الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

مقتل سليم الكسجي.. هل يصطاد حمامة السلام بين الأردن وإسرائيل؟

مقتل سليم الكسجي.. هل يصطاد حمامة السلام بين الأردن وإسرائيل؟

ربما تطّلع المملكة الأردنية يوميًّا على أنباء قتل وتنكيل تمارسه قوات الاحتلال ضد الفلسطينيين ورغم ذلك تقيم معهم علاقات تجارية معلنة وغير معلنة كما تكشف تقارير إعلامية، إلا أنَّ قتل مواطن أردني بنيران إسرائيلية ذكَّر المملكة بأنَّ تل أبيب هي قائمة في الأساس كقوة احتلال.

 

تصعيدٌ متبادلٌ من قبل السلطات الأردنية وإسرائيل في الأيام الأخيرة جاء عقب قتل قوات الاحتلال المواطن الأردني محمد عبد الله سليم الكسجي.

 

حديث إسرائيلي.. "لهذا السبب قتلناه"

 

رواية الاحتلال زعمت أنَّ القتيل الأردني نفَّذ عملية طعن لشرطي إسرائيلي في منطقة باب السلسلة في القدس القديمة، وقالت إنَّه دخل إلى إسرائيل من معبر الشيخ حسين شمالي الأردن قبل نحو أسبوع بتأشيرة سياحية حصل عليها من السفارة الإسرائيلية في عمان.

 

 

رد أردني.. احتلال قائم

 

الحكومة الأردنية وصفت - في بيان رسمي - إسرائيل بـ" القوة القائمة بالاحتلال"، وبناء عليه حمَّلتها مسؤولية إطلاق جنودها النار على المواطن الأردني وقتله.

 

بيان الحكومة جاء فيه: "وزارة الخارجية وشؤون المغتربين تتابع عبر السفارة الأردنية في تل أبيب تفاصيل حادثة استشهاد المواطن الأردني محمد عبدالله سليم الكسجي للوقوف على ظروف وملابسات ما حدث.. نستنكر الجريمة الإسرائيلية بحق المواطن الأردني ونطالب الحكومة الإسرائيلية بالتفاصيل الكاملة حول قتل مواطننا".

 

نتنياهو يرد.. اللعب على الحبلين

 

هذا الموقف الأردني قوبل بهجوم من قِبل رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، فهو أنَّب عمَّان بسبب استنكارها وانزعاجها من مقتل مواطنها علي يد قوة أمنية إسرائيلية، واعتبر هذا الموقف دعمًا للإرهاب.

 

نتنياهو دعا الأردن لـ"الكف عن اللعب على حبلين"، وقال - في تصريحاتٍ صحفية: "لقد حان الوقت الذي يتوجب فيه على الأردن أن توقف هذه اللعبة المزدوجة.. كما تدين إسرائيل الهجمات الإرهابية في الأردن فعلى الأردن أيضًا أن تدين الهجمات الإرهابية ضد إسرائيل.. الإرهاب هو الإرهاب في كل مكان".

 

 

قد يكون الهجوم من هذا الجانب والمردود عليه بتصعيد من الجانب الآخر بدايةً لتوترٍ في العلاقات بين إسرائيل، وهي علاقات معلنة في بعض أحيانها وسرية في حالاتٍ أخرى، غير أنَّ توطّدت أكثر كما يقول محللون منذ الربيع العربي، الذي أعقبه ظهور متطرفين في بعض البلدان العربية.

 

تعاون مشترك.. إسرائيل والأردن "إيد واحدة"

 

معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية وقعت على الحدود الفاصلة بين الجانبين والمارة بوادي عربة في 26 أكتوبر 1994، وهي عاهدة طبَّعت العلاقات بينهما وتناولت النزاعات الحدودية بينهما، وبتوقيع هذه المعاهدة أصبح الأردن ثاني دولة عربية بعد مصر وثالث جهة عربية بعد مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية تطبع علاقاتها مع إسرائيل، ونظرًا للظروف الصعبة التي كان يمر بها الأردن من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية كان عقد معاهدة السلام مع إسرائيل خيارًا استراتيجيًّا لضمان عدم خسارة مزيد من أراضي المملكة، كما قيَّمها المؤيدون لها.

 

تقول صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إنَّ شرائح واسعة من المجتمع الأردني تعود جذورها لأصول فلسطينية يعارضون أي محاولة للتطبيع مع إسرائيل، ومع ذلك فإنَّ العلاقة بين الحكومتين قد نمت بقوة منذ ظهور المسلحين المتشددين، والتي تزامنت مع انتفاضة الربيع العربي في 2011.

 

إسرائيل والأردن وقَّعتا اتفاقيات تخص الغاز والمياه وتحليتها، فيما صرَّح مسؤولون إسرائيليون بأنَّ التعاون الأمني بين البلدين في أحسن حالاته عن أي وقت مضى.

 

ترى "هآرتس" أنَّ إسرائيل بحاجة للأردن كمنطقة أمنية عازلة لحدود إسرائيل الشرقية، وتضع إسرائيل أولوية لمساعدة المملكة "المساندة للغرب" في الحفاظ على استقرارها في مواجهة المسلحين المتشددين الذين يسيطرون على مساحات واسعة من سوريا والعراق.

 

ويعاني الأردن من نقص حاد في المياه والطاقة، وتحتاج إسرائيل كمورد للطاقة ولمنع أي صدمات إضافية للاقتصاد الأردني الذي يُوصف بـ"الهش".

 

الصحيفة نقلت تصريحات سابقة لإيمانويل نحشون المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية يقول فيها: "العلاقة بين البلدين أصبحت أكثر قربًا، نحن نرى الأردن كشريك استراتيجي لديه كل النية للتعاون والمساعدة".

 

هذه التصريحات ردَّت عليها الحكومة الأردنية عبر الناطق باسمها محمد المومني، حيث صرَّح: "العلاقات الأردنية مع إسرائيل تخضع للمصالح الوطنية الأردنية، والحكومة لا تجبر أي أردني على التعامل مع إسرائيل، ولكن الذين يتعاملون مع إسرائيل لا يقومون بأي فعل ضد القانون".

 

 

منطقة حرة.. تأكيد وتلميح

 

قوة العلاقات بين الاحتلال والأردن أظهرتها أيضًا تقارير إسرائيلية تحدَّثت عن منطقة اقتصادية الحرة بين الجانبين، فكشفت صحيفة "جلوبوس" الاقتصادية الإسرائيلية بدء أعمال إقامة منطقة إسرائيلية ـ أردنيّة حرة مشتركة قرب نهر الأردن، مع إقامة جسر كبير من المتوقع أن يصل طوله إلى 352 مترًا، يربط بين كلا البلدين.

 

ورغم هذا الحديث الإسرائيلي، نفت الحكومة الأردنية وجود منطقة تجارة حرة مشتركة جديدة مع الجانب الإسرائيلي، لافتةً إلى أنَّ ما يجري مجرد عملية توسعة وتحديث للمنطقة القديمة القائمة منذ ما يزيد على عقدين.

       

في هذا الإطار، صرَّح الناطق الإعلامي باسم وزارة النقل علي عضيبات بأنَّ منطقة التجارة الحرة المشتركة مع الجانب الإسرائيلي هي قائمة منذ توقيع اتفاقية وادي عربة.

 

عضيبات قال لـ"أردن الإخبارية" إنَّ ما يتم حاليًّا ليس بناء للمنطقة، وإنَّما تطوير وتوسعة لتسهيل حركة العبور ونقل البضائع، واستثمار الأراضي الواقعة ضمن حدود المنطقة الحرة.

 

 

قتل الكسجي.. ماذا بعد؟

 

تفرض كل هذه التقارير حقيقة أنَّ عمان وتل أبيب تجمعها علاقات قوية وإن كانت كل تفاصيلها غير معلنة، غير أنَّ مقتل المواطن الأردني بنيران الاحتلال في القدس قد يطرح تساؤلات عن مستقبل هذا التنسيق، وإمكانية الرد الأردني على هذا الأمر.

 

الخبير في الشئون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور سعيد عكاشة اعتبر أنَّ أهمية العلاقات التي تربط بين إسرائيل والأردن تجعل الأزمة الراهنة قابلة للاحتواء.

 

عكاشة قال – لـ"مصر العربية": "قد نرى تصعيدًا مؤقتًا لكن ستكون هناك محاولات لاحتواء الموقف للعودة إلى طبيعة العلاقات التي سادت في الماضي بين الجانبين".

 

هذه الرؤية أرجعها عكاشة إلى الاستحقاقات الإقليمية والدولية ونمط التحالفات الجاري تشكيله في المنطقة ضد الإرهاب والتهديد الإيراني وكذا غياب حل للقضية الفلسطينية، مؤكِّدًا أنَّ نمط هذه التحالفات لن يخلو من الأردن أو إسرائيل.

 

عكاشة أشار إلى أنَّ العلاقات بين إسرائيل والأردن قائمة منذ 1994، وأنَّ للأردن اشتباكًا مع القضية الفلسطينية، موضِّحًا أنَّ المملكة قد تتضرر حال جمعتها خلافات مع الاحتلال الإسرائيلي، فضلًا عن أنَّ عددًا كبيرًا من سكانها من أصل فلسطيني، ما يعني أنَّه لا يجب أن يكون هناك توتر سواء مع إسرائيل أو فلسطين.

 

وأشار إلى أنَّ المنطقة تشهد محاولات لإعادة بنائها من جديد، معتبرًا أنَّ الأردن لا يمتلك رفاهية أن يوتِّر علاقاته مع تل أبيب.

 

المصالح التجارية بين الاحتلال والأردن يراها عكاشة أيضًا سببًا في حرص المملكة على الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، لا سيَّما في المرحلة الراهنة دعمًا لاقتصاد الأردن.

 

 

زيارة ترامب.. ما العلاقة؟

 

هذا الحادث وما قد تفرضه من تداعيات على علاقات الأردن بإسرائيل يبدو أنَّه مرتبطٌ بزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة، فرجل البيت الأبيض سيأتي إلى المنطقة حاملًا بوصلته، ومؤشرها يقرأ العمل على تشكيل محور سني، تحاول واشنطن ضم إسرائيل إليه.

 

تعتبر المملكة الأردنية حليفًا قويًّا للولايات المتحدة التي تسعى من جهتها للحفاظ على أمن إسرائيل ضمانًا – كما تقول – لأمنها ومصالحها في المنطقة، وبالتالي فلا يمكن توقُّع أنَّ الولايات المتحدة ستصمت إزاء أي خلافات بين تل أبيب وعمّان، لا سيَّما أنَّ المنطقة لا تتحمَّل جبهة مواجهة أخرى – كما ترى الإدارة الأمريكية.

 

عكاشة تحدَّث عن زيارة ترامب وتشكيل المحور السني "المرتقب" والتقارير التي تكشف محاولات ضم إسرائيل إليه، وهنا أشار إلى أنَّ وجود إسرائيل في أي محور ديني يُفسد هذا المحور.

 

إمكانية لعْب الأردن دورًا في إقناع الأطراف على ضم إسرائيل إلى هذا المحور ردَّ عليه عكاشة بأنَّ الاحتلال له علاقات جيدة مع كل الدول العربية سواء كان ذلك معلنًا أو غير معلن، ما يعني أنَّه ليس بالضروري أن تلعب عمَّان دور الطرف "المقنع" لضم إسرائيل لهذا المحور كما تسعى واشنطن.

مصدر الخبر
مصر العربية

أخبار متعلقة