"خلال الزيارة خرجت الرسالة".. فخلال ثلاثة أيام فقط، هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحزب الله، مرتين واتهمهما بأنَّهما إرهابيان.. رياحٌ أمريكية هبَّت على المنطقة، قد تحمل وراءها عواصف، لا يتفق بشأنها محللون إن كان يُحمد أو يخشى عقباها.
أمام عشرات القادة المسلمين، وفي أول جولة خارجية منذ توليه الرئاسة في 20 يناير الماضي، وقف ترامب في السعودية واصفًا "حماس" وحزب الله بأنَّهما إرهابيان.. اليوم جدَّد رجل البيت الأبيض هجومه على الحزب والحركة، ما فرض تساؤلات عمَّا تخبئه أيام ترامب لهما.
في خطابه بالقمة العربية الأمريكية بالرياض أمس الأول الأحد، ساوى ترامب بين حماس وحزب الله، وبين تنظيم الدولة "داعش"، وقال إنهم "يمارسون نفس الوحشية"، ورأى أنَّ "حماس وحزب الله تمثلان شكلاً من أشكال الإرهاب الذي يجب على الجميع التوحد لهزيمته".
اليوم في إسرائيل تحدَّث ترامب عن حماس وحزب الله أيضًا، فصرَّح – في كلمةٍ ألقاها في المتحف اليهودي في مدينة القدس: "حماس وحزب الله يطلقوا الصواريخ على التجمعات الإسرائيلية، والتلاميذ الإسرائيليين، يتعلمون عن كيفية الهروب للملاجئ وتنظيم الدولة يستهدف الكنس اليهودية".
تعتبر الولايات المتحدة أمن إسرائيل، جزءًا من أمنها القومي، وهو يجعلها تميل في تعاملها مع القضية الفلسطينية إلى جانب الاحتلال، وخير شاهد على ذلك تصريحٌ أو تعهد لترامب قال فيه إنَّه بلاده ستظل داعمةً لإسرائيل في وجه التحديات التي تواجهها.
لطالما أيضًا ما تفرض واشنطن إجراءات عقابية ضد عناصر وقيادات في حركة حماس، وجناحها المسلح كتائب عز الدين القسام، وهو ما تصفه حركة المقاومة بأنَّه انحياز تام لإسرائيل.
(2).jpg)
(2).jpg)
حماس "إرهابية".. كيف ردّت؟
وجاء وصف الرئيس الأمريكي لحركة حماس بـ"الإرهابية" كتصعيد ربطه محللون بأنَّه قد تعقبه إجراءات على الأرض، وهو وصفٌ رفضته حماس، واعتبرته تشويهًا لسمعة مقاومة الشعب الفلسطيني وتحريضًا عليه وانحيازًا كاملًا للاحتلال.
المتحدث باسم الحركة فوزي برهوم قال – ردًا على الاتهام الأمريكي: "حماس حركة تحرر وطني تدافع بشكل مشروع عن حقوق الشعب الفلسطيني، والإرهاب هو الكيان الصهيوني الذي يمارس القتل الجماعي بحق أبناء شعبنا وبدعم وبغطاء أمريكي رسمي".
لعل ما يجدر إلى الاهتمام هنا هو موقف الدول الخليجية مما يجري، فأغلب المختصين يعتبرون السعودية هي المحرك الرئيسي لمجلس التعاون، قد يُفهم من ذلك توافق يجمع بين البلدان، بينما في حالة حماس قد يكون الوضع مختلف، وذلك لأنَّ حزب الله متفقٌ بينهم على رفض تدخلهم وحراكه، بينما حركة حماس تجمعها علاقات ببعض دول المجلس، ما يجعل من الصعب التكهن – كما يرى محللون – بموقف هذه الدول، إنَّ كان تصميمًا على دعم المقاومة أو ارتماءً فيما يسمونه "الحضن الأمريكي".
.jpg)
.jpg)
عباس.. مع من؟
في الداخل الفلسطيني، فرغم كل ما يبدو عن ولاء الرئيس الأمريكي لصالح إسرائيل في القضية، إلا أنَّ الرئيس محمود عباس يعلِّق عليه آمالًا كبيرة، وهو ما دعاه يقف في بيت ترامب الأبيض يقول – قبل أسابيع – وهو يحادث ترامب: "أنا مؤمن سيادة الرئيس بأنَّكم قادرون على النجاح لأنَّ لديكم الإرادة والرغبة في هذا النجاح، ولذلك نحن قادمون على فرصة جديدة وعلى مناسبة جديدة من أجل تحقيق هذا السلام برعايتكم".
القاسم المشترك بين عباس وترامب هو الموقف من حماس، فالرئيس الأمريكي وصفها بـ"الإرهابية" والرئيس الفلسطيني دائمًا ما يهاجم الحركة ويحملها مسؤولية معاناة الفلسطينيين، وهنا يسأل البعض.. هل تعويل عباس على ترامب سيقود إلى عملٍ ما ضد حركة المقاومة؟
اتخذ عباس سلسلة إجراءات في غزة، اعتبرها البعض عقابًا موجهًا إلى حماس، بل إنَّ محللين - تحدَّثوا مسبقًا لـ"مصر العربية" – أنَّ زيارة عباس كانت بمثابة قربان للإجراءات التي اتخذتها السلطة، فيما ذهبوا أيضًا إلى أنَّ تنسيقًا يجري بين السلطة والاحتلال والإدارة الأمريكية ضد حماس، ومدعى هذا التفسير كان تقدُّم عباس بطلبٍ رسمي إلى الاحتلال لوقف اقتطاع ثمن استهلاك الكهرباء في غزة، وقيمتها 11 مليون دولار، من عائدات الجمارك الفلسطينية.
كشف ذلك مسؤول فلسطيني تحدَّث لصحيفة " الحياة اللندنية"، قال إنَّ السلطة طلبت رسميًّا من إسرائيل، نهاية أبريل الماضي، وقف اقتطاع ثمن استهلاك الكهرباء من عائدات الجمارك التي تجبيها تل أبيب من المستوردين الفلسطينيين عبر الموانئ والمعابر التي تسيطر عليها، لمصلحة السلطة، إلا أنَّ إسرائيل لم تستجب للطلب.
المسؤول صرَّح أيضًا – دون أن تذكر الصحيفة اسمه: "نحن ندفع بدل استهلاك الكهرباء الإسرائيلية في غزة، بينما تقوم حركة حماس بجباية الأموال من المستهلكين وتحول الأموال إلى موازنتها، والسلطة قررت وقف تمويل انقلاب حماس في غزة، وسنكرر الطلب من إسرائيل وقف اقتطاع الأموال من إيراداتنا لمصلحة حركة حماس وانقلابها".
الرئيس عباس استبق ذلك بإجراءات عقابية كبيرة ضد أهالي غزة، فقرر في أبريل الماضي، خصم 30% من مستحقات موظفي السلطة في القطاع، ثمَّ تبع ذلك عدم دفع فواتير الكهرباء التي تغذّي غزة، وإغراقها في الظلام ومياه الصرف الصحي، وترك المرضى على رأسهم الأطفال يموتون في المستشفيات بسبب انعدام الوقود التشغيلية لها.
غضب عباس من حركة المقاومة جاء بعد تشكيلها لجانًا إدارية لإدارة الحكم في غزة فهو يرى أنّها سبب الانقسام، وفي شكل غير مسبوق، حذَّر عباس حركة "حماس" من إجراءات غير مسبوقة، فقال خلال لقائه بالسفراء العرب بواشنطن: "لن نقبل بالاستمرار في العمل مع حماس وهي تشرع الانقسام، وأنا قررت أن أعيد النظر بكل ما أفعله مع حماس في قطاع غزة.. سأتخذ خطوات غير مسبوقة بعدما أوقفت حماس المصالحة، والآن لا توجد مصالحة، وسأتخذ خطوات غير مسبوقة وستكون مؤلمة، إذا لم تعد حماس عما فعلته في غزة".
التداخل الأمريكي في القضية الفلسطينية اعتبره محللون سببًا بأنَّ عباس سيلجأ إلى واشنطن قبل الإقدام على أي تحركات، باعتبار أنَّ الولايات المتحدة تمثل ثقلًا على الصعيد الدولي.
.jpg)
.jpg)
حزب الله.. دفاع وهجوم
نال حزب الله اللبناني نصيبًا من اتهامات ترامب، فهو قال إنَّ الحزب هو "أكبر منظمة إرهابية أسستها إيران"، وهو هجومٌ يتعلق بما تراه واشنطن تهديدًا للأمن العالمي من قبل أذرع إيران في المنطقة، على اعتبار أنَّ الحزب ينال دعمًا كبيرًا من إيران.
قمة الرياض التي كانت موقعًا لهجوم ترامب، يُنتظر أن يرد عليها أمين عام الحزب حسن نصر الله بعد غدٍ الخميس، وهو يلقي كلمةً بمناسبة عيد المقاومة، وهو ردٌ لن يقتصر على القمة ومخرجاتها التي اعتبرها محللون تستهدف في الأساس التدخلات الإيرانية في المنطقة، لكنَّ الحزب سيرد – على ما يبدو – أيضًا على تصنيف رئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين على لائحة الإرهاب الأمريكي والسعودي على حد سواء.
صفي الدين علَّق على إدراجه على قائمة مشتركة للإرهاب من قبل واشنطن والرياض بالقول: "الادارة الأمريكية كانت على حالها وأوضاعها، ولم تتمكن من النيل من المقاومة، وبالتالي فإنَّ هذه الإدارة المعاقة والمجنونة بقيادة ترامب، لن تتمكن من المقاومة ولن يحصلوا على شيء".
وأضاف: "ما سيحصلون عليه هو مزيد من الصراخ الإعلامي، وسينتهي كل ما فعلوه، والولايات المتحدة باتت أضعف بكثير مما كانت عليه في السنوات والعقود الماضية".
.jpg)
.jpg)
ماذا تخبئ أيام ترامب؟
الدكتور سمير غطاس رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية اعتبر أنَّ الإجراءات الأمريكية التي قد تتخذ ضد "حماس" وحزب الله معروفة، حيث تتمثل في حظر اقتصادي ووضع أسماء بعينها على لائحة الإرهاب ومراقبة الأموال.
وقال - لـ"مصر العربية": "حزب الله مدرج من الأساس بقائمة المنظمات الإرهابية، لكن الجديد الآن إدراج حماس بشكل كامل وليس فقط بعض الأعضاء في الحركة".
وصف ترامب لحزب الله وحماس بأنهما إرهابيان يرى غطاس أنَّه جاء تلبيةً لمطالب "إسرائيلية سعودية"، حيث أنَّ التركيز على إيران يأتي تلبيةً لمطالب السعودية وإسرائيل معًا، مشيرًا إلى أنَّه للمرة الأولى لا تعترض تل أبيب على صفقات سلاح تبرمها السعودية والولايات المتحدة، مفسِّرًا ذلك بأنَّ إسرائيل على يقين بأنَّ هذه الأسلحة لن تستخدم ضدها بل في مواجهة حزب الله وإيران.
وأضاف: "نتنياهو قال ما توقف ترامب عن قوله، فالرئيس الأمريكي توقف عن ذكر الإرهاب الإسلامي حتى لا يستفز الممولين السعوديين الجدد بينما نتنياهو أدلى بمصطلح الإرهاب الإسلامي".
غطاس تحدَّث عن مواقف الدول التي تحوم في فلك الولايات المتحدة، في إشارة إلى دول الخليج، حيث قل: "دول الخليج موقفها واضح من حزب الله واتخذت جميعها موقفًا مسبقًا، لكن الجديد بشأن حماس".
.jpg)
.jpg)
وتابع: "هناك تعليمات صدرت قبل خطاب ترامب، فالسفير القطري في غزة قبل يومين من خطاب ترامب دشَّن عدة مشروعات في غزة، وقال نصًا إنَّ أزمة الكهرباء في القطاع معقدة جدًا ولا حل قريب لها وأنّ الأسوأ بالنسبة لغزة لم يبدأ بعد، وهذه لغة جديدة وهذا معناه أنَّ التعليمات الأمريكية صدرت بأن يتم تخفيف العلاقات مع حماس".
وتساءل غطاس: "هل سيبقى إسماعيل هنية في الدوحة، وهل ستبقي قطر على علاقاتها باستضافة حماس ودعمها ماديًّا وإعلاميًّا؟"، معتبرًا أنَّ موقف قطر هو الموقف الأكثر حساسية، باعتبار أنَّ قطر لديها علاقات وصفها بـ"الطيبة" مع حماس وإيران.
واستطرد: "الولايات المتحدة عندما كانت تزعم أنَّها ضد طالبان وتقاتلها في أفغانستان كان يوجد مكتب رسمي للحركة في قطر، على بعد أمتار قليلة من أكبر قاعدتين أمريكيتين خارج الولايات المتحدة، وقبلت بذلك واشنطن، والآن نتساءل عن إمكانية تكرار ذلك فيما يخص حماس، وهل ستقبل الولايات المتحدة في ظل تقسيم الأدوار حاليًّا أن تمارس قطر هذا الدور".
وأشار إلى أنَّ التطور الأخير لن يؤثر كثيرًا على حماس، باعتبار أنَّها في حالة ضعف منذ فترة حسب قوله، وأضاف: "السنوات الثلاث الأخيرة هي الأكثر أمانًا على إسرائيل باعترافات مسؤولين إسرائيليين.. الاحتلال دمَّر شرق بالكامل والناس هناك ليست لديهم قدرة للتحمل، وهناك صمت مصري وعربي على القمع الواقع في قطاع غزة".
حزب الله ليس له نهاية كما يرى غطاس، مرجعًا ذلك إلى استناد الحزب على قاعدة شعبية كبيرة فهو فيلق رسمي كامل لإيران، فضلًا عن أنَّ إيران لن تفرِّط فيه، مؤكِّدًا في هذا الإطار أنَّ الولايات المتحدة ليس بإمكانها القضاء على الحزب.
أمَّا حماس، فأوضح أنَّ الحركة تمر أساسًا بحالة ضعف، مع افتقادها لقاعدة شعبية أسوةً بحزب الله، حسبما رأى.
أيضًا جانب الولاء لإيران تحدًّث عنه غطاس، فقال: "القيادي بحماس اتهم ذات مرة طهران بأنَّها كاذبة وأنَّها لم تعطِ شيئًا للحركة وأيضًا مع اندلاع الأزمة السورية غادرت الحركة سوريا وهاجموا الدور الإيراني في القتال الدائر هناك، أمَّا حزب الله فلم ينقلب مطلقًا على إيران ويبايعها بشكل كامل".
الصفقات العسكرية الموقعة بين واشنطن والرياض خلال زيارة ترامب والتي بلغت 110 مليارات دولار أكَّد غطاس أنَّه سيتم استخدامها في اليمن على الأقل في المرحلة الأولى، بداعي أنَّ هناك تهديدًا على المملكة من قبل جماعة أنصار الله "الحوثي"، بينما حزب الله أو حركة حماس لا يمثل أي منهما تهديدًا على السعودية.