«عندما يتم تنكيس وإنزال العلم المصرى من سماء جزيرتى تيران وصنافير، سوف ينزل النظام الحاكم من عينى وقلبى وعقلى إلى الأبد. مشهد صعب على أى مصرى، مشهد جنائزى انهزامى كئيب وتعيس، كنت ومازلت أدعو الله ألا أعيش حتى أراه».
الفقرة السابقة نصا كتبها الكاتب الصحفى أنور الهوارى على صفحته على الفيس بوك ظهر أمس الأحد، بعد دقائق من بدء اللجنة التشريعية والدستورية، مناقشة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية وبموجبها تسلم مصر الجزيرتين للسعودية.
هذا الرأى القاطع ليس حكرا على المثقفين والنخبة، لكنه يصل إلى قطاعات شعبية متنوعة. مساء السبت الماضى أوقفنى رجل فى الأربعينيات من عمره تقريبا يعمل فى أحد المطاعم السياحية، وسألنى: «هل صحيح سوف نسلم الجزيرتين؟»، فقلت له: الله أعلم، الأمر فى يد مجلس النواب، وبعد أن قال كلاما كثيرا عن الأرض والعرض والشرف والكرامة، أضاف: «أرجوك بلغ كل من بيده الأمر أننا لن نترك أحد يسلم أرضنا».
أزعم أننى أقابل الكثير من الناس من كل الفئات والطبقات يوميا فى الشارع والتاكسى والمترو واللقاءات والمؤتمرات والجامعات وزيارات دورية لأهلى فى الصعيد. وأقول بثقة كاملة، إننى لم أجد إجماعا شعبيا منذ فترة طويلة مثلما هو الإجماع على قضية مصرية تيران وصنافير.
فى المقابل أستمع دائما إلى رأى الحكومة وأجهزة الدولة المختلفة، وخلاصته أن «الاتفاقية ليست لها صلة بالعواطف والمشاعر، وأنها ترسيم حدود بطرق فنية قائمة على حقائق وخرائط ووثائق، وأنه لا يصح أن نتحدث عن الحقوق، ثم نقوم بأخذ حق آخرين ظلما وعدوانا، وأن حسنى مبارك، هو من وضعنا فى هذا المسار حينما أصدر قانونا عام 1990 يحدد نقاط منتصف الأساس، جعل الجزيرتين يذهبان آليا إلى السعودية، ولم يكن ينقص الا التنفيذ».
لن أدخل فى جدل الوثائق والحقوق والقوانين، لأننى لست متخصصا أو خبيرا فى التاريخ والجغرافيا، بل معنى هنا بالحديث عن السياسة والآثار المتوقعة لتمرير الاتفاقية بصورة سريعة، كما يبدو من السياق الراهن.
فى الأسابيع الأخيرة علمت من مصادر متعددة بأن هناك حركة غير طبيعية فى الملف الذى ظل جامدا فى الثلاجة ثم فوجئنا بأنه يخرج ساخنا فجأة إلى الميكرووف!.
تحدثت مع أكثر من شخص، بعضهم من المسئولين. سألت مصدرا مهما جدا وقلت له: «لن أجادلك فى ترسيم الحدود والحقوق التاريخية وسأفترض نظريا أن الجزيرتين سعوديتان. لكن السؤال المهم هو: «هل هذا هو الوقت المناسب لتمرير الاتفاقية، خصوصا والبلاد مقبلة على اتخاذ إجراءات صعبة جديدة فى إطار تنفيذ بقية مراحل برنامج الإصلاح الاقتصادى وما يتضمنه من ارتفاع جديد للوقود وأسعار الكهرباء وخدمات أخرى، مما سيؤدى إلى موجة أخرى من ارتفاع غالبية الأسعار؟!».
الرجل استمع جيدا وقال إنه يتفهم كلامى، لكنه يرى هذا المنطق غير صحيح. رأيه أن الأساس هو: «إذا كانت الوثائق والرسوم والخرائط تشير إلى أنها سعودية، فلماذا لا نعطى الجزر لهم». يضيف «أننا جربنا كثيرا فكرة التأجيل والمواءمات فى العديد من القضايا والنتيجة أننا وصلنا إلى هذه الحالة، ولو طبقنا هذا الأمر على كل قضايانا فسوف نفاجأ بإسرائيل تقول لنا إن فلسطين أرضكم، لكننا لن نستطيع ان نعطيها لكم لأن شعبنا يرفض أو أنها قد تؤدى إلى فتن واضطرابات فى المجتمع الإسرائيلى!!».
هذا هو المنطق الذى تستخدمه الحكومة، وأعود إلى ما بدأت به وأكرر أن الحكومة أدارت هذا الملف بطريقة خاطئة وكارثية منذ البداية، وخسرت الكثير من شعبيتها لدى معظم المواطنين، وللأسف لم تتعظ من ذلك، ونراها تكرر نفس الأمر الآن، ولا تدرك حقيقة الغليان الشعبى فى صدور الناس.
السؤال البسيط جدا: إذا كانت الحكومة ظلت تؤجل الموضوع 14 شهرا فما هو سر سرعتها الان، ولماذا لا تنتظر حتى تفصل المحكمة الدستورية العليا فى منازعة التنفيذ، وبعدها تترك البرلمان يناقشها، والسؤال الصعب: لماذا اقامت منازعة التنفيذ اصلا، طالما انها تنوى مناقشتها فى البرلمان؟!.
هناك منطق غريب جدا وكأن الحكومة تعادى نفسها فعلا؟!