الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

تحولات على رقعة شطرنج«30 يونيو»

تحولات على رقعة شطرنج«30 يونيو»
«حلفاء» الأمس.. «غرباء» اليوم.. والمصالح تفتح ثغرة فى «جدار العداء» الدولى
  
«لقد استشعرت القوات المسلحة ــ انطلاقا من رؤيتها الثاقبة ــ أن الشعب الذى يدعوها لنصرته لا يدعوها لسلطة أو حكم، وإنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته.. وتلك هى الرسالة التى تلقتها القوات المسلحة من كل حواضر مصر ومدنها وقراها، وقد استوعبت بدورها هذه الدعوة وفهمت مقصدها وقدرت ضرورتها واقتربت من المشهد السياسى، آملة وراغبة وملتزمة بكل حدود الواجب والمسئولية والأمانة».

الفقرة السابقة جزء من بيان 3 يوليو 2103، الذى ألقاه وزير الدفاع آنذاك المشير عبدالفتاح السيسى، عقب ثلاثة أيام من ثورة الثلاثين من يونيو، التى خرج فيها ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين، للمطالبة بإسقاط حكم جماعة الإخوان.
الصورة التى خرجت إلى العلن فى مساء ذلك اليوم اثناء إلقاء البيان، كانت معبرة بشكل دقيق عن فسيفساء المجتمع المصرى بكل عناصره وفئاته، التى انتفضت ضد حكم الإخوان.. ففيها وجدنا الدكتور محمد البرادعى، رئيس حزب الدستور آنذاك، الممثل لجبهة الإنقاذ، التى تزعمت المعارضة السياسية لحكم الجماعة، ومحمود بدر ومحمد عبدالعزيز، من مؤسسى حركة تمرد التى جمعت استمارات التمرد الشعبى على حكم الجماعة، والممثلين لتيار الشباب الرافض للإخوان، وسكينة فؤاد الكاتبة الصحفية (صوت المرأة)، وجلال مرة، الأمين العام لحزب النور (تيار الإسلام السياسى)، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والبابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، المعبران عن عنصرى الأمة (مسلمين ومسيحيين)، وممثل للقضاء بالإضافة إلى المظلة الكبيرة الحاضنة لهذا الاجتماع وهى القوات المسلحة.
كانت الصورة.. «رسالة» إلى المجتمع الدولى.. جميع أطياف الشعب ضد حكم الجماعة، ومؤيدين لإقصائها عن السلطة، بعدما عجزت عن إدارة شئون البلاد، وحاولت اختطاف المجتمع واجهاض حلمه فى التحول الديمقراطى الحقيقى الذى نادت به ثورة 25 يناير.
تصدر أبطال صورة اجتماع 3 يوليو، المشهد لفترة ليست بالطويلة، ومعهم بالطبع القوى التى كانوا يمثلونها والتى تصدت لحكم الإخوان، ثم حدث التحول الكبير، حيث لم يعودوا داخل «الكادرالكبير»، بل خرجوا منه وتفرقت بهم السبل.. فمنهم من غادر إلى خارج البلاد وتلحف بالصمت، ومنهم من رفض السير فى ركاب السلطة الجديدة، واختار السير وراء مبادئه فى معارضة ما يراه غير منطقى فى أمور السياسة والاقتصاد والحريات، ومنهم من «آثر السلامة» ورأى ان مصالحه لن تتحقق سوى بالاقتراب أكثر من نظام الحكم الجديد، ومنهم من وجد نفسه محاصرا داخل السجون، ولا يعرف لماذا؟.. رغم انه من كان من اللاعبين الأساسيين الذين اسقطوا حكم «الإخوان».
اذن تحول حلفاء الأمس إلى غرباء اليوم.. واتسعت الفجوة بينهم وبين النظام الجديد، وأضحت المسافات متباعدة لدرجة كبيرة، ولم يعد فى الإمكان اعادة الحديث عن تحالف 30 يونيو، فقد اصبح أثرا بعد عين، ولم يعد أيضا ممكنا ترميم الشروخ الكثيرة الواضحة للعيان، بعدما تبدى لكل طرف من الأطراف، ان لكل زمان أبطاله، ولكل نظام حكم خياراته وسياساته ورجاله.
المشهد على المستوى الخارجى كان مختلفا إلى حد كبير.. فبعد قيام ثورة 30 يونيو، كان هناك ما يشبه القطيعة مع مصر، احتجاجا على طريقة ازاحة «الإخوان» من الحكم، وبالأخص تدخل الجيش فى العملية السياسية، رغم انه لبى نداء الشعب فى ثورته ضد الجماعة.. فالولايات المتحدة وبعض دول أوروبا وافريقيا، كانوا جميعا فى حالة «خصام تام» مع القاهرة، فى حين ان علاقتهم كانت أقوى مع الجماعة التى استغلت هذا الوضع بشكل خاطئ، وحاولت المراهنة عليه من أجل العودة مرة أخرى إلى كرسى الحكم.
يوما بعد يوم، ومع بدء القاهرة تنفيذ خطة خارطة الطريق، واقرار دستور جديد وانتخاب رئيس وبرلمان جديدين، بدا الجميع على المستوى الخارجى يعيد حساباته وينهى حالة القطيعة، لاسيما وان لغة المصالح أصبحت هى المتحكم فى العلاقات مع القاهرة.. فانتشار ظاهرة الإرهاب على المستوى الدولى، ووجود الكثير من بؤر الصراع المتفجرة فى العالم العربى، وموجات الهجرة غير الشرعية التى هبطت على الدول الأوروبية، وايجاد حل للصراع الفلسطينى ــ الإسرائيلى، والصفقات الاقتصادية وغيرها التى يسيل لها اللعاب، كلها كانت كفيلة باذابة الجليد مع القاهرة وحكامها الجدد، خصوصا وان مواجهة مثل هذه الملفات جميعا، لا يمكن ان تتم إلا بمشاركة فعالة من جانب مصر.
لذا لم يكن غريبا، ان نرى الكثير من كبار مسئولى الدول يزرون القاهرة، ويؤكدون ان «حقوق الإنسان ليست قيدًا فى التعامل مع القاهرة»، وان منطقة الشرق الأوسط من أمن مصر، وأمن هذه المنطقة من أمن أوروبا، وان مصر بلد ذو ثقافة عظيمة ووريث لحضارة عريقة، وانها تخطو نحو الديمقراطية ونحن ندعم ذلك بشدة، وصولا إلى ان «لديكم رئيسا عظيما يستحق الإعجاب والتقدير»، مثلما قال نائب المستشارة الألمانية، ووزير الاقتصاد والطاقة، زيجمار جابريل، خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، وهو تصريح يجب التوقف عنده كثيرا، لأن المانيا بالتحديد كانت فى حالة عداء شديد مع القاهرة بعد الثلاثين من يونيو، واكثر من وجه النقد لما أسمتها «انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر»، وتصدرت الدول الأوروبية فى اعلان معارضتها لنظام الحكم الجديد فى مصر.
لغة المصالح وليس العواطف، هى التى أحدثت بلاشك، ثغرة فى جدار العداء والحصار الدولى الذى تم تشييده خارجيا عقب ثورة 30 يونيو، وهو امر طبيعى ومتعارف عليه فى السياسة الدولية، وبالتالى يجب على القاهرة ان تقوم بجهود كبيرة للبناء على هذه الانفراجة من اجل تعميق علاقات التعاون مع مختلف دول العالم.

مصدر الخبر
الشروق

أخبار متعلقة