الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

هؤلاء الراديكاليون وتقلباتهم العجيبة

هؤلاء الراديكاليون وتقلباتهم العجيبة
غريب أمر هؤلاء الراديكاليين، طالبونا بالتصفيق لهم عندما كانوا يرفعون شعارات الحد الأقصى، وعندما اتهموا كل مخالفيهم بالخيانة، ويطالبوننا اليوم بالتصفيق لهم ثانية، وهم يهبطون من شجرة الراديكالية رافعين رايات الاعتدال.

فى الوثيقة السياسية الجديدة لحركة حماس تراجع عن عدة مواقف طالما تمسكت بها الحركة، وطالما اعتبرتها الحد الفاصل بين الوطنية والخيانة، وطالما أضفت عليها قداسة دينية مستمدة من الهوية الإسلامية للحركة.

تخلت حماس عن تحرير كامل فلسطين لتقبل بدولة فلسطينية فى حدود 1967، وهكذا لم تعد فلسطين وقفا إسلاميا كما اعتبرتها حماس عقوداً، وإنما أصبحت حدود الدولة الفلسطينية موضوعا مطروحا للتفاوض والتوافقات.

لم يعد الكفاح المسلح ضد إسرائيل قضية جهاد مقدس فرضه الله على المسلمين، ولكنه أصبح مجرد أداة من الأدوات يتم استخدامها حسب الحاجة والمنفعة المترتبة عليها.

لم يعد التفاوض مرفوضا وخيانة تلحق العار بأهلها، بل أداة مشروعة يمكن استخدامها مادامت كانت هناك فائدة ترتجى من ورائها. جيد أن يعود البعض منا إلى صوابهم، ورائع أن ينزل هؤلاء من على ظهر خيول الخيلاء والغرور ليلحقوا بنا على أرض الحقيقة بحلوها ومرها.

غير أن الوصول المتأخر لهؤلاء لا يمكن أن يكون مناسبة للاحتفاء بهم، وكأنهم عادوا لنا بسلامة الله من رحلة حج إلى السياسة الربانية، غفرت لهم خلالها ذنوبهم، فعادوا إلينا أطهارا مستعدين لمشاركتنا جولة جديدة نرتكب فيها معاً معاصى السياسة الواقعية.

يتوقع الراديكاليون المتحولون سماع التصفيق وصيحات التهليل المباركة لتحولهم، مع أن الجدير بالإعجاب فعلا هم المعتدلون البراجماتيون الذين رأوا الحقيقة على مرارتها عقودا طويلة قبل أن يفطن الراديكاليون لها, إنهم المعتدلون الذين ظلوا قابضين على الجمر بينما كانوا يتلقون بشجاعة طلقات التخوين والتكفير والاغتيال، والذين أصروا على النطق بالحقيقة المبكية، حين كان الراديكاليون ينتزعون صيحات الإعجاب من جماهير تلاعبت الأوهام برءوسهم.

يظن الراديكاليون أن الرجوع المتأخر للحق يعفيهم من واجب تقديم تقييم موضوعى لما جلبته مواقفهم الخاطئة من كوارث على الشعب الفلسطينى والمنطقة كلها.

لقد ارتكبت حماس وغيرها من الراديكاليين حزب الله مثلا ـ الكثير من الخطايا فى حق هذه الأمة، وما عودة حماس إلى أرض الاعتدال سوى رجوع عن الذنوب العظيمة للراديكالية.

لا أظن أنه من المبالغة أو التزيد أن نسأل حماس لكى تقدم لنا كشف حساب بالخدمات التى قدمتها لقضية الشعب الفلسطينى منذ تأسيسها عام 1988.

لا أريد من حماس أن تقرأ علينا قوائم أسماء الشهداء والضحايا الذين قدمتهم فى السنوات السابقة، فكل الشعب الفلسطينى وأحزابه وحركاته السياسية قدموا الشهداء والتضحيات، ولكننى أسأل عن المكاسب التى حققها الفلسطينيون بسبب تضحيات حماس هذه.

فهل جعلت تضحيات حماس الشعب الفلسطينى أقرب لتحقيق حلمه فى دولة مستقلة؟ وهل الشعب الفلسطينى الآن يقف على أرض أكثر صلابة من تلك التى كان يقف عليها قبل ظهور حماس للوجود؟ وهل الشعب الفلسطينى اليوم أكثر تماسكا ووحدة مما كان عليه قبل أن تهل علينا حماس؟

إجابتى على كل هذه الأسئلة هى بالنفي، وفى الحقيقة فإننى لم أجد إسهاما إيجابيا واحدا قدمته حماس لقضية الشعب الفلسطيني، بالعكس فإنه يمكن حصر الكثير من العقبات التى وضعتها حماس فى طريق الكفاح الفلسطيني، حتى أننى أطالب حركة حماس بتقديم وثيقتها السياسية الجديدة مشفوعة باعتذار عما سبق لها وتسببت فيه من انتكاسات للقضية الفلسطينية.

لقد لعبت حماس دورا رئيسيا فى إهدار أهم فرصة أتيحت للشعب الفلسطينى لبناء دولته المستقلة ولتحقيق السلام فى المنطقة. أتحدث عن الفرصة التى لاحت بعد التوصل إلى تفاهمات أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وحكومة يسار الوسط الإسرائيلية بقيادة إسحق رابين، والتى على أساسها تأسست السلطة الوطنية الفلسطينية على أجزاء من الضفة وغزة، وعاد عرفات من المنفى ليترأس السلطة الوطنية الناشئة، وتواصلت المفاوضات من أجل الاتفاق على قواعد اقتسام أرض فلسطين التاريخية بين دولتين.

لم تعجب هذه التطورات اليمين الإسرائيلى ولا حركة حماس، فكلاهما يريد الأرض كاملة وخالصة له وحده، وعمل الطرفان على تدمير عملية السلام الصعبة الجارية، فقام المتشدد اليهودى إيجالعامير باغتيال رئيس الوزراء رابين فى نوفمبر 1995، بينما شنت حماس الإسلامية المتشددة حملة هجمات انتحارية ضد السكان فى مدن إسرائيل، مانحة اليمين الإسرائيلى الفرصة لتقويض مشروعية وجدوى هذا السلام الذى يؤدى إلى قتل المزيد من اليهود، فكان أن فاز اليمين الإسرائيلى بالانتخابات التى جرت فى مايو 1996، وأصبح بنيامين نيتانياهو لأول مرة رئيسا لوزراء إسرائيل، فلم يضع فرصة لوضع العقبات أمام عملية السلام، التى انهارت تماما بعد ذلك بسنوات قليلة.

لقد نظرت حماس باحتقار للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ اليوم الأول لتأسيسها، رافضة المشاركة فى أى شيء له صلة بها. لكن بعد أن اطمأنت حماس لضعف خصومها، وبعد أن غيب الموت الزعيم التاريخى ياسر عرفات، قررت حماس فجأة المشاركة فى انتخابات المجلس التشريعى الفلسطينى التى جرت فى عام 2006، ففازت بأغلبية مقاعد المجلس، ولم يكد العام التالى 2007 ينتصف إلا ونظمت حماس انقلابا سيطرت بمقتضاه على قطاع غزة، فانقسمت الأرض والسلطة، وهو الانقسام الذى مازالت القضية الفلسطينية تدفع ثمنه إلى اليوم.

هذه هو ما قدمته حماس للقضية الفلسطينية، وهذا هى الأشياء التى نطالب حماس بالاعتذار عنها عندما تزعم العودة لطريق الحق، أما أن تتوقع حماس منا أن نسمعها صيحات الإعجاب والتهليل، فهذا ما لا أجد له مبررا له على الإطلاق، لأن التحية فى مثل هذه المناسبة يجب أن تذهب لكل من أصر على أن يقول للناس الحقيقة حتى لو أغضبهم، وليس لمن تلاعب بمشاعرهم وأحلامهم. فالتحية لسلالة العقلاء من المعتدلين العرب، بدءا من إسماعيل صدقى باشا الذى رفض إرسال الجيش المصرى لحرب فلسطين، و للرئيس التونسى الحبيب بورقيبة الذى دعا منذ عام 1965لإقامة دولة فلسطينية فى الضفة الغربية وغزة قبل أن يخسرهما الراديكاليون العرب فى حرب يونيو المشئومة، وللرئيس السادات الذى قدم حياته ثمنا لحق شعبه وبلده فى تحرير الأرض وتحقيق السلام.

مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة