قليلة هي الأيام التي تمرّ في الولايات المتحدة، من دون تذكيرنا بدور المحامين المهم في الحياة الوطنية، فالحال أن المحامين كان لهم الدور الأكبر في صياغة دستور البلاد أواخر القرن الثامن عشر، وقد ظلّوا يهيمنون على الحياة السياسية منذ ذلك الحين، إما كسياسيين أو كرؤوس مدبّرة تضطلع بدور في عدد كبير من القضايا المتداوَلة في عناوين الصحف، أغلب الأحيان باسم إحدى المؤسسات التجاريّة النافذة أو المصالح الخاصة المموَّلة تمويلاً كبيراً، على غرار لوبي الأسلحة الذائع الصيت.
ولنأخذ مثلاً المساعي الراهنة لعضو مجلس الشيوخ السيناتور إليزابيت وارن لتوفير مساعدات سمعيّة تجارية ميسرة التكلفة، وعرضها للبيع في المتاجر في متناول الصمّ، بدلاً من اضطرارهم إلى استعمال نماذج تجارية باهظة الثمن يصفها لهم الأطباء وغيرهم من اختصاصيي الرعاية الصحية. وهذه المبادرة حسنة النيّة وصادرة عن الحزبين، ويؤمن كل من يؤيدها بأنها ستسمح بخفض الأسعار، وبتحفيز الابتكار، وبتقديم مساعدة مرحّب بها لنحو ثلاثين مليون شخص فقدوا حاسة السمع.
بَيد أن تدخّلاً حصل، ولم يقتصر على المحامين عن قطاع المساعدات السمعيّة التجارية الشديدة الانتشار، بل شمل أيضاً عناصر من نحو 24 مجموعة ضغط مدافعة عن الأسلحة، أفادوا بأن المبادرة المذكورة ستنعكس سلباً على الصيادين الذين يستعملون آلات تحسين السمع الأكثر انتشاراً لسماع طريدتهم بشكل أفضل، ما ينعكس على حقوقهم الدستورية المدرَجة في التعديل الثاني، مع أنّ هذه الأجهزة تحديداً استُثنيَت من مضمون القانون الذي صاغته وارن.
صحيح أن سلوكاً كهذا ينبع جزئياً من انعدام ثقة يكاد يصل إلى حد الهوس بالسيناتور وارن بحد ذاتها، ومن تأثيرها المتزايد، كأول امرأة في منصب سيناتور من ماساشوستس، تحتل مقعداً في عدد من أهم لجان الكونغرس، على غرار لجنة الصحة والتربية والعمل ورواتب التقاعد. وصحيح أيضاً أن السلوك المذكور يعتمد أيضاً على تبريرات أخرى، كالقول إن المبادرة برمتها ليست إلا تدبيراً حكومياً كبيراً هدفه استحداث المزيد من التشريعات التي تفيد مصلحة الشركات عبر زيادة مكاسبها، في حين يتأذّى المستهلكون، ليس فقط لأنّ خياراتهم تصبح أكثر محدوديةً، بل أيضاً لأنّ ذلك سيشجّعهم على خوض أخطار التشخيص الذاتي في الصيدليّات المحلّية، بدلاً من الاستفادة من نصائح اختصاصيي الرعاية الصحية، الذين نالوا أفضل تدريب ممكن.
بالنظر إلى أن إليزابيت وارن ذاتها محامية تدرّبت في جامعة هارفارد، يزيد ذلك من خطورتها بنظر منافسيها، كونهم يرون في المسألة أيضاً منطقاً سياسياً قوياً، بعد وضعهم الوقائع الدستورية جانباً. وعلى رغم أن لممارستهم تأثيراً هائلاً في عدد كبير من الولايات خارج ولاية نيو إنغلند الليبرالية، يقرّون بأنّ تأثيرهم هذا مهدّد، ليس فقط من التأثير الذي تمارسه وارن في واشنطن، بل أيضاً من قدرتها على تطوير تحالفات مع الحزب الآخر في الولاية، تجمعها بجمهوريين يشاركونها طريقة تفكيرها.
بنظر المشككين أمثالي، قد يبدو ذلك مثالاً رائعاً عن المحامين الذي يلجأون إلى جميع التبريرات الممكنة لزيادة قيمة نصائحهم، وبالتالي الرسوم التي يتقاضونها، وبالتالي، وكلّما كثرت السوابق، زاد الانجذاب إلى النصوص القانونية. ومع ذلك، تظهر أخطار أيضاً بسبب وجود شعرة معاوية بين المجالين القانوني والسياسي، ويمكن كسرها بسهولة، رهناً بمدى تسييس أي من القضايا التي تلقى شعبيةً، على غرار الصحة العامة، فتصبح هذه القضايا خاضعة للمطالب وللتصويت الشعبي.
وتماماً كما حصل بالنسبة إلى دعوات سحب الثقة من الرئيس دونالد ترامب، أصدر محامون أمثال البروفيسور آلن ديشوفيتز من جامعة هارفارد تبريراً مفاده أنه على رغم مشروعية تصرّفات ترامب عندما أقال مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي، أخطأ عندما أعلن عما فعله بهذا الأخير، وكانت كلماته بمثابة «إثم سياسي» ذي تداعيات خطيرة.
ومع ذلك، ووفقاً لبحث صدر أخيراً عن نيك روبنسون، المحاضر الزائر في كلّية ييل للحقوق، وشريك البحث المنتسب إلى مركز مهنة الحقوق في كلية هارفارد للحقوق، تبدو التغييرات في المرصاد، مع التراجع المسجل أخيراً في عدد محامي الكونغرس من نحو 80 في المئة من الأعضاء في منتصف القرن التاسع عشر، إلى أقل من خمسين في المئة منهم اليوم، ولم يكتف بتعليل ذلك ببروز السياسة كمهنة، بل أيضاً بالتغييرات الأكثر شموليّة التي طالت مهنة المحاماة عموماً. فهناك أولاً منافذ أخرى إلى المناصب السياسية في متناول ما أسماه «الطبقة السياسية المحترفة»، قائلاً إنها تشمل مناصب مساعدين في الحملات، وأعضاء في مجموعات ضغط، وأعضاء في مراكز البحوث، وموظفي القطاع العام. وثانياً، تغيّرت المهنة بحد ذاتها، وقال إنّه في القرن التاسع عشر، كثرت الروايات عن قدوم أفراد من الشعب إلى قاعات المحاكم، للاستماع إلى المهارات الخطابية التي تمتّع بها أبرز المحامين، وللترفيه عن أنفسهم بقضايا اليوم. ومع حلول نهاية القرن، انتقل عدد كبير من محامي النخبة من قاعات المحاكم إلى مجالس إدارة الشركات.
إلى ذلك، ما عاد أبرز المحامين يحتاجون إلى متابعات شعبية حاشدة لاستقدام الأعمال، في حين أن المبادرات المالية في قانون الشركات قد تجعل عدداً أكبر من المحامين يعملون في مكاتب محاماة خاصة. وأخيراً، لفت إلى وجود تبريرات تفيد بأن مَنح طابع تجاري لممارسة الحقوق ربما أدى إلى خسارة الحس الجماعي والروح الشعبية لمهنة المحاماة.
في الختام، تجدر الإشارة إلى مسألة غريبة من نوعها: ففي حين أن جميع الرؤساء الذين حكموا الولايات المتحدة أخيراً كانوا محامين، يتفرد الرئيس ترامب عنهم، ليس فقط بعدم تمتعه بكفاءة قانونية، لكن أيضاً بحاجته إلى محامٍ ينصحه في شأن حقوقه القانونية مع تزايد المطالبات بحجب الثقة عنه.