فى 31 أكتوبر 2015 تحطمت طائرة الركاب الروسية فوق سيناء، وبعدها بأيام قليلة أوقفت روسيا كل رحلاتها الجوية ليس إلى شرم الشيخ فقط بل إلى كل المطارات المصرية، مقتدية بالقرار البريطانى الذى اتخذ خطوة مماثلة، ولكن بطريقة أكثر فظاظة خلال زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى لندن فى 4 نوفمبر الماضى.
حتى هذه اللحظة فإن الكثير من المصريين لا يستطعيون فهم الخطوة الروسية، خصوصا أن موسكو لا تريد أن تعطى موعدا محددا لعودة طائراتها وسائحيها، رغم أن مصر اتخذت إجراءات كثيرة لتأمين المطارات. قد يتفهم بعض المصريين الموقف البريطانى الذى تقول دوائر حكومية إنه لم يكن ودودا منذ 30 يونيو 2013، لكن لماذا تتصرف روسيا معنا بهذا الشكل وهى دولة صديقة للغاية؟!.
المصريون الذين يفكرون بهذه الطريقة، مازالوا يفكرون بطريقة عاطفية. هم يستدعون حالة العلاقات المصرية ــ الروسية «السوفييتية فى هذا الوقت» منذ إمداد مصر بصفقة الأسلحة الشهيرة ــ التى سميت بالصفقة التشيكية رفم انها سوفييتية ــ عام 1955 ثم المساعدة فى بناء السد العالى بعد سحب البنك الدولى لتمويله، ثم المشروعات الاستراتيجية الضخمة، وصفقات السلاح، بل واستشهاد عشرات الطيارين والمستشارين السوفييت الذين ساعدوا مصر فى بناء حائط الصواريخ الذى اكتمل فى عام 1970.
وقتها كانت العلاقات تقوم فى جزء منها على أساس عاطفى أو ايديولوجى فى مواجهة أمريكا والغرب.. لكن السوفييت أصيبوا بصدمة كبرى حينما طرد السادات خبراءهم فى صيف 1972 من دون حتى أن يحصل على ثمن من أمريكا.
هذا زمن انتهى وولى، ويبدو أنه لن يعود. علاقات البلدين وأى بلدين يفترض أنها تقوم على المصالح فقط، وهذا ليس عيبا طالما أنه يلبى مصالح الطرفين.
المصريون العاطفيون يتساءلون مندهشين: كيف تستمر روسيا فى منع سائحيها وطائراتها من المجىء لمصر كى تساعدها فى حلحلة الأزمة الخانقة التى تعانيها السياحة، فى حين أن موسكو قررت قبل أيام استئناف العلاقات الكاملة مع تركيا وأعادت السائحين إلى منتجعاتها، واستأنفت استقبال السلع التركية خصوصا الخضراوات والفاكهة، رغم أن تركيا أسقطت متعمدة طائرة روسية حربية وقتلت قائدها، وتربصت بالقوات الروسية فى سوريا، بل وتناهض السياسة الروسية فى المنطقة بأكملها؟!.
دهشة المصريين لا تتوقف عند هذا الأمر، بل تزداد حينما يتم اتخاذ القرار الروسى بالتقارب مع تركيا بعد أقل 24 ساعة من الهجوم الإرهابى الدموى على مطار اسطنبول ومقتل حوالى 40 شخصا وإصابة العشرات؟
وجهة نظر هؤلاء المواطنين المصريين أنه إذا كان سبب عدم مجىء السائحين الروس هو الأمن فقط، فلماذا يرسلون سائحيهم إلى الشواطئ والمدن التركية التى تتعرض لهجمات دموية إرهابية قاتلة ليست فقط من بعض المنظمات الكردية ولكن من تنظيم داعش، فى حين أن العمليات الإرهابية فى مصر، تكاد تكون قاصرة على جزء بسيط جدا من شمال سيناء؟!.
يتساءل المصريون كيف تتسامح روسيا مع تركيا التى دخلت فى صراع مفتوح معها للإضرار بأمنها القومى، فى حين تتشدد مع مصر التى وقفت معها حينما حاول الغرب عزلها عقب أزمة أوكرانيا، بل ولعبت دورا فى تنشيط الاقتصاد الروسى بصفقات السلاح المتنوعة وأخيرا الصفقة الكبرى بـ25 مليار دولار لبناء مفاعلين نوويين فى الضبعة؟!
من حق كثير من المصريين أن يندهشوا من الموقف الروسى.. لكن عليهم أن يفكروا أكثر فى أن كل شىء فى السياسة مصالح وليس عواطف.. والسؤال الآن هو: ما الذى دفع روسيا وتركيا إلى هذا التقارب المفاجئ؟!.