تُعرف الموازنة العامة للدولة على أنها “أوجه إيرادات ومصروفات أموال الشعب خلال عام مالي قادم”، أي أنها ملك لكل مواطن في الدولة، وعلى الرغم من ذلك تظل الموازنة من أعقد وأبعد المسائل عن المواطن العادي بل وعن كثير من المتخصصين في المجال، لصعوبة التدخل في رسم وصياغة السياسة العامة للدولة. وفي ظل استمرار الدولة في تطبيق السياسات التقشفية الهادفة إلى الحد من الإنفاق الحكومي وكذلك تخفيض الدعم، الذي يهم بالدرجة الأولى الفئات محدودة الدخل في المجتمع، يأتي التأكيد على حق المواطن في الاضطلاع والمعرفة على السياسات الموضوعة من قبل السلطة التنفيذية في الدولة، خاصةً فيما يتعلق بأكثر السياسات الاقتصادية تأثيراً على حياته، وهي الموازنة العامة، لما تعكسه تلك السياسات المالية المعتمدة من توجهات الدولة الأساسية، وبالتالي لابد وأن يعرف المواطن هل هي لصالحه، أم أنها استمراراً لخدمة فئات بعينها دونما الالتفات إلى حياة المواطن الذي أصبح يُعاني من الفقر المدقع في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الغذاء والخدمات الأساسية كالكهرباء والطاقة.
أهداف الموازنة للعام المالي الجديد 2017/2018

يستهدف مشروع الموازنة للعام المالي الجديد 2017/2018 خفض العجز الكلي ليتراوح بين 8.5-9.5% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 12.2% محقق خلال العام المالي 2015-2016، و9.8% مستهدف في العام المالي الجاري 2016-2017، من خلال إجراءات الضبط المالي على جانبي تعزيز الإيرادات وترشيد النفقات العامة، وتستهدف الحكومة مجموعة من الاصلاحات المالية يتمثل أهمها في هيكلة الإيرادات الضريبية وغير الضريبية بما يتناسب مع القوى الكامنة غير المستغلة بعد في الاقتصاد؛ آخذه في الاعتبار تطبيق العدالة ومشاركة كل فئات المجتمع في جنى ثمار الاصلاحات الاقتصادية.
ومن الأهداف الرئيسية للبرنامج الحكومي؛ تحقيق نمو اقتصادي بنحو 4-5% خلال 2017/2018، وخفض معدل البطالة إلى مستويات تتراوح بين 11-12% خلال العام المالي الجديد، من خلال تطبيق سياسات من شأنها رفع معدلات الادخار والاستثمار، وتوفير بيئة مالية ونقدية ومؤسسية مستقرة وعادلة للأعمال بهدف دعم القطاعات الإنتاجية خاصةً أنشطة الصناعة والتصدير.
وتسعى الحكومة من خلال الموازنة الجديدة لزيادة الإنفاق على مجالات التنمية البشرية خاصةً في مجال الخدمات الصحية والتعليم وتحسين مستويات الخدمات الأساسية لتمكين المواطن من الاستفادة من ثمار النمو الاقتصادي بشكل عادل؛ من خلال إعادة ترتيب أولويات الانفاق العام لصالح القاعدة العريضة من المواطنين بما يضمن كفاءة الإنفاق واتباع سياسا توزيعية أكثر كفاءة وعدالة.
الواقع الاقتصادي المصري
“قدر مشروع الموازنة المصرية الاستخدامات في العام المالي الجاري 2017/2018 بنحو 1,2 تريليون جنيه، لترتفع بنحو 21.3% مقارنة بنحو 994 مليار جنيه متوقع خلال العام المالي الجار،. كذلك قدر إجمالي الإيرادات العامة في مشروع الموازنة 2017/2018 ليصل إلى 835 مليار جنيه بزيادة 29.6% عن متوقع العام المالي 2016/2017.”
لسنوات طويلة تضع الحكومة أهداف اقتصادية- على الورق- في صالح المواطن المصري، لكن بقراءة الواقع الاقتصادي نرى وجود تراجع شديد في الركائز الأساسية للاقتصاد القائم على المقومات الحقيقية كالزراعة والصناعة والسياحة، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الاقتصاد في ظل عدم ترتيب أولويات المرحلة الاقتصادية وارتفاع نسبة التضخم وانخفاض سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، كذلك ارتفاع القروض والديون الخارجية وفوائدها التي تستنفذ موارد الدولة؛ في ضوء عجز الحكومة عن توفير مزيد من الموارد المالية سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية.
أيضاً، تستهدف الحكومة كل عام خفض العجز المالي للدولة باتباع السياسات التقشفية- التي يتحملها المواطن البسيط- وبنهاية العام المالي نكتشف زيادة كبيرة في العجز المالي؛ على سبيل المثال رفعت الحكومة المصرية توقعاتها لعجز الموازنة خلال العام المالي الجاري 2016/2017 إلى 10.9% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 9.8% المقدر وقت إعداد الموازنة، ومقابل نحو 10.2% في منتصف فبراير 2017، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى ارتفاع أسعار الكثير من السلع المستوردة كالبترول والقمح بأكثر من 30% في الوقت الراهن، عن وقت إعداد الموازنة.
ومن الأسباب الرئيسية لزيادة العجز؛ زيادة معدل نمو الإنفاق العام على الرغم من استهداف الدولة منذ سنوات لترشيد النفقات العامة، وزيادة حجم النفقات الجارية وتراجع النفقات الاستثمارية في ظل تأخر إقرار قانون الاستثمار الموحد الذي صدر في مايو الجاري في وقت تضخ فيه الدولة أموال طائلة في مشروعات غير مُدرة للإيرادات اللازمة لعملية التنمية في الوقت الحالي كالعاصمة الإدارية الجديدة ومشروع قناة السويس الجديدة.
الضرائب في صالح الأغنياء
مازال هناك ضعف في الأداء الضريبي، بسبب استمرار ظاهرة التهرب الضريبي وكذلك ارتفاع حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يضم كيانا كبيرا من التجار والمستثمرين غير المدرجين في الحسابات الرسمية للدولة، ويذكر أن النجاح المشهود في هذا الشأن كان في تطبيق ضريبة القيمة المضافة بواقع 13% اعتباراً من يوليو 2016، التي مست بصورة مباشرة المواطن البسيط مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات- التي ساهمت في رفع حصيلة الإيرادات الضريبية لنحو 226,3 مليار جنيه خلال الثمانية أشهر الأولى من العام المالي الجاري مقابل 182,9 مليار جنيه، خلال نفس الفترة من العام المالي 2015/2016.
وحتى الآن لم تستطع الحكومة فرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية بالبورصة، ففي بداية تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي المسؤولية صدق على قانون يفرض بموجبه ضريبة على التوزيعات النقدية بواقع 10% بجانب ضريبة أخرى بنسبة 10% على الأرباح الرأسمالية من الاستثمار في البورصة، وبعدما أثار ذلك القرار غضب رجال الأعمال، وبعد ضغوط كبار المستثمرين على البورصة ما تسبب في خسائر فادحة للبورصة خلال العام الأول من حكم السيسي، أصدرت الحكومة في مايو 2015 قرارا بتأجيل العمل بضريبة الأرباح الرأسمالية لمدة عامين، وكان من المفترض أن يعرض القانونين على البرلمان خلال الفترة الحالية للبت فيهما قبل انتهاء مدة سريان تأجيل ضريبة الأرباح الرأسمالية التي قررها الرئيس لمدة عامين تبدأ من مايو 2015 حتى مايو 2017، لكن حتى الآن لم يصدر قرارا بتطبيق الضريبة التي من شأنها أن تزيد من الإيرادات الضريبية للدولة ومن ثم تُحد من عجز الموازنة.
الديون تلتهم أموال المواطن
يبدو أن الاقتصاد المصري تسيطر عليه أزمة هيكلية متمثلة في ارتفاع إجمالي الدين العام الذي وصل إلي أعلى مستوى له في تاريخه، حيث بلغ الدين الداخلي 3.053 تريليون جنيه في نهاية الربع الثاني من العام المالي 2016/ 2017، أما الدين الخارجي فقد بلغ 67.4 مليار دولار بحسب تقرير البنك المركزي المصري الشهري الصادر في مارس 2017، وتلك الديون سواء الداخلية أو الخارجية يتولد عنها فوائد متراكمة على الدولة بما يحد من قدرة الاقتصاد على النمو خلال سنوات طويلة.
فجزء كبير من موارد الموازنة العامة للدولة تلتهمها فوائد الديون التي يتحملها المواطنون على مدى سنوات طويلة، فقد بلغت فوائد الدين العام في مصر نحو 183,6 مليار جنيه (بما يعادل 10,2 مليار دولار) من إجمالي المصروفات البالغة 532,5 مليار جنيه ( بما يعادل 29,5 مليار دولار) خلال الثمانية أشهر الأولى من العام المالي 2016/2017، وفق بيانات وزارة المالية.
أي تمثل فوائد ديون مصر نحو 34.4% من إجمالي مصروفات الموازنة العامة خلال ثمانية أشهر من العام المالي 2016/2017، بما يعني أنها تكاد تصل إلى 40% عند تقفيل السنة المالية الجارية، بما يعني أن ما يقرب من نصف الموازنة ما هو إلا سداد فوائد الديون فقط دون أصل الدين، في الوقت الذي يوجه فيه جزء ضئيل ويكاد لا يُذكر للصحة والتعليم والبنية التحتية التي من شأنها أن تُدعم الاقتصاد المصري خلال الفترة المُقبلة.
وبلغت الفوائد المحققة خلال عام 2015\2016 حوالى 243 مليار جنيه مقارنة بـ193 مليار العام السابق بزيادة 26%، وبحسب التصريحات المنشورة على موقع وزارة المالية؛ من المتوقع أن تصل فوائد الدين العام خلال العام المالي الجديد إلى ما يزيد عن 380 مليار جنيه وقد تصل إلى 390 مليار جنيه، نتيجة الاختلالات المالية فى زيادة المصروفات وفى ضوء تباطؤ زيادة الإيرادات، كذلك أظهر البيان التحليلي لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد 2017/2018، ارتفاع فوائد الدين العام الخارجي قرابة الثلاثة أضعاف، ويكشف البيان ارتفاع فوائد الدين الخارجي إلى 25,254 مليون جنيه للسنة المالية الجديدة 2017/2018، مقابل 7,569 مليون جنيه خلال العام المالي الجاري.
تلك الفوائد المرتفعة نتجت بشكل مباشر عن التوسع في الاقتراض الخارجي منذ بداية العام المالي 2016/2017، حتى أنه من المتوقع أن يصل أصل الديون الخارجية بنهاية يونيو 2017 إلى حدود 80 مليار دولار، بزيادة 43% خلال عام واحد، ومن ثم تنعكس تلك الديون مباشرة على بند خدمة الدين، الذي أصبح يستحوذ وحده على أكثر من ثلث الإنفاق في موازنة الدولة.
الفقر يلاحق المواطن.. والصحة والتعليم بعيدان عن أهداف الحكومة
بحسب بيان الموازنة، بلغت موازنة قطاع الصحة 54 مليار جنيه مقابل 48,944 مليار جنيه في العام المالي 2016/ 2017، بينما بلغت موازنة التعليم 106,575 مليار جنيه مقابل 103,962 مليار جنيه بزيادة أقل من 3 مليار جنيه عن العام المالي الجاري، وكشفت تقديرات الموازنة عن عدم وجود أي زيادات لدعم التأمين الصحي لغير القادرين من أصحاب معاش الضمان الاجتماعي رغم ارتفاع أسعار الأدوية حيث خصص دعم يقدر بـ 3 مليار جنيه وهو ذات المبلغ المدرج بموازنة السنة المالية 2016/2017.
بالتالي يصل إجمالي الزيادة في الإنفاق على التعليم والصحة مجتمعين إلى 7,666 مليار جنيه فقط، وبالتأكيد تلك الزيادة غير كافية على الإطلاق لإحداث أي تغيير يُذكر لأهم مجالين يجب الاهتمام بهما وتطويرهما، فعلى صعيد قطاع الصحة، نجد أن الفئة الدنيا، التي تمثل النسبة الأكبر من الشعب المصري، لا تتمتع بالتأمين الصحي اللازم الذي يكفله الدستور، بل إن التأمين الصحي في مصر يقتصر فقط على الموظفين الحكوميين، إضافة إلى فقر العديد من المحافظات خاصة في الصعيد إلى العديد من المستشفيات، والأجهزة و المعدات اللازمة، ووسط ضآلة الزيادة في مخصصات قطاعي التعليم والصحة، تستمر الحكومة في النهج ذاته فيما يخص المبالغ المخصصة للإنفاق على أجور العاملين في الدولة التي تُقدر في مشروع موازنة العام المالى 2017/2018 بنحو 239,555 مليار جنيه بزيادة 10,820 مليار جنيه.
وختاماً، نجد وجود تناقضات سواء في أهداف الموازنة الموضوعة أو في السياسات المتبعة لحل الأزمات القائمة في الاقتصاد، فمن جانب هناك تناقض واضح بين أدوات خفض العجز في الأجلين القصير والمتوسط، فاستخدام السياسات الانكماشية السريعة في الأجل القصير- كرفع أسعار الفائدة وزيادة الضرائب- تقوم بالأساس على خفض الإنفاق- بانخفاض القدرة الشرائية للمواطن- وارتفاع الأسعار والتراجع عن الشراء من أجل الادخار يزيد من حالة الركود الذي يعاني منه المجتمع المصري؛ وذلك يعني بالنهاية خفض إمكانات النمو الحقيقي في الاقتصاد، فكما أشار البنك الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد المصري أن تراجع الطلب الكلي قد خفض من معدل النمو الاقتصادي، كذلك تهدف الحكومة لتقليص عجز الموازنة، في الوقت الذي تستكمل فيه الاستدانة من الخارج ما يزيد من عبء الديون، في ظل محدودية إيرادات الدولة؛ بما يزيد من عجز الموازنة.
المراجع:
– البيان المالي التمهيدي لمشروع الموازنة العامة للدولة 2017/2018،
http://www.mof.gov.eg/MOFGallerySource/Arabic/budget2017-2018/Financial-Statement2017-2018.pdf
– منشور إعداد الموازنة العامة للدولة 2017/2018،
http://www.mof.gov.eg/MOFGallerySource/Arabic/budget2017-2018/Publication_of_preparing_the_budget.pdf
– خبر بعنوان: فوائد الدَّين تلتهم 34% من الموازنة العامة لمصر.. وقيمة العجز تفوق 21 مليار دولار، 5/5/2017.
www.huffpostarabi.com/2017/05/05/story_n_16423164.html،
– خبر بعنوان: تفاصيل مشروع الموازنة العامة لعام 2017/2018 المعروض على البرلمان،http://www.albawabhnews.com/2517402، 8/5/2017.