ربما الموت هو أكثر كشفا للحقائق من الحياة، وعندما يموت ثلاثة مراهقين من تنظيم داعش الإرهابي على ضفاف نهر دجلة، ويتركون وراءهم الصور الشخصية والوثائق التي تكشف عن قصة غير عادية من حياتهم الشخصية، فسوف تفتح كهف الأسرار.
وبحسب شبكة بي بي سي، في تقرير عن الحياة السرية لمراهقي داعش، فإن الجنود من قوات الشرطة العراقية الخاصة، المعروفة باسم قسم الاستجابة للطوارئ، اكتشفوا ثلاث جثث لمراهقي داعش، كان واحد منهم مدفونًا تحت أنقاض خرسانة ويده الصغيرة تبدو من تحت الأنقاض وعيونه مفتوحة، ولكن جزءًا من رأسه مفقود، توفي فى غارة جوية استهدفت قبو الأسلحة للتنظيم، واثنان من داعش قتلهما في تلك اللحظة الجنود العراقيون رغم تخوفهم من حملهما قنابل، وذلك أثناء توجه الجيش العراقي نحو غرب الموصل، لتحرير المدينة، وهي آخر معقل كبير لـ"داعش" فى العراق.
وعن قرب، ألقى جندي عراقي نظرة على الداعشي المراهق المقتول.. ساقه اليمنى متشابكة، مقطعة إلى العظم، ويبدو أنه قد زحف إلى خارج المخبأ، ووجد مكانا صغيرا في الصخور على ضفاف النهر.
حتى وهو ميت وجهه مميز.. ذقنه صغيرة وأنفه صغير.. ذو لحية متموجة.. هو صبي أكثر منه رجل. وبالنسبة إلى داعش فإن المقاتل هو أي شخص فوق سن الـ 15، ولكن بعض المجندين هم أصغر سنا بكثير، وفي مكان قريب، يجد الجنود العراقيون بندقية M16 التي تعتبر ملكا للحكومة الأمريكية بجواره.
ومن المرجح أن تكون من بين آلاف الأسلحة والمركبات التي استولى عليها تنظيم داعش من القوات العراقية المتراجعة عندما اجتاح التنظيم الإرهابي سوريا منذ أكثر من عامين.
ورغم تخوف الجنود العراقيين من البقاء بجانب الجثة، فلا يزال هناك مقاتلون آخرون لـ"داعش" في المنطقة، إلا أنهم استمروا في استكشاف المكان، ووجدوا وهم يفحصون الجثث، بعض النقود، وكمية صغيرة من الليرة السورية لا قيمة لها تقريبا، ولكن في جيبه الآخر، هناك شيء صغير وأكثر قيمة بكثير، هي بطاقة الذاكرة من الهاتف المحمول.
الصور التي سوف تقود إلى كشف الحياة السرية لمراهقي داعش، والصداقة الحميمة بينهم، ووحشيتهم، ورحلتهم خلال معركة الموصل، وسوف تلقي الضوء على ماهية الشاب المراهق، وما أسرار داعش التي تركها وراءها؟
تبدأ الصور على بطاقة الذاكرة من هاتفه المحمول كلقطات عائلية مشرقة، ولكن سرعان ما تسود، يجلس الشاب، مع أثر ابتسامة على وجهه بجانب فتاة صغيرة، ربما شقيقته، ويرفع السبابة وهي علامة الشهادة بقوله "لا إله إلا الله".. شعره مموج طويل، وفيه فرق في الوسط، خداه وشفتاه لونهما وردي، وعيونه تلمع.
ويحدث تحول، سرعان ما كانت هناك صور وهو بين العتاد العسكري، والسلاح على كتفه، وجهاز اتصال لاسلكي في جيبه العلوي، هذا لم يعد ألبوما عائليا.. هو الآن مهاجم انتحاري على استعداد للتضحية بنفسه.
بطاقة الذاكرة بها صور أخرى أيضا، وهناك صورة وهو مع مجموعة من الشبان والفتيان، واحدة من أكثر ما يلفت النظر صورة لما يبدو أنه شقيق المقاتل في السلاح، هذا الرجل يبدو أكبر سنا منه.. شعره طويل وهو أيضا لديه فرق في المنتصف، إنه يحدق باهتمام في الكاميرا ويرتدي قفازات سوداء ومخبأ في قميصه، هناك حزام انتحاري.
وهناك صور جماعية أيضا مع الرجال الأكبر سنا، وجوههم لا تنسى، ولكن الصور من بطاقة الهاتف بها سر آخر.. الصور تظهر أن تنظيم داعش يكافح من أجل الموارد، ولا سيما الافتقار إلى المجندين وأن صفوف الخلافة تستنزف بسرعة.
وعندما صعد الجنود العراقيون إلى المخبأ وجدوا غرفًا قذرة بها صفحات من الملاحظات المكتوبة بخط اليد، مفصلة، والرسوم البيانية بعناية، وكان من الواضح أنها تعني الكثير للكاتب الذي كتب اسمه بحروف إنجليزية "أبو علي المسلو" ولكن هل هذا هو اسم الشاب الذي يوجد في الصور؟
من كتابة الملاحظات نجد أن "أبو علي" كان يتعلم كيفية إطلاق قذائف الهاون، ويبدو أنه كان طالبا ممتازا ومثابرا، والأهم من ذلك، فقد كتب في قسم الذخائر وخط يده "الذخائر الكيميائية" كسلاح، وهو ما يؤكد أن تنظيم داعش يستخدم الأسلحة الكيميائية في الموصل، وهم مدربون ومستعدون لاستخدامها.
يضفى الطابع الشخصي على مذكراته، هو رسم شعار للوحدة، وختم مؤقت لـ"داعش"، ووصف وحدات الدعم العامة، وهناك شعارات مكتوبة مثل "الدولة الإسلامية: على منهج النبي" و"الدولة الإسلامية سوف تبقى ولو كره الكارهون".
وهناك ورقة وكأنه يسجل السنة الدراسية 2016-2017، والموضوع: هاون، و"العلامات النهائية: مبروك. لقد نجحت، ومجموع العلامات: 100".
ورحل الجنود العراقيون وهم يحملون الصور والوثائق، لكنهم يفكرون في قتلى داعش.. هل سيتمكنون من معرفة المزيد عنهم.. هل لديهم عائلات؟ لكن ثبت أنه من المستحيل التعرف على جميع الرجال في الصور، ومن بين الأوراق والوثائق عدد من الكتب الدينية.
وهناك تساؤل أخير "هل ماتوا سعداء، مع ذلك اليقين في نفوسهم أنهم خدموا قضيتهم كما طلب منهم واستشهدوا"، بالتأكيد قد ماتوا كمقاتلين، لكنهم ماتوا كحمقى.









