بينما العالم مضى قدماً في طريقه مختاراً بين امرأة من أقصى اليمين ورجل من الوسط في سباق فرنسي رئاسي محتدم، ومنصاعاً لامرأة من أقوى من حكموا ألمانيا في تاريخها الحديث، ومتنبّهاً لامرأة تربّعت على رأس الوزارة في بريطانيا في وقت بالغ الحساسية والخطورة في مسار القارة الأوروبية ومن ثم العالم، وباكياً على «أطلال» امرأة كان يؤمن بأنها أفضل حالاً من رئيس يقطن البيت الأبيض ويتحكّم بمصائر أمم عدة. وبينما بلدان كليبيريا وبنغلادش وليتوانيا وكوريا الجنوبية وتشيلي والهند وباكستان والبرازيل وغيرها حكمتها أو تحكمها نساء، تقول أم هناء أن المرأة لا تصلح لأن تقود دولة، لأنها «لا مؤاخذة طلعت نزلت ست (سيدة)».
السيدة أم هناء نفسها تقود قبيلة بأكملها، كونها العائل الوحيد لأسرة قوامها 11 شخصاً. فهي زوجة لرجل اختفى قبل سنوات، وقيل أنه سافر إلى العراق ولم يعد، وقيل إنه سافر إلى ليبيا ولم يعد، كما قيل إنه تزوّج بامرأة أخرى ولم يعد.
المهم إنه لم يعد لـ «أم هناء» رجل تعتمد عليه وتعتبره حائطها السد وحاميها المنيع. وحيث إن لها من الأبناء ستة، فقد ضاعفت من عملها فباتت تزاول عملين في الوقت عينه حتى تتمكّن من الإنفاق على الصغار. وظلت هكذا حتى تزوّج ثلاثة من الأبناء ورُزقت أحفاداً يعيشون معها، وتجد نفسها تساهم في الإنفاق عليهم لأن ظروف الحياة صعبة. ونسيت أن تشير في معرض حديثها إلى أن زوجها قبل اختفائه كان مسؤولاً عنها، بعدما أعيته المخدرات وأقعدته آثارها الجانبية.
الآثار الجانبية للثقافة السلبية التي تصنّف المرأة، حتى من جانب المرأة نفسها، في مكانة أقل لأنها منكسرة أو مهيضة الجناح أو عاطفية النزعة أو رهيفة التوجّه أو حساسة التركيب، متجذرة في تفكير ملايين المصريين. فعلى رغم نسبة المعيلات التي تبلغ وفق منظمات مصرية نسوية حوالى 38 في المئة من مجموع الأسر المصرية، وعلى رغم أن النسبة الأكبر منهن ينتمين إلى مجتمعات تصنّف بأنها الأكثر محافظة والأعمق إيماناً بدونية المرأة وعدم صلاحيتها إلا لمهام محددة أهمها الإنجاب وأعمال الطبخ والمسح والكنس، إلا أن نسبة كبيرة منهن ما زلن يعتقدن بأن المرأة لا تصلح لمهام القيادة.
منهن من ترى فكرة القيادة منحصرة في قيادة الشركات أو المصانع أو البلدان، ومن ثم لا تجوز المقارنة بالقيادة المادية للبيت. منال (38 سنة) مطلّقة وأم لابنتين في سن المراهقة، تعمل أكثر من 18 ساعة يومياً لتؤمّن لهما تعليماً وحياة معقولة، وذلك بعدما ادعى الأب الفقر واكتفى بدفع 300 جنيه شهرياً لهما، مبلغ لا يكفي يومين. وعلى رغم أنها العائل الوحيد لهما، والمتكفّل الوحيد بدراستهما ومعيشتهما من الألف إلى الياء، إضافة إلى عملها، تؤكّد أن «المرأة مهما كان لا يمكنها أن تقود».
رئيس المجلس القومي للمرأة السيدة مرسي تقول أن تولّي المرأة المناصب القيادية أصبح ضرورة، لا سيما في مجالات مثل القضاء. ويكفي أن نسبة النساء في مصر اللاتي يتقلّدن مناصب عليا لا تتجاوز نصف في المئة، في حين أنها 40 في المئة في كل من تونس ولبنان.
مئات من استطلاعات الرأي والاستبيانات التي تجريها جمعيات ومؤسسات حول رؤية المصريين لدور المرأة، يمكن اعتبارها قنابل موقوتة وألغاماً مفخخة. أسئلة مثل «هل توافق على عمل المرأة؟»، «هل توافق على مشاركة زوجتك أعمال المنزل؟»، «هل المرأة تصلح لقيادة السيارة؟»، «هل توافق على أن تكمل المرأة تعليمها؟»، «هل توافق على تقلّد المرأة مناصب قيادية؟»، «هل توافق على أن يكون مديرك امرأة؟»، «هل توافق على أن يكون شريكك في العمل امرأة؟»، إلى آخر لائحة الأسئلة التي ترسّخ إحساس الرجل بفوقيته والمرأة بدونيتها.
«أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن العادي عبر طرح هذه الأسئلة أن قرارات تعليم المرأة وعملها وتفاصيل حياتها تكمن في يد الرجل، وأنها غير مسؤولة أو غير مخوّلة باتخاذ قرارات حياتها، ناهيك بالطبع بتقلّد المناصب وقيادة المجموعات الصغيرة في الشركات والمصالح الحكومية من هيئات ومؤسسات وربما دول وأمم، والتي تتحوّل إلى ما يشبه بسؤال عن ماهية رابع المستحيلات بعد الغول والعنقاء والخل الوفي»، وفق ما تقول الباحثة في الجندر والأدوار الاجتماعية الدكتورة مي شوقي. وتضيف أن الجانب الأكبر من موانع قبول وجود المرأة على رأس الكيانات سواء كانت صغيرة أو كبيرة في مجتمع كمصر، يكمن في العقل الباطن حيث الموروثات والمخاوف وتراكمات الثقافة وما يتصل من تفسيرات دينية قاصرة، وليس في الاقتناع الفعلي بعدم قدرة المرأة. وتوضح: «الدليل على ذلك أن المعارضين والرافضين والممانعين لتقلّد المرأة مناصب كبرى، لأنها لا تعرف أو لا تقوى أو لأن طبيعتها لا تناسب ذلك، يجدون أنفسهم يتعاملون مع نساء قائدات سواء في الجامعة أو العمل أو كرئيسة ورئيسة وزراء دول يسافرون إليها، إما طلباً للعلم أو العمل أو مستوى معيشي أفضل».
وبلغة الأرقام، فإن مؤشّر فجوة النوع الاجتماعي الصادر عن البنك الدولي يشير إلى أن 53 في المئة من متخرّجي الجامعات المصرية إناث. وهن يشكلن 47 في المئة من متخرّجي كليات الطب و61 في المئة من متخرّجي كليات الصيدلة. وعلى رغم ذلك، فإن معدل البطالة بينهن خمسة أضعاف نظيره عند الذكور، ما يؤدّي إلى فاقد في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 29 في المئة، لا سيما بعد الاستثمار الكبير في تعليمهن.
ويظهر مؤشّر الفجوة بين الجنسين أن مصر تتبوأ المرتبة الـ129 بين 142 بلداً. ويبدو أن مؤشّر توغّل التفكير المنغلق وتمكّن التوجّه «المحافظ» المرتكز على تفسيرات دينية متشددة ضرب المرأة المصرية في مقتل. فعلى رغم قدراتها، وملايين البيوت التي تبقيها على قيد الحياة وحدها، وآلاف النماذج من شمال الكوكب وجنوبه وشرقه وغربه لدول كبرى وصغرى ومتوسطة تقودها نساء، تظل المرأة تكرر مقولة إنها «طلعت نزلت تبقى مجرد واحدة ست». ويظل الرجل يُسأل إن كان «يوافق» على أن تتعلّم المرأة أو تعمل أو تتنفّس، لكنه لا يُسأل إن كان يوافق على أن تنفق عليه وتعيله.