لم يعش الشاعر النمسوي جورج تراكل سوى سبع وعشرين سنة، لكنها كانت سنوات شديدة التكثيف مكنته من أن يكتب من الشعر والنثر ما يمكّنه، على قلته، من أن يحتل مكانة في الشعر المكتوب بالألمانية لا يقل عن مكانة شاعرين كبيرين راسخين في هذه اللغة وفي المرحلة نفسها هما إريك ماريا ريلكه وستيفان جورج. فتراكل، الذي أولع به الشعراء والنقاد النخبويون في عدد كبير من المناطق واللغات وترجموه من دون أن يمكنوه طبعاً من تحقيق شعبية يمكن أن تضاهي شعبية ريلكه أو ستيفان جورج، كان من النوع الذي يمكن أن يقارَب من شعراء فرنسا «الملعونين» من أمثال ريمبو أو فرلين. ووفق هواة الشعر أن يقرأوا هذه المجموعة بعنوانها المتقشف «أشعار»، والتي قامت بجولة في العديد من لغات العالم، حتى يدركوا ذلك. فالمجموعة تضم قطعاً شعرية تتأرجح بين تعبيرية كانت تلفظ أنفاسها في ذلك الحين، وسوريالية مقبلة سيقول لاحقاً بعض النقاد المتحمسين أن تراكل ربما يكون هو مخترعها من دون أن يدري - تماماً كما قد يقال أحياناً أن الرسام جيرونيموس بوش هو الذي قبل مئات السنين من ولادة الرسم السوريالي اخترعه من دون أن يدري!! -. مهما يكن يمكننا في «أشعار» تراكل أن نعثر على إرهاصات مبكرة بالعديد من الأساليب، بل حتى كذلك بالعديد من الانحرافات الشعرية، التي ستسود على الحالة الشعرية في القرن العشرين، ليكون بها الشعر أكثر من أي فن آخر إرهاصاً بالدمار الداخلي الذي سيعيشه إنسان ذلك القرن.
> صغيرة الحجم بالتأكيد تلك المجموعة من «أشعار» المبدع الشاب. لكنها وفق العديد من النقاد، كانت كافية بالتأكيد لنقل ما كان يريد قوله: من احتجاج على العالم، الى إعلان موت القيم، الى صورة ذلك «الكابوس السعيد» الذي سيكون جورج تراكل بالتالي واحداً من أفضل المعبرين عنه، وليس نظرياً وحسب. يتسم شعر تراكل - ونثره كذلك وإن كان نثراً شعرياً أيضاً، بمقدار ما يتسم شعره نفسه بالنثر، حيث في لحظات يصعب التفريق بين ما هو نثر وما هو شعر لديه -، يتسم بقدر فائق من الحميمية والخصوصية التي يصل معها المرء في بعض القصائد الى التساؤل عما إذا كان الشاعر قد أراد لها حقا أن تُنشر على الملأ، وليس لأنها تحمل من الأبعاد «الفضائحية ما يفرض طرح مثل هذا السؤال، بل تحديداً لأن فيها ما يُشعر القارئ بأنه بات أشبه ببصّاص يسترق النظر الى ما ليس من حقه أن يراه، وأن يقرأه. ولكن من الواضح أن تراكل ما كان يعبأ كثيراً بهذا. كان كل ما يهمه أن يرمي على الورق صراعه مع العالم وتساؤلاته حول المصير الإنساني وآلامه الخاصة ضمن إطار ذلك الشرط الإنساني الذي كان تآكل العالم يقترحه في ذلك الحين. في اختصار هو شعر موت الإنسان في داخل الإنسان. شعر يجعل من المصير الذي آل إليه تراكل في عامه السابع والعشرين متضافراً مع مصير العالم وقُرعت فيه طبول الحرب والموت،- أمراً «طبيعياً».
> وكأن ذلك كله كان نبوءة بما سيحدث لاحقاً وتحديداً عند بدايات الحرب العالمية الأولى، يوم الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1914، في جبهة غاليسيا في كراكوفيا، حيث كانت المعركة العنيفة التي تخوضها القوات النمسوية أشرفت على نهايتها محققة لتلك القوات انتصاراً لا بأس به، مكبدة إياها أقل ما يمكن من الخسائر البشرية. وفجأة، من دون سابق انذار، زاد عدد الضحايا النمسويين ضحية: مجند في السابعة والعشرين من عمره آثر، ونفذ بجلده من المعركة، أن يضع حداً لحياته بنفسه غير منتظر أن تحصده معركة مقبلة، هو الذي كان يرى الموتى يتساقطون أمامه طوال ساعات المعركة السابقة، وأحسّ بالهول وهو الممرض المتطوّع إذ رأى رؤساءه يعهدون اليه بنحو تسعين جريحاً يتوجب عليه محاولة إنقاذهم من الموت وهو العاجز عن تلمس أي أثر للحياة في ذاته. أمام ذلك المشهد آثر أن يقضي على نفسه بدلاً من إنقاذ الآخرين وكانت وسيلته الى ذلك المخدرات التي كانت متوافرة من أجل الجرحى.
> يومها قليلون من الذين شاهدوا جثمان المجند الذي قضت عليه الجرعة الزائدة، أدركوا أن ذلك المجند سيكون من بينهم الوحيد الذي سيخلده التاريخ شخصياً وليس بوصفه جندياً ولا بوصفه منتحراً انتحاراً غريباً وسط حرب طاحنة، بل بوصفه شاعراً من ثلة شعراء مجيدين ومبدعين عرفتهم النمسا في ذلك الحين. ذلك هو جورج تراكل الذي راح يُكتشف في شكل مكثف خلال السنوات الأخيرة وراحت أشعاره القليلة تترجم الى شتى اللغات ومن بينها اللغة العربية بالطبع.
> والحال أن الطريقة التي وضع بها جورج تراكل حداً لحياته في ذلك اليوم الحربي العنيف، تتماشى تماماً مع شخصيته وغرابة أطواره، وكذلك مع مفهومه للحياة والموت. فهذا الشاعر الشاب الذي عاش على مفترق الطرق بين عصور عدة وحضارات عدة وتبدلات شهدتها فيينا تلك الأيام، فيينا التي كانت الحياة فيها توصف بـ «الكابوس السعيد»، هذا الشاعر عاش حياته القصيرة على شكل هبوط متواصل الى الجحيم، وخارج كل الأطر التي يمكن لمجتمع صحيح أن يبنيها لأفراده. عاش بين المخدرات والموبقات واليأس المطلق إزاء المصير الإنساني، وهو في حمأة عيشه تلك لم يكتب، على أي حال، سوى القليل القليل من القصائد، وكان معظم قصائده كثير التكثيف والتوتر، قصير النفس، على شاكلة القلق المأسوي الذي عاشه طوال حياته القصيرة.
> ولد جورج تراكل في مدينة سالزبورغ، العام 1887 لأسرة تنتمي أصلاً الى البورجوازية المجرية (وكانت النمسا والمجر تشكلان في حينها امبراطورية واحدة)، ودرس الصيدلة في جامعة فيينا خلال الأعوام 1908 - 1910. ويبدو، وفق مؤرخي سيرة حياته، انه لم يدرس الصيدلة إلا لكي يسهل عليه الحصول على ما هو في حاجة اليه من مخدرات، بخاصة انه بعد ممارسات متقطعة في ذلك المجال، أضحى منذ 1913 مدمناً في شكل مذهل. أما قصائده الناضجة الأولى التي تعود الى تلك المرحلة فإنها امتلأت بحديثه عن الضغوط التي يمارسها على نفسه للحيلولة بينها وبين مواصلة موبقاته الجنسية بما فيها غوصه في نوع مرعب من حب المحارم. ولقد نشر تراكل مجموعته الشعرية الأولى في 1913 بفضل مساعدة الفيلسوف لودفيع فتغنشتاين الذي كان وعده بأن يقدم له من العون ما يتيح له التفرغ للكتابة في شكل كلي. وفي العام التالي أُلحق تراكل بجبهة القتال مجنداً، كممرض، وهناك كما ذكرنا، بعد المعركة الضارية وأمام جثث القتلى وعشرات الجرحى شعر تراكل بالعجز التام وأرعبه أن كل الأيام المقبلة ستمضي على ذلك النحو، فتناول جرعة قوية من المخدر أودت به.
> في شكل عام انطبعت قصائد جورج تراكل القليلة (والتي صدرت في مجلد واحد، للمرة الأولى، في 1919، بعد أن كانت صدرت في مجموعات متفرقة) بنزعة تنتمي مباشرة الى التيار التعبيري الذي كان بدأ يسود في الكتابات والفنون الألمانية اعتباراً من تلك المرحلة، يدفعه رعب الفنانين إزاء «خواء العالم» و «أحزانه». ومن هنا أتت غنائية قصائده شديدة السوداوية، وإن كانت لم تخل في بعض الأحيان من مقاطع تبحث عن أمل يتمثل في فردوس مفقود، أو في وقفة مفاجئة أمام جمال فصل الخريف. ومما يمكن قوله في هذا الصدد أن هلوسات جورج تراكل وكتابته التي تشبه في تلقائيتها كتابة السورياليين أحياناً، تركت مكاناً واسعاً لحضور شتى أنواع الشياطين في قصائده ما جعله يعتبر من قبل بعض النقاد «شاعراً ملعوناً». وهذا المزيج كله ولّد في لغته بعض صعوبة ناتجة كذلك من نزعته القصوى الى التكثيف والإلماح، سواء أكان ذلك في قصائده الغنائية، أو في شعره النثري المرسل. ولقد انتج هذا كله شعراً غريباً، يوحي في بعض الأحيان على القراءة، بل على الترجمة أيضاً. ومن هنا كان غيابه عن عالم الشعر العالمي، حتى أعيد اكتشافه في السنين الأخيرة، وصار ينظر اليه كما ينظر الى رامبو وفرلين باعتباره شاعراً امتزج الشعر والحياة والموت واليأس لديه في شكل منقطع النظير.