شروط الوطن وتعريف الدولة شعب واحد متناغم منسجم على أرض مشتركة يحكمه دستور متوافق عليه، تعريف ليس أكاديمياً منضبطاً بالطبع ولكنه تعريف واقعى بلغة الناس ومصطلحاتهم. وعندما كتب الصديق د. مدحت العدل أغنيته الشهيرة «إحنا شعب وانتم شعب» ظننا أن هذه هى التقسيمة الوحيدة، مواطن مصرى ينتمى لهذا البلد مقابل فرد إخوانى ينتمى لعصابة التنظيم العالمى، لكن اتضح لى وأنا أشاهد إعلانات رمضان لهذا العام أن مصر صارت تضم شعوباً شتى وقبائل مختلفة، مواطن كومبانداوى مقابل مواطن شوارعى!! ولا أقصد بالكومبانداوى ساكن الكومباوند بجسده، فمنهم من يحمل معه جينات وهموم هذا الشعب، ولكنى أقصد من يسكنه الكومباوند فيجعله متعالياً منفصلاً معزولاً فى جيتو كجيتوهات اليهود، من يعتبر أن أسوار الكومباوند هى حدود مصر، عندما تشاهد إعلاناً يغريك بالسكن فى كومباوند «عشان تبقى مع ناس شبهك»، هذه هى المشكلة الحقيقية، من لا يريد إلا أن يرى الناس اللى شبهه، فى البيوت اللى شبه بيته، يمارسون نفس البيزنس الذى يمارسه، عربياتهم شبه عربيته، مدارس أولادهم دولية شبه مدارس أولاده.. إلخ، ليس مقهى الحسين هو الذى يجمعهم ولكن ما يجمعهم كأصدقاء هو فيلا بتلات جناين، منتهى أملهم جنينة فى الأرضى وجنينة فى التانى وجنينة فى الروف!! لا يسكن وتحته البقال يدلدل له «السبت» أو بجانبه السباك أو النجار أو بياعة الخضار اللى على أول الشارع، فهؤلاء كلهم بيئة بالنسبة له، فهو لا يريد أن يعيش تقتحمه نداءات الباعة الجائلين أو الأغنيات المسفّة، الكومباوند يحميه من أغنية «مش عايز أخونك وانتى حامل علشان ولادنا بسنت وكامل»!! هو يريد أن ينتقل إلى لندن أو نيويورك، وإذا لم يُفلح فالحل هو أن تنتقل لندن ونيويورك إليك، كومباوند أحمد عز وماجد الكدوانى يحقق لك هذا الحلم، ثقافة الكومباوند وليس الكومباوند نفسه هو الخطر، عزلة الجيتو ونفسية الجيتو وتعالى الجيتو والفرقة الناجية للجيتو والدم الأزرق للجيتو والياقة البيضاء للجيتو.. إلخ، هذا هو الخطر، السلك الشائك النفسى المحيط بساكن الكومباوند الذى يتحول إلى سلك مكهرب داخلى مزروع تحت جلده وفى خلاياه. فى الخارج، فى أوروبا وأمريكا، هناك جمعيات الحفاظ على البيئة، لكن فى الداخل، فى مصر، هناك جمعيات عدم الاختلاط مع الناس البيئة!!، اسكن الكومباوند. ليس هناك خطر ولا ضرر ولا مشكلة، لكن لا تجعل الكومباوند يسكنك، يحتل روحك، يعسكر فى مشاعرك، يرسخ الجفوة بأن باقى المصريين ليسوا أهلك، وأن مصر ليست وطنك، انتقد الأحوال وبمنتهى الشدة لكن لا تتحدث عن أهلك بقرف واشمئزاز، لا تجعلهم «هم» لتجعل نفسك أنت وقبيلتك حزب «نحن» المضاد، الإيليت، الكيوت، ولاد الناس مقابل ولاد الـ... ألا يكفينا أننا قد انقسمنا إلى شباب ناقم على عواجيز انتهت صلاحيتهم، وألتراس ناد غاضب من ألتراس نادى محافظة أخرى، والألتراسان متحدان فى كراهية الأمن ومتعاهدان على تدميره.. إلخ، أنت حر ومن حقك أن تسبح وتستمتع فى بيسين فيلا الكومباوند بفلوسك وبنتاج جهدك، لكن لا بد أن تضع فى اعتبارك وتتذكر وأنت تجفف مياه البيسين من على جسدك وتعترض على قلة رى ملاعب الجولف فى الكومباوند، عليك أن تتذكر أن هناك من يسبح فى مياه الصرف الصحى ويقطع أميالاً لكى يملأ صفيحة المياه!! يجب ألا تنسى دورك الاجتماعى، حتى لا تبكى يوم ثورة الجياع عندما يتحول البيسين إلى مبولة عمومية وبركة دم جماعية.