تخمينات كثيرة وتحليلات أكثر، أجمعت كلها على أهمية زيارة ترامب للمملكة، وهي جولةٌ حملت الكثير في المعاني، سعوديًّا وإسلاميًّا وإقليميًّا، وحتى دوليًّا، لكنَّ إيران كما يبدو هي العنصر الأول في الجولة.
اختار ترامب أن يبدأ جولاته الخارجية بدولة إسلامية، فهو اتهم في أوقات كثيرة بعدائه للمسلمين، وما دلَّل على ذلك قراره بشأن منع مسلمي سبع دول من دخول بلاده قبل أن يلغيه القضاء فعُدِّل القرار لاحقًا.
بدأ ترامب بالسعودية، وهذا تعبيرٌ منه عن أهمية المملكة ودورها الإقليمي، وفضَّل الشرق الأوسط وهو شرقٌ تتداخل خيوطه وتذوب محاوره بعضها فوق بعض، حتى بات أشبه بكرة نار يوشك لهيبها أن يحرق كل شيء، كما يرى محللون.
على هامش الزيارة، تستضيف المملكة، على مدار يومين، قمة تشاورية خليجية، وثلاث قمم ستجمع ترامب مع العاهل السعودي، وقادة دول الخليج، وزعماء دول عربية وإسلامية.
إيران والأزمات
ربما يكون العامل الأكثر التصاقًا بكل أوضاع المنطقة وأزماتها هو الدور الإيراني، ففي الوقت الذي تعالت فيه الأصوات عن تحرك لتشكيل محور سني ضد التمدد الشيعي.
الولايات المتحدة تتهم إيران بأنَّها سبب كل أزمات المنطقة، ولعل الأزمة السورية هي أكبر دليل على ذلك، فإلى جانب روسيا، تعتبر "الجمهورية الإسلامية" الأكثر دعمًا لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ولولا هذا الدعم - كما يرى محللون - لما تمكَّن بشار الأسد من البقاء إلى الآن.
أيضًا الأزمة في اليمن، إذ أنَّ إيران متهمة بدعم جماعة أنصار الله "الحوثي" فيما يُسمى بـ"انقلابها" على سلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي، فغرقت اليمن في أزمة حادة، سواء قتاليًّا إذ سقط الآلاف بين قتيل وجريح، أو حتى اقتصاديًّا فتهدِّد المجاعة حياة أكثر من 17 مليون إنسان هناك.

حوارٌ أم مواجهة؟
"كيف المواجهة مع إيران؟".. خياران لا ثالث لهما، لكنَّ أحلاهما مر، فإما مواجهة عسكرية وهنا الحديث عن اندلاع حرب عالمية ثالثة، لا أحد في الأساس مستعد لها، أو الحوار فظهرت أصوات تطالب بمحاورة إيران لحل قضايا المنطقة، وهي ما يراه كثيرون حلًا لن يغني ولن يسمن من جوع.
من أصوات "الحوار" ظهر إياد علاوي نائب الرئيس العراقي فقال إنَّ المشكلات مع إيران وما تسبِّبه تدخلاتها بالمنطقة، تستدعي عقد مؤتمر إقليمي لحلها بحضور طهران، مبررًا ذلك بأنَّ المنطقة لا تتحمل حربًا أخرى.
علاوي صرَّح - عقب لقاءٍ جمعه بالسفير الإيراني الجديد في بغداد أيرج مسجدي - بأنَّه إذ ينتقد تدخُّل إيران في العراق وأماكن أخرى في المنطقة وفي الدول العربية، فهو يرفض بالمقابل أي عدوان عليها، كما يرفض أن يصبح العراق منطلقًا للعدوان على الآخرين.
قد لا يكون هذا الطرح مجديًّا سواء نظريًّا أو عمليًّا حسبما يرى محللون، فالحوار مع إيران ربما تخطَّاه الزمن بتفاقم الأزمات بشكل عاصف في المنطقة، كما أنَّ اللهجة السياسية آخذةٌ حدتها في التصاعد.
اللهجة الأمريكية تجلَت حينما وقف وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس في السعودية يقول – بنظرة عسكرية قبل أن تكون سياسية – إنَّه يتعين التصدي للنفوذ الإيراني، وذلك بعدما صرَّح: "في كل مكان تنظر إن كانت هناك مشكلة في المنطقة فتجد إيران".
حمل هذا التصريح مدلولين، الأول أنَّه جاء من وزير الدفاع، والثاني أنَّه جاء في السعودية التي تجمعها خلافات عميقة مع إيران.
المتفق عليه أنَّ وجود ترامب في السعودية سيحمل الجديد، وهو ما عبَّرت عنه الرياض حين قالت إنَّها ستؤدي إلى "تغيير قواعد اللعبة".

تغيير قواعد اللعبة
الموقع الإلكتروني الرسمي للقمة العربية الإسلامية الأمريكية الذي دشنَّته المملكة ذكر معلِّقًا على الزيارة: "48 ساعة حوار يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة"، في إشارة إلى إيران على ما يبدو.
العلاقات بين السعودية وإيران تشهد أزمة حادة، عقب إعلان الرياض في 3 يناير من العام الماضي، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع "الأخيرة"، على خلفية الاعتداءات التي تعرَّضت لها سفارة المملكة بطهران وقنصليتها بمدينة مشهد شمالي إيران، وإضرام النار فيهما، احتجاجًا على إعدام رجل دين سعودي "شيعي" مع 46 مدانًا بالانتماء لـ"تنظيمات متطرفة".
كما يخيم التوتر على العلاقات بين البلدين بسبب عدد من الملفات، أبرزها الملف النووي الإيراني الذي ترى الرياض أنَّه يهدد أمن المنطقة، والملفين اليمني والسوري، حيث تتهمالسعودية إيران بدعم نظام بشار الأسد بسوريا، وتحالف مسلحي الحوثي باليمن.
.jpg)
لا سبيل إلا الحوار
اتفاقًا مع رؤية نائب رئيس العراق، شدَّد الدكتور محمد حسين أستاذ العلاقات الدولية على ضرورة حل الخلافات مع إيران عبر الحوار.
وقال - لـ"مصر العربية" – إنَّ إيران تتفوق عسكريًّا على كافة الدول العربية، ما يعني حسمها لأي مواجهة مقبلة كونها وصلت إلى التكنولوجيا النووية وقادرة على إطلاق صواريخ "مدمرة".
وأضاف أنَّ الدول العربية تُجر إلى الرؤية الأمريكية الإسرائيلية لمواجهة إيران، مشيرًا إلى أنَّالسعودية ومن ورائها مجلس التعاون الخليجي فقط من ترى تدخُّلًا في شؤون المنطقة من قِبل طهران، بينما دول عربية أخرى تجمعها علاقات طيبة معها، ضاربًا المثل بقطر والإمارات.
وأشار إلى أنَّ ترامب يسعى إلى تشكيل تكتل يضع فيه العرب وإسرائيل في كفة واحدة ليقود المنطقة إلى حرب في مواجهة إيران، مؤكِّدًا من أنَّ هذه المواجهة لا تخدم المصالح الاستراتيجية أو الرؤية العربية كما يجب أن تكون.
ترامب للسعودية" target="_blank">زيارة ترامب للسعودية يراها الخبير الاستراتيجي أنَّها نجحت في إبرام صفقات عسكرية تقدر بالمليارات، يتم من خلالها جر إلى المنطقة إلى حرب مع إيران.
وأشار إلى أنَّه إذا ما انتهت الأزمة اليمنية فإنَّ السعودية ستغير لهجتها بشأن إيران.
اختيار الرئيس الأمريكي لبدء جولاته الخارجية بالسعودية فسَّره حسين بالقول: "ترامب يعلم أين توجد الأموال، ويعلم أنَّ المملكة هي من ستدفع".
وتحدَّث حسين عن عدم حسم السعودية الحرب في اليمن، مشيرًا إلى أنَّ تخطَّت العامين من دون أن تنتهي أمام جماعة أنصار الله "الحوثي"، معتبرًا أنَّ المملكة متورطة في حرب اليمن وتسعى إلى توريط أطراف أخرى في الحرب هناك.
وتابع: "العالم العربي لم يفق من ثباته ولم يفهم معنى السياسة الدولية، فما يفعله ترامب في المنطقة أن يسعى لإلحاق العرب بركابه حتى يحاربوا إيران، وبالتالي تصبح المنطقة أكثر أمانًا لإسرائيل".
المحرك الأساسي في منطقة الشرق الأوسط يرى "حسين" أنَّها إسرائيل، مستطردًا: "أصبحنا نتعامل على أنَّ إيران هي العدو الأكبر ونسينا أنَّ إسرائيل هي الخطر الأكبر".
حسين حذَّر القيادة المصرية مما أسماه "التورط في مواجهة إيران أو غيرها"، مشيرًا إلى أنَّ الغرب يسعى إلى تقسيم المنطقة العربية بالكامل بما في ذلك مصر.
وانتقد "حسين" مجلس التعاون الخليجي لعدم تحرُّكه مع الولايات المتحدة باعتبارها أكبر دولة في العالم، للضغط على إيران لإعادة الجزر الإماراتية المحتلة.
.jpg)
لا حوار.. الحل في المواجهة
الخبير العسكري اللواء حسام سويلم رفض بشكل قاطع الحوار مع إيران، مشدِّدًا على ضرورة المواجهة العسكرية معها على الفور.
في تصريحاته لـ"مصر العربية"، رأى سويلم أنَّ خيار المواجهة مع إيران هو اللازم، رافضًا مبدأ الحوار معها باعتبار أنَّ أي تفاوض معها سيكرس سيطرتها في المنطقة.
وقال: "إيران قالت على لسان قاسم سليماني إنَّها مسيطرة على أربع عواصم والحوار يعني التنازل، فهل تنتظر حتى تستولى على عواصم عربية أخرى".
وأضاف: "العرب لم تعد لديهم مساحات يتركونها لإيران، فهي تعتمد على استراتيجية صانع السجاد، بمعنى العمل بأمد طويل المدى.. إيران تصبر وتصبر وتصبر حتى تقتنص، وهي تدرك جيدًا أنَّ عهد ترامب أربع سنوات لا أكثر ثم يعود الجمهوريون الذين يؤيدونها، وبالتالي ستصبر على ترامب حتى تنتهي مدة ولايته ثم تبدأ تتعامل مع الأمريكان من أجل تعزيز سيطرتها في المنطقة".
فكرة تأسيس حلف ناتو "عربي" يقول سويلم ليست جديدة، فسبق أن تمَّ طالبت إدارتا الرئيسين السابقين جورج بوش وباراك أوباما بأن تشارك الجيوش العربية مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب.
وأضاف أنَّ هذا الأمر يعتبر مخططًا غير معترف به لإحداث حرب بين الشيعة والسنة وذلك لإضعاف الدول العربية والإسلامية، ما يصب في صالح أمريكا وإسرائيل.
أوضح أنَّ إدخال العرب والمسلمين في دائرة لا تنتهي من الحروب تؤدي إلى ضعفهم الشديد، وهو ما ينتهي بهم الحال إلى الاعتماد على الولايات المتحدة.
زيارة ترامب يقول سويلم إنَّها تأتي في صالح الولايات المتحدة، كما صرَّح الرئيس الأمريكي بأنَّ يحرص أولًا وأخيرًا على المصالح الأمريكية.
وأشار إلى أنَّ ترامب يسعى إلى حشد قوات أكبر لمكافحة الإرهاب، وهو ما اعتبره طرحًا غير منطقي كونه يزيد الأعباء على الدول العربية كما يؤدي إلى إضعاف الجبهات الداخلية.
ورأى أنَّ إيران تسعى إلى الاستحواذ على المنطقة من خلال الميليشيات الشيعية مثل حزب الله والحوثيين، والتوسع البحري في البحر الأحمر والخليج، والتوسع في الترسانة الصاروخية، والتهديد النووي، والحرب السيبرانية، مشدِّدًا على ضرورة مواجهة الحرب مع إيران عبر هذه الساحات.
سويلم أكَّد أنَّ الدول العربية في مواجهة فعلية مع إيران، وتحديدًا في الحرب الدائرة باليمن ضد جماعة "الحوثي".
مشاركة أمريكا في هذه المواجهة حدَّدها الخبير العسكري بالقول إنَّ واشنطن عليها تكثيف العقوبات ضد إيران ومحاصرة حزب الله وشن هجمات ضده، وإدانة الجماعات الإسلامية المسلحة التي وصفها بـ"الإرهابية".
واعتبر أنَّ العبء الأكبر في المواجهة مع إيران ينصب على أمريكا وليس العرب، باعتبار أنَّهم متورطون بالفعل في أكثر من جبهة سواء ضد الإرهاب وضد إيران.