تبدو لافتةً في عروض النسخة السابعة لمهرجان «نسيم الرقص» الذي اختتم أخيراً، حالة الضياع الفريدة التي عكسها مهاجرون ورحالة ومتسكعون هم مؤدو العروض الفنية التي احتضنتها شوارع المدينة القديمة وأماكن أخرى تراثية لها أهميتها بالنسبة إلى هوية المدينة الكوزموبوليتانية وتعدديتها الثقافية.
استخدم المشاركون «فن التوهان في المدينة» ممارسة تعبيرية حركية اشتبك فيها المهرجان مع المواطن العادي في الشارع الاسكندري لبناء معرفة بديلة تستفز شعوره للمشاركة والتفاعل واللف والدوران والتسكّع في شوارع المدينة وحاراتها الضيقة ومزانقها، حتى ينغمس روحياً وجسدياً في سياقات الرقص الحديث بما يتيحه من تفاصيل متناثرة.
انطلق المهرجان خلف ساحة «سينما أمير» في وسط الإسكندرية، عبر عرض «هبوط جامح» لمصمم الرقص والراقص أوليفيه دوبوا الذي يعد واحداً من أفضل 25 راقصاً في العالم. والعرض معالجة معاصرة لباليه «بعد ظهيرة حياة برّية» Après-midi d’un faune الذي كتبه ستيفان مالارميه كقصيدة عام 1878 وكان مصدراً لإلهام كلود ديبوسي الذي ألف مقطوعة موسيقية بالاسم ذاته عام 1894، وقُدّم النص كعرض باليه صممه ورقص فيه فاسلاف نيجينسكي عام 1912.
شارك في العرض 20 راقصاً وراقصة في الإسكندرية، تنقلوا من ساحة إلى أخرى أمام ساحة «سينما مترو»، مطعم «سانتا لوتشيا»، ثم خلف «أوبرا سيد درويش»، مروراً بمعرض «عمر أفندي»، بجوار الكنيسة اليونانية، وفي شارع النبي دانيال أمام المعهد الفرنسي، لينتهي اليوم الأول في ميدان محطة الرمل، حيث ارتقى الراقصون سطح المحطة وتهاووا منها في جموح صاعد أذهل الجمهور.
تقول هدير، إحدى الراقصات المشاركات في العرض، إن الاستعداد لهذه الفاعلية تم من خلال ورشة تعليميـــة تدربت فيها مع زملائها علــــى الرقص التعبيري وطريقة تحقيق الانسجام الدقيق بين الجسد والروح واندماجهما بالموسيقى. وتضيف: «عندما تضيع الروح بين خبايا الجسد يتولد شعور بالتحرر من الذات والغوص في أمواج الموسيقى، ثم يبدأ الجسد التعبير عما تشعر به الروح».
وعن رد فعل الجمهور أكدت اندهاش الجميع من رقصهم من دون موسيقى، في حين أنهم كانوا يضعون سماعات ويرقصون على موسيقى فعلية هم من يسمعونها ولكنها تندثر في زحمة المدينة وضوضاء الشارع، مشيرة إلى فئة من الناس استوقفوا المشاركين لسؤالهم عن العرض وما يثيره من سياقات واكتفى آخرون بالمشاهدة في صمت.
واحتضنت العروض ساحة جامع المرسي أبوالعباس ومطعم بودوار، ميدان الخديوي إسماعيل، الصالون الأخضر، كراج سنترال المنشية، فضاء الكابينة، ووكالة بهنا.
سعى المهرجان هذه السنة، وفق القائمين عليه، إلى تأمل خبرات حضرية كالهجرة والترحال والحركة واللف والدوران في المدينة من منظور تاريخي ومعاصر. وأقيم نقاش مفتوح حول مشهد الرقص المعاصر في مصر والعالم العربي. واختتم المهرجان بمعرض يوثق ذاكرة المهرجان هذه السنة في وكالة بهنا والمعهد الفرنسي.