الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

«المؤامرة ضد أميركا» لفيليب روث: ماذا إن وصل نازيّ الى البيت الأبيض؟

«المؤامرة ضد أميركا» لفيليب روث: ماذا إن وصل نازيّ الى البيت الأبيض؟

ليست كثيرة الأعمال الأدبية، أو حتى السينمائية التي تنتمي الى ما يسمى بـ «الديستوبيا» وتعني في شكل مختصر إعادة الإبداع لكتابة التاريخ ليس كما حصل بالفعل، بل بصورة مغايرة تماماً لما حصل ودوّنته المصادر التاريخية إن كان مغرقاً في القدم، أو عايشناه بأنفسنا إن كان أكثر راهنية. ويمكننا أن نعطي كمثال على هذا النوع عملين أحدهما أدبي والآخر سينمائي، يعتبران من درر هذا الإشتغال على الخيال- التاريخي. فمن ناحية لدينا رواية فيليب كي. ديك «رجل القلعة العالية» التي يتصور فيها أن النازيين كانوا هم من ربح الحرب العالمية الثانية شراكة مع اليابانيين واحتلوا أميركا الشمالية، ومن ناحية ثانية لدينا، طبعاً، فيلم كوينتن تارانتينو «الأنذال سيّئو السمعة» الذي يتصور حدوث مؤامرة أدت الى اغتيال هتلر في فرنسا في وقت مبكر من الحرب العالمية الثانية، داخل صالة سينمائية باريسية كان الفوهرر يحضر فيها عرض فيلم ألماني يمجد بطولات قناص نازي. في الحالتين كان السؤال الأساس: ماذا كان سيحدث في العالم وأي منقلب كانت الأحداث لتنقلب لو أن ما يُروى هنا كان هو ما حدث بالفعل؟ إن اللافت في هذين العملين الإبداعيين الكبيرين هو أن التاريخ الذي يتناولانه كل على طريقته، يتعلق بمرحلة النازية ما يكشف عن أن ثمة خوفاً منها لا يزال ماثلاً في العقل الباطن الجماعي حتى اليوم. وعلينا أن نلاحظ على أي حال أن جردة حول العدد الأكبر من الأعمال المنتمية الى «الديستوبيا» ستفيدنا بأن معظمها يدور من حول الحقبة نفسها، وتقريباً من حول الموضوع نفسه.

 

 

> خلال الفترة الأخيرة ومع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض في الولايات المتحدة، استحضر مناوئوه الذين أغضبهم بل حتى أرعبهم انتخاب سياسي مثله الى سدة الرئاسة، عدداً كبيراً من الأعمال الأدبية التي كان من مهماتها دقّ ناقوس الخطر إزاء هذا المنحى اليميني الذي عبر عنه مجيء الرئيس ترامب. وكان من أبرز ما استحضروه روايات لجورج أورويل أو آلدوس هاكسلي أو حتى سنكلير لوبس وراي برادبيري تدور من حول الديكتاتورية وحكم «الأخ الأكبر» والحزب الواحد وما شابه. ولئن كانت تلك الأعمال موجهة أصلاً للنيل من ستالين بأقلام كتاب كانوا آمنوا به قبل أن تكشف محاكمات موسكو (1936) عن نزعته الديكتاتورية، فإن مناوئي الرئيس ترامب رأوا أن في إمكانها ان تنطبق على هذا الأخير... وفي السياق نفسه حظيت رواية أكثر حداثة من تلك التي ذكرنا وتتميّز بأن مؤلفها لا يزال حياً بيننا، باهتمام خاص مع انها، في بعض نواحيها على الأقل، لا تنطبق تماماً على الوضع الأميركي الراهن، حتى وإن كانت تذكر بما يبدو، سيكولوجيا على الأقل، قريباً منه. هذه الرواية هي «المؤامرة ضد أميركا» للكاتب المعاصر فيليب روث. وهي رواية لا بأس من المسارعة الى القول، إنها تختلف عن صنف «الديستوبيا» اختلافاً بيّناً، لكنها توصل الى النتيجة نفسها: تصوّر لما حدث في التاريخ يختلف مع ما حدث بالفعل، في شكل يعبر عن رعب ما. أما الفارق بين «المؤامرة ضد أميركا» والأعمال الأخرى الكبيرة المنتمية الى «الديستوبيا» فيكمن في أن رواية روث إنما تبدو منتمية الى ذكرياته الطفولية الحقيقية التي عاشها بنفسه في بيت أسرته في نيو جيرزي خلال العام الأول من عقد الأربعينات.

 

 

> في ذلك الحين كان اليهود الأميركيون لا سيما في نيويورك والمناطق المحيطة بها كنيو جرزي يعيشون حياة عادية ويحاولون تحقيق أقصى درجات الإندماج في المجتمع الأميركي. صحيح أن بعض مظاهر اللاسامية التي كانت تجتاح بعض المناطق الأوروبية الخاضعة لتأثيرات الفكر النازي، كانت تصلهم وكان يطلع بين الحين والآخر أصوات لا سامية تحاول أن تجد لها مكاناً في المجتمع الأميركي، لكنها كانت تمر من دون تأثير يذكر. ولكن في ذلك الحين بالذات، وحين رشح الرئيس فرانكلين روزفلت نفسه لولاية ثالثة في العام 1940، حدث ما لم يكن في الحسبان: رشح نفسه في مقابله، وتحت راية الحزب الجمهوري الذي كان دائماً أقل إنسانية وتسامحاً من الحزب الديموقراطي الذي ينتمي اليه روزفلت، الطيار الشهير تشارلز ليندبرغ. كان الرجل ذا شعبية كبيرة في أميركا والعالم بفضل مآثره في عالم الطيران، لكنه كان في الوقت نفسه معروفاً بمواقفه اليمينية المتطرفة. وكان لا يخفي عداءه، العنصري وليس فقط السياسي، تجاه اليهود هو الذي زار ألمانيا وأبدى إعجاباً كبيراً بهتلر وبالسياسات النازية. ومن هنا، أمام ترشحه للرئاسة وأمام شعبيته دبّ الرعب في صفوف اليهود الأميركيين.

 

 

> والحال أن هذا الرعب هو الذي يصفه لنا فيليب روث في روايته التي ينظر فيها الى الأمور تحديداً من وجهة نظر الفتى الذي كانه، وهو في آخر مراحل طفولته يرصد الحياة العائلية في بيته وبين أهله وأبيه وأمه وإخوته محاولاً أن يتحرى أسباب ذلك الرعب. والى هنا يبدو الكتاب أقرب الى السيرة الذاتية لطفل يحاول أن يفهم، سيرة ذاتية حقيقية ممتعة، سيقول النقاد إن الكاتب عرف فيها كيف يستنفر كل قدرته على التذكّر مضافراً بين حياته الحقيقية وحياة تلك البيئة اليهودية التي يقدم صورتها بما لها وما عليها، وتقريباً كما فعل وودي آلن مجايله في عدد من أفلام سيرته الذاتية وعلى رأسها «أيام الراديو». ولكن إنطلاقاً من هنا، ستحدث تلك الإنعطافة المدهشة في سياق السرد الروائي في «المؤامرة ضد أميركا»: فإذا كان الواقع التاريخي المعروف يقول لنا، طبعاً، أن مخاوف آل روث وأقاربهم وجيرانهم سرعان ما ستتلاشى أمام واقع منع لندبرغ النازي من أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فإن فيليب روث الروائي سيخبرنا بما هو مخالف للواقع التاريخي: سيخبرنا في قلبته الروائية «الديستوبية» أن تشارلز لندبرغ فاز يومها في الانتخابات وأصبح سيداً للبيت الأبيض... فما الذي ستصبح عليه المتغيرات؟

 

 

> هنا أطلق الكاتب العنان لخياله ليحدثنا عن تلك «المؤامرة النازية» التي كانت هي في خلفية وصول الطيار الشعبوي النازي الى البيت الأبيض. وسيقول لنا أنه إذا كان اليهود الأميركيون أول وأكثر من استشعر هول تلك القلبة في المصير الإنساني، فإن العالم كله سيدفع الثمن: ففي ذلك الحين كان العالم الحر يتوقع، والزعيم البريطاني وينستون تشرشل يسعى جاهداً الى، دفع الرئيس الأميركي المقبل، الذي كان التوقع أن يكونه روزفلت ولا أحد غيره، بإدخال الولايات المتحدة الحرب، أو على الأقل، مساندة الاتحاد السوفياتي كي يتمكن من مقاومة الاحتلال الألماني لأراضيه، وبالتالي منع النازيين من السيطرة على أوروبا بأسرها وصولاً الى احتلال الأراضي البريطانية، وهو ما كانوا بالفعل يسيرون قدماً لتحقيقه-، لكن انتخاب الأميركيين لندبرغ، مندفعين بعاطفتهم وراء الكاريزما التي كان يحملها، لا بعقلهم لمجابهة الخطر الكوني الذي يمثله وصول نازيّ شعبويّ الى البيت الأبيض، قلب المعادلات كلها. فأنصار ابتعاد الولايات المتحدة عن الصراع الأوروبي- الأوروبي حققوا مآربهم، بل راح بعضهم يحلم بأن يسود تعاون في السنين المقبلة بعد أن تستتب الأمور لهتلر وجماعته في طول أوروبا وعرضها. ورميت جانباً كل القيم الإنسانية والأفكار التقدمية. صارت الشعبوية سيدة الموقف.

 

 

> لن نقول هنا طبعاً كيف تنتهي رواية فيليب روث. ليس هنا بيت القصيد. فنحن نعرف في نهاية الأمر ما حدث فعلاً في مسار التاريخ نفسه ونعرف أن لندبرغ قد هُزم... لكن المهم في هذا أن روث عرف في هذا العمل المبتكر، ليس فقط تقديم صورة مختلفة لواقع تاريخي كان ذات لحظة مثيراً لرعب حقيقي، بل كذلك إطلاق جرس إنذار ضد ما قد يمكن أن يحدث حين تنتصر الشعبوية على العقل. وروث الذي أصدر هذه الرواية في العام 2004 سيقول انه إنما كتبها إثر قراءته مذكرات آرثر شليسنغر الذي وصف هذا السياسي فيها الرعب الذي كان يجتاحه أواخر الثلاثينات حين بلغت شعبية شخصيات يمينية متطرفة تميل الى النازية، ومن بينها هنري فورد وتشارلز لندبرغ، مستوى مرعباً. وهكذا «سألت نفسي، كتب روث في نص نشرته مجلة نيويوركر في العام 2004 نفسه: ما الذي كان سيحدث لو تحققت محاوف شليسنجر؟» وهكذا تذكر روث حكاية أهله وكتب الرواية التي سرعان ما تصدرت قائمة أكثر الكتب مبيعاً، لتعود الى حياة جديدة مع وصول الرئيس ترامب الى السلطة.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة