"فق وهات الكأس أنعم بها.. واكشف خفايا النفس من حجبها.. وروَ أوصالى بها قبلما.. يصاغ دن الخمر من تربها".. إحدى رباعيات الشاعر عمر الخيام الذي نحتفل اليوم بذكرى ميلاده..
وفي ذكرى عمر الخيام الـ 969، ما زالت رباعياته محل جدال، لكونها تختلف عن شخصيته التي عرف بها كعالم جليل مختصص في الرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ، فأبيات رباعياته تدعو للهو والحرية المطلقة، واغتنام فرص الحياة.
"اشرب فمثواكَ التراب المهيلِ.. بلا حبيب مؤنسٍ أو خليل.. وانشق عبير العيش فى فجرهِ.. فليسَ يزهو الورد بعدَ الذبولِ".
وعقب البحث والتنقيب، وبناءًا على تحليل بعض المؤرخين الذين قالوا أن الرباعيات نسبت خطأ للخيام، وهو ما أثبته المستشرق الروسي زوكوفسكي، ورَّدَ 82 رباعية لأصحابها ولم يبقى إلا القليل الذي لم يعرف له صاحب.
"يا طالب الدنيا وقيت العثار.. دع أمل الربح وخوف الخسار.. شرب عتيق الخمر فهى التي.. تفك عن نفسك قيد الإسار".
وقال الكاتب إبراهيم عويس؛ في مقالة له بجريدة الحياة، أن بعض الرباعيات الخيام ترجمت للمرة الأولى، للغة الألمانية فيينا عام 1818 على يد جوزف فون هامربورغشتال، إلا أن الترجمة الأنجليزية كانت الأهم والأكثر انتشاراً وقام بها ادوار فيتزجيرالد 1859، ونقل 75 رباعية من أصل رباعيات الخيام التي يصل عددها، وفق بعض الروايات الى أكثر من 500 رباعية.
وتابع: لعل الغموض الذي يسيطر على رباعيات الخيام سببه أنها منعت من التداول سنوات طويلة، مما أدى إلى الإضافة والحذف للرباعيات الأصلية، وأصبح من الصعب تحديد أي رباعيات نظمها بنفسه وأيها أضيف من طريق تلامذة له، أو من عمل رواة عاشوا بعد زمنه بزمن.
وأوضح أن أقدم مجموعة تضم الرباعيات، لا تورد سوى 206 رباعيات، بينما هناك طبعة تعود الى العام 1461 تحتوي على 158 رباعية... وفي المقابل، ثمة طبعات تضم ما يصل إلى 500 رباعية.
ولقب الخيام بذلك اللقب نسبة إلى والده الذي كان يعمل في صنع الخيام، وولد يوم 8 مايو 1048، مدينة نيسابور، خراسان، إيران، وتوفي 4 ديسمبر 1131.
كان الخيام يعيش حياة مرفهة حيث كان يدرس مع صديقين حميمين، وتعاهد ثلاثتهم على أن يساعد من يؤاتيه الحظ الآخرين، فلما أصبح صديقه نظام الملك، وزيرًا للسلطان ألب أرسلان ثم لحفيده ملكشاه، خُصص له مائتين وألف مثقال يتقاضاها من بيت المال كل سنة.
ساعد هذا المال عمر الخيام، للعيش في رفاهية مما ساعده على التفرغ للبحث والدراسة، وعاش معظم حياته في نيسابور وسمرقند، وتنقل بين مراكز العلم الكبرى مثل بخارى وبلخ وأصفهان رغبة منه في التزود من العلم وتبادل الأفكار مع العلماء.
وينسب لعمر الخيام أنه أوّل من اخترع طريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاة، والذي صار التقويم الفارسي المتبع حتى الآن.
وهو أول من استخدم الكلمة العربية "شي" التى رسمت في الكتب العلمية الإسبانية (Xay) ومالبثت أن استبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها "x" الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول، وقد وضع الخيام تقويما سنوياً بالغ الدقة، وقد تولى الرصد في مرصد أصفهان.
تعرف العالم على عمر الخيام، من خلال أشعاره التي حفرت في الأذهان ويرددها الكثير، وبالرغم من أنها كانت سببًا في شهرته، إلا أنها تسببت في اتهامه بالإلحاد والزندقة، وحرق كتبه.
"سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر.. نادى مِن ألحانِ: غُفاة البشَر.. هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن.. تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر".
ولم تجمع رباعيات الخيام إلا بعد رحيله بثلاثة قرون ونصف، وأشهر من ترجمها من الفارسية إلى العربية الشاعر أحمد رامي، وتغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم.
والرباعيات مكونة من أربع مقطعات من أربعة أشطار، الشطر الثالث مطلق بينما الثلاثة الأخرى مقيدة، وهى تعرف باسم الدوبيت بالفارسية، وقد ألفها بالفارسية وصنفت على أنها من أهم مائة كتاب على مرّ العصور.
ومن الرباعيات نقرأ:
"أفنيتُ عمري في اكتناه القضـاء.. وكشف ما يحجبـه في الخـفاء.. فلم أجـد أسـراره وانقضـى ..عمري وأحسست دبيب الفـناء".
"هبوا املأوا كأس المنى..قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر.. لا تشغل البال بماضي الزمان.. ولا بآتي العيش قبل الأوان.. واغنم من الحاضر لذاته.. فليس في طبع الليالي الأمان".
"إذا انطوى عيشى وحان الأجل.. وسد فى وجهى باب الأمل.. قرّ حباب العمر فى كأسه..
فصبها للموت ساقى الأزل".