إن كنت أحد الغرباء عن العاصمة القاهرة، وتريد الذهاب إلى محافظة الإسكندرية خاصة، لا تحمل عناء السؤال كثيرًا، فبمجرد وصولك إلى منطقة ميدان رمسيس، تتوحد الأصوات المنادية على المسافرين رغم عشوائيتها واختلاطها، فى كلمتين فقط.. "إسكندرية.. إسكندرية" لتجد نفسك أمام عدد هائل من سيارات (الميكروباص) والأوتوبيسات باختلاف أنواعها، فى مشهد لا تجد له وصفًا غير العشوائي.
رغم قُرب مجموعة المشاهد العشوائية تلك من موقف "أحمد حلمي" أحد أهم محطات نقل الأشخاص داخل وخارج القاهرة، وما تسببه من تكدس ومشكلات وعطلة فى وجه وسائل مواصلات النقل العام، إلا أنها كانت دليلًا على "بيزنس" خاص لبعض الأفراد التي تستغل قُرب أهم محطتين يستخدمهما أهل المحروسة بمحافظاتها المختلفة فى التنقل داخل وخارج القاهرة، وهما محطة مترو الشهداء "رمسيس" ومحطة سكة حديد مصر.
بدأت "البوابة" رحلتها الميدانية للكشف عن أصحاب بيزنس المواقف العشوائية بمنطقة رمسيس، من مخرج مترو الأنفاق القاطن أمام محطة سكة حديد مصر، سائلين أحد الباعة الجائلين "فيه موقف لـ إسكندرية هنا؟" ليُشير بيده إلى أسفل كوبرى أكتوبر وهو يقول (كل الميكروباصات اللى قدامك بتحمل إسكندرية)، وما هى إلا مجموعة خطوات قليلة إلا ووجدنا أحد الأشخاص يسأل "إسكندرية يا أستاذ؟" وآخر يُردد " نفرين إسكندرية" وثالث يقول "موقف 21 إسكندرية".
تتعدد المواقف العشوائية بمنطقة رمسيس باختلاف وجهة الأفراد، فمحيط مسجد الفتح تتراص مجموعة سيارات "ميكروباص" يُنادى سائقيها على أفراد تكون وجهتهم المقصودة إما عين شمس أو مدينة نصر أو مصر الجديدة وألماظة والسلام، أما فى شارع الجلاء وبالتحديد أمام مستشفى الجلاء للولادة.
تنتشر مجموعة سيارات أخرى لنقل الأشخاص إلى الهرم وبولاق الدكرور وإمبابة والكيت كات ووحدة وبشتيل، وبنهاية سور قسم شرطة الأزبكية وعلى بعد خطوات قليلة سيرًا على الأقدام، تجد موقف (القُللى) وهو موقف خاص بالمنصورة ودمياط وشرم الشيخ، ثم خطوات أخرى وبالقرب من مبنى حى الأزبكية يقع موقف (التُرجمان) للتنقل داخل محافظة القاهرة.
على الجانب الآخر من قسم شرطة الأزبكية، يمتلك المليونير (أحمد جابر)، جراج على مساحة 500 مترًا، خاص بنقل الأفراد إلى محافظة الإسكندرية، يسع ما يزيد على 15 سيارة ميكروباص من الداخل، وتنتشر باقى السيارات التى تعمل لحسابه فى شارع الجلاء أسفل كوبرى أكتوبر وأمام محطة سكة حديد مصر، لتشكل عائقًا أمام حركة مرور الأفراد والسيارات بالشارع.
بينما فى شارع "السبتية" المتفرع من ميدان رمسيس وفى الزقاق المجاورة لقسم شرطة الأزبكية، تتراص مجموعة أخرى من سيارات الميكروباص بطول الشارع والزقاق، تعمل لحساب رجل آخر يُدعى "نصر قار" لا يمتلك جراج خاصًا، ولكن اقتصر امتلاكه على مكتب بمساحة 20 مترًا، لحجز تذاكر سفر إلى إسكندرية بالأتوبيس فى مواعيد محددة.
يفرض "أحمد جابر" على سيارات الميكروباص التي تكون داخل الجراج الخاص به، 170 جنيهًا فى كل مرة تبدأ فيها رحلة جديدة إلى محافظة الإسكندرية، تُسمى "كارتة" كما يفرض 120 جنيهًا على سيارات الميكروباص التى تعمل فى حيز منطقته خارج الجراج، بربح يتراوح بين 20 و30 ألف جنيه في اليوم الواحد، وبإجمالي ربح يتخطى النصف مليون جنيه فى الشهر، فيما وحد "نصر قار" المبلغ الذى يفرضه على الميكروباص بـ 120 جنيهًا، لعدم وجود جراج خاص به، بإجمالي ربح يتراوح من 300 و500 ألف جنيه شهريًا.
يتناوب على تحميل السيارات بالركاب وتحصيل "الكارتة" من سائقيها، ما يقارب من 20 عامل يعملون لصالح أحمد جابر، وأقل منهم عددًا يعملون لصالح نصر قار، بنظام ثلاثة ورديات خلال اليوم، وينتشر كل منهم فى المنطقة الخاصة بصاحب العمل الذى يتبعه والمتعارف عليها بينهم، حسب ما أكده جمال، الاسم المستعار لأحد السائقين.
ويوضح فى صوت يتخلله عدم الرضى: "السيد أحمد جابر عنده 4 عمال واقفين في شارع الجلاء تحت الكوبرى، و2 عند إشارة التعاون، والباقي قدام الجراج وعند التمثال، ولهم ريس اسمه "محمد" هو اللى بيجمع منهم فلوس الكارتة، وأغلب السواقين مننا بيسيبوا عجلهم وعمال الكارتة هى اللى بتحملها بالركاب.. طالما بندفع فلوس وبيقسموا معانا لقمة العيش".
منذ 10 سنوات تقريًا لم يكن هناك مواقف عشوائية للسيارات فى تلك المنطقة، لا إسكندرية ولا غيره، حسبما قال محمود أيمن، بائع 48 سنة، مضيفًا أنه فى السنوات الأخيرة يزداد الأمر سوءًا يوما بعد يوم، فمنذ أقل من عام قام "أحمد جابر" ابن الإسكندرية، بالضغط على أصحاب المحلات القريبة من منطقة عمله، لشرائها وضمها إلى الجراج الخاص به، حتى يجنى المزيد من المال.
ويتابع: "جابر أشترى سوبر ماركت مساحته أقل من 90 مترا، كان على ناصية الجراج بتاعه، الكلام ده من سنة أو أقل، دفع فيه مليون جنيه على التربيزة، ودبح عجل وقتها، بيركن فيه كام ميكروباص دلوقتى وباقى العربيات بيخليها فى الشارع، هى أرزاق والغلبان اللى زينا مالوش مكان وسط الناس دى".
أحمد ج، سائق، قال: إن مجموعة سيارات الميكروباص التى تقف بجوار مسجد الفتح بمنطقة رمسيس، وبعض السيارات التى تقف أسفل كوبرى أكتوبر بشارع الجلاء، يحكمُها إما البلطجة أو التعاون بين السائقين وبعضهم، لمنع دخول أى سائق غريب بينهم، بينما يتولى بعض أفراد الأمن التابعين لـ"أحمد جابر ونصر قار" الحفاظ على عدم دخول غرباء إلى مناطق تواجد السيارات طرفهم، إلا بعد الاتفاق على دفع ثمن الكارتة لرجالهم مع كل حمولة تقصد إسكندرية.
ويكمل فى نبرة سخط: "فيه 8 بلطجية، أو أمن زى ما بيسموهم، تبع أحمد جابر، دول قاعدين على القهاوى اللى جنب الجراج، لو فيه خناقة أو سواق وقف عربيته وعايز ياكل عيش، تلاقيهم جريوا عليه، يتخانقوا ويمشوه، الواحد منهم بياخد 100 جنيه فى اليوم علشان الوقفة بتاعته، وبيبدلوا مع بعض فى ورديات، 4 الصبح و4 بالليل".
فى حين أن مخالفات وقوف سيارات الميكروباص فى منطقة رمسيس وأسفل كوبرى أكتوبر بشارع الجلاء على عينك يا تاجر، وأنها تحدث أمام مرأى ومسمع من ضباط مركز شرطة الأزبكية وأفراد الحى وأمناء وعساكر مرور القاهرة، إلا أن المشاهد المخالفة للمواقف العشوائية تتمدد بمرور الأيام والشهور، لتشكل بجانبها أيضًا مجموعة مشاهد مخالفة أخرى، متمثلة فى الشجارات المتكررة وتداول المخدرات وتعاطيها.
يقول أحد الباعة الجائلين بالمنطقة، فضل عدم ذكر أسمه: "أصحاب المواقف بيسلكوا حالهم مع الحكومة، بيدفعوا لظباط المرور وللحى، المرور فين وفين لما بياخدوا حد من سواقين الميكروباص مخالفة، يدفع 200 جنيه ويرجع يفضل فى الشارع تانى، بيمشوا حالهم مع الظباط والدنيا ماشيه بالفلوس هنا، لدرجة أن فيه كُشكين اتعملوا جنب بنزينة بالفلوس".
مختتمًا حديثه مع "البوابة" بأنه واحدًا من كثيرين، ممن بلغوا عن مسروقات وقنابل وجرائم ومخالفات فى منطقة رمسيس لقسم شرطة الأزبكية، تُرد مكافأتها على الضباط، دون أن يكترث به أحدًا فى النهاية، بل أحيانًا يقومون بمطاردته فى محل أكل عيشه، قائلًا: "الحكومة مبتقدرش غير على الغلابة اللى زينا".