السبت 4 يوليه 2026 — القاهرة

بعد الانتهاء من إقراره.. ماذا سيقدم قانون الاستثمار؟

بعد الانتهاء من إقراره.. ماذا سيقدم قانون الاستثمار؟

على الرغم من إقرار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قانون جديد للاستثمار في مارس 2015 حيث كان شرطًا لمؤتمر دولي حشدت له الدولة في شرم الشيخ في الشهر نفسه.

ووافق البرلمان على إقرار قانون أخر للاستثمار لعام 2017، لا يأتي القانون الجديد الذي أشرفت وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد على إعداد مشروعه بتغييرات تمس جوهر فلسفة سابقه في جذب الاستثمار الأجنبي كبوصلة للاقتصاد، كما أنه يحافظ على مواد قانون مارس 2015 لحماية المستثمر بعد ثورة يناير، ولكنه يضيف موادًا تعبر عن المرحلة الجديدة في برنامج التحرير الاقتصادي بعد قرض صندوق النقد الدولي.

فلسفة لا تتغير

يأتي مشروع قانون خورشيد في فترة تتبنى خلالها الحكومة المصرية برنامجًا اقتصاديًا قوامه الاعتماد على قروض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وهو برنامج يقوم على الاستثمار الأجنبي المباشر في دفع النمو، ويعتمد على مجموعة من السياسات المالية والنقدية والهيكلية الصديقة للمستثمر الأجنبي، كما يتضمن تشريعات اقتصادية جديدة كـضمانة للمستثمر تستهدف تحسين مناخ الاستثمار.

لم تكن التعديلات التي أجراها وزير الاستثمار الأسبق أشرف سالمان على قانون الاستثمار لسنة 1997، التي انتهت إلى نسخة 2015، تختلف في هذا التوجه، غير أنها أتت على عجل ليكون القانون جاهزًا قبيل المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ، الذي أملت الحكومة وقتها أن يساهم في إعادة جذب الاستثمارات التي خرجت من مصر في أعقاب التوترات السياسية التي تلت إنهاء حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي في يونيو 2013.

وفي السنة المالية 2015/2016، وهي السنة التي تلت إقرار تعديلات سالمان، وصل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 6.9 مليار دولار، مقارنة بـ 6.4 مليار دولار في السنة السابقة عليها، ليظل دون المستهدف؛ وهو 10 مليار دولار.

و يحافظ مشروع القانون الجديد على غالبية تعديلات مارس 2015، ومنها استمرار العمل باللجان الوزارية الخاصة بمنازعات الاستثمار، وإنشاء المجلس الأعلى للاستثمار، والتزامات الدولة تجاه المستثمر تحديدًا في ما يتعلق بتكلفة إيصال المرافق العامة وتدريب العاملين. كما تستمر المواد الخاصة بأحقية المستثمر الأجنبي في تحويل كامل أرباحه للخارج بدون أي قيود، وكامل ناتج التصفية في حالة تصفية المشروع.

وجاءت المادة رقم 15 في المسودة النهائية لمشروع قانون الاستثمار، التي وافق عليها مجلس الوزراء بنهاية ديسمبر الماضي، وأقرها البرلمان في الأول من مايو الحالي، على أن «تكفل الدولة معاملة المستثمر الأجنبي معاملة مماثلة لتلك التي تمنحها للمستثمر الوطني»، لكنها تضيف أنه »يجوز استثناءً بقرار من مجلس الوزراء تقرير معاملة تفضيلية مراعاة لبعض الاعتبارات الخاصة لمتطلبات الاقتصاد الوطني أو الأمن القومي، أو طبقاً لمبدأ المعاملة بالمثل». التي أضاف مجلس الدولة تعديلًا لها مفاده أنه »يجوز استثناءً بقرار من مجلس الوزراء تقرير معاملة تفضيلية تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل«. حتى لا يفقد القانون دستوريته و لا يخالف مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص المقررين بموجب المواد أرقام 4 و9 و27 من الدستور.

وعلى الرغم من ذلك إلا أن تلك المادة لم تنظر إلى أي اعتبارات سوى اعتبار ضخ الدولارات إلى السوق المصرية في هيئة استثمارات أجنبية، دون النظر إلى الاحتياجات الوطنية من المشروعات الاستثمارية وتسقط مبدأ الأولوية في خدمة الأهداف الوطنية للاستثمار.

فبعد أن كشفت شركة «أيني» عن حقل غاز «ظهر» -في المياه الإقليمية المصرية بالبحر المتوسط – الذي يحتوي على حوالي 30 تريليون قدم مكعب من الغاز، أو ما يعادل 5.5 مليار برميل بترول، تم الاتفاق على خطة تقسيم الغاز المستخرج بين مصر و شركة «أيني»، وذلك لإتمام مهام الشركة الإيطالية لإسراع عملية استخراج الغاز ومع بنود قانون الاستثمار الجديد يحق للشركة أن تبيع حصتها من الغاز للقطاع العام المصري بأسعار الأسواق العالمية وبذلك فإن مصر تعتبر مستورد للغاز الذي ينتج على أرضها وبالتالي فإن الغاز سيقدم للمواطن باعتباره سلعة تتحدد أسعارها وفقًا للأسعار العالمية بدلًا من اعتباره خدمة مقدمة للمواطنين.

ولم يكن هذا فقط بل إن (ميكا مينيو بالويلو) – الباحث في مجال الطاقة- قال:« إن الضحية الأخرى لهذا الاكتشاف سيكون قطاع الطاقة المتجددة، مرجحًا أن الاستثمارات ستنسحب من هذا القطاع بعد الاكتشاف، فمن كان يخطط لبناء محطة طاقة شمسية مثلًا سيعيد التفكير في هذه الخطط»، لم يأتِ هذا من العدم بل جاء نتيجةً لقانون الاستثمار لافتقاده الاعتبارات الضامنة للاحتياجات الوطنية من الاستثمار.

صراع مؤسسات

نص قانون الاستثمار الجديد، على عودة العمل بنظام المناطق الحرة الخاصة مرةً أخرى على أن تكون موجهة للتصدير، كما نص على إقرار حوافز خاصة تتمثل في استرداد المشروعات لنسبة لا تزيد عن 40% من التكاليف الاستثمارية خصماً من ضريبة الدخل على أرباح المشروع في مدة لا تتجاوز 8 سنوات، إلا أن في 21 ديسمبر 2016، أعلنت وزارة المالية رفضها لعودة المناطق الحرة الخاصة – التي تضمنها قانون الاستثمار الجديد- التي تدافع المالية عن إلغائها بهدف مواجهة عمليات التهريب ولتأثيرها السلبي على عوائد الموازنة العامة.

إلا أن القانون تحايل على ذلك باعتباراتٍ نظرية واسمية فقط، فقد عرف القانون المنطقة الحرة كـ «جزء من إقليم الدولة يدخل ضمن حدودها ويخضع لسلطاتها الإدارية ويتم التعامل فيه وفقًا لأحكام جمركية وضريبية خاصة»، ويوضح موقع الهيئة العامة للاستثمار أن المناطق الحرة العامة، التي أبقى عليها مشروع القانون الجديد، هي مناطق مخصصة لإقامة المشروعات الاستثمارية الصناعية والخدمية والتخزينية، وأن المناطق الحرة الخاصة هي تلك التي «تقع خارج نطاق المنطقة الحرة العامة التي خصصت لمشروع استثماري واحد لعدم توافر مساحات بالمناطق الحرة العامة أو للتأثير الإيجابي على اقتصاديات التشغيل»، وبهذا فإن القانون تغافل نقطة العمل المؤسسي فوزارة المالية في اتجاه، و وزارة الاستثمار في عكس اتجاهها.

الاستيلاء على أراضي الدولة

يسمح مشروع القانون الجديد بتخصيص الأراضي مجانًا أو رد نصف قيمتها في بعض الأحيان، لكنه يعاني من غياب تقنين شكل وآلية التخصيص، ومن تعارض بين السلطات المختلفة المخول لها اتخاذ قرار التخصيص.

ويُسقِط مشروع القانون الجديد كلمة «الأراضي» من المواد الخاصة بتصرف الدولة في أصولها، وهي المواد 53 إلى 67، ويكتفي بالعقارات، ولم يذكر المشروع الجديد الآليات المتخذة لتخصيص الأراضي أو أشكال تقنين عملية تخصيص الأراضي، وعلى الرغم من ذلك يجيز مشروع القانون في المادة 36 تخصيص الأرض مجانًا (بدون تحديد حق انتفاع أم تأجير أم تمليك) للمشروعات الاستراتيجية أو رد نصف قيمتها للمشروع الصناعي إذا بدأ الإنتاج خلال عامين من تسليم الأرض.

وتعد المعضلة في ذلك أن طرح أراضٍ بالمجان يتطلب «ضوابط واضحة، وأيضًا أطرًا مؤسسية قادرة أن تراقب»، خاصةً في ظل وجود المادة رقم 19 بالقانون التي تنص على « للمستثمر الحق فى إنشاء وإقامة وتوسيع المشروع الاستثماري، وتمويله، وتملكه، وإدارته، واستخدامه، والتصرف فيه، وجنى أرباحه وتحويلها للخارج وتصفية المشروع وتحويل كل أو بعض ناتج هذه التصفية، وذلك دون الإخلال بحقوق الغير»، وهو ما يجعل المستثمر الأجنبي يضارب على أراضي الدولة تحت مظلة الاستثمار الوهمية ويقوم ببيعها هادرًا حق الدولة وحق المواطنين فيها.

وفي نهاية القول لا يسعنا سوى أن نقول، إن  هذا القانون شرٌ لابد منه؛ تنفيذًا لبنود قرض صندوق النقد الدولي، خاصةً وأن كل المشروعات والاستثمارات التي تأتي مصر «استهلاكية وليست إنتاجية»، لأن المستثمر الأجنبي لديه مؤشرات يراها كي يأتي إلى الاستثمار؛ فعندما يجد قطاعًا عامًّا مغلقًا أكثر من 60% منه وقطاعًا خاصًّا لدية أزمات مالية تهدده بالتوقف عن العمل، وعندما يرى ارتفاعًا في معدل التضخم والبطالة، فلن يأتي للاستثمار؛ ولذلك لا بد من قانون يعمل على الاستثمار الحقيقي وليس الاستثمار التابع للخارج، عن طريق الاستيراد والتجميع في الداخل فقط، فهذا ليس استثمارًا بل استغلال للسوق المصري والإقليمي ولا يضيف كثيرا للاقتصاد الوطني.

 

 

المراجع: 

 

1-   أحمد حمدي، النص الكامل لقانون الاستثمار 2015، 12 مارس/ آذار 2015، المصري اليوم.http://www.almasryalyoum.com/news/details/678109

2-   مروة الغول، ملاحظات مجلس الدولة على قانون الاستثمار الجديد، 5 فبراير/ شُباط 2017، انفراد.https://goo.gl/QxNegL

3-   ياسمين سمرة، نستهدف 10 مليارات دولار فى 2015-2016، 6 ديسمبر/ كانون الأول 2015، اليوم السابع. https://goo.gl/Ofpdv1

4-   منى ضياء، )المالية): لم نوافق على عودة المناطق الحرة الخاصة بقانون الاستثمار الجديد، 21 ديسمبر/ كانون الأول 2016، اليوم السابع.  https://goo.gl/UUZu1l

5-   أميرة صالح، اعتراضات على إلغاء المناطق الحرة الخاصة بقانون الاستثمار، 8 يناير/ كانون الثاني 2017، المصري اليوم. http://www.almasryalyoum.com/news/details/1069322

6-   إيزابل إيسترمن، من يجني ثمار اكتشاف (إني) للغاز في البحر المتوسط؟، 1 سبتمبر/أيلول 2015، مدى مصر. http://www.madamasr.com/en/2015/08/31/feature/economy/supergiant-in-the-sea-who-reaps-the-benefits-of-the-eni-gas-find/

7-   عبدالرازق الشويخي، النواب يوافق مبدئيًا على قانون الاستثمار، 3 مايو/ أيار 2017، البورصة. http://www.alborsanews.com/2017/05/02/1017532

8-   العربية. نت، مصر: قانون الاستثمار الجديد لا يفرق بين مصري وأجنبي، 4 يناير/ كانون الثاني 2017. https://goo.gl/GB76KN

 

مصدر الخبر
البديل

أخبار متعلقة