش الذين استقطبوه باقتدار، وبالتالى قد يكونون غيروا من ملامح عقله وإدراكه باقتدار أيضاً، فلا يشعر بذنب تجاهه أو تجاه غيره من الضحايا الأبرياء.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.