"لا صوت يعلو فوق صوت القضايا الاقتصادية".. هكذا كان الوضع في المؤتمر الوطني الثالث للشباب الذي شهدته مدينة الإسماعيلية على مدار الثلاثة أيام الماضية، حيث ركز عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي والوزراء خلال جلسات المؤتمر المختلفة، بالتزامن مع الأزمات الاقتصادية التي تشهدها مصر مؤخرًا.
الرئيس السيسي، قال إن المتابعين للإجراءات الاقتصادية الأخيرة لم يتصوروا ما حدث من رد فعل الشعب لها، ولا أحد كان يتصور وعى الشعب الكبير، مشيراً إلى أن هناك أمل خلال الفترة المقبلة لأن ذلك المسار الصحيح كان يجب اتخاذه منذ 30 أو 40 عاما.
وأوضح الرئيس أن حجم الدين العام لمصر تضاعف 4 مرات منذ 2011، مشيرًا إلى أنه كان يقترب من 700 مليار جنيه في 2011، وأصبح 3.4 ترليون جنيه حاليًا، وأن خدمة الدين تصل إلى 350 مليار جنيه سنويًا، يتم استقطاعها من الموازنة العامة للدولة.
وذكر أن مرتبات العاملين بالدولة ارتفعت من 80 مليار جنيه في 2011 إلى 240 مليار جنيه، مشيرا إلي أن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة ليست سببًا في ارتفاع الأسعار، إضافة إلى أن تعويم الجنيه كان له مميزات عظيمة جدًا، رغم آثاره الاقتصادية الصعبة، من بينها أنه أتاح فرصة جيدة للتصدير.
وأكد أن تحمل المصريين غلاء الأسعار والمعيشة محل تقدير كبير ، موضحا أنه رغم كل ذلك مازال الأمل موجودا، إلا أنه من الصعب رؤيته، مشددًا على ضرورة استمرار صمود الشعب المصري فى مواجهة الإجراءات الاقتصادية، وقرار تعويم الجنيه.
لم يكتف شريف إسماعيل رئيس الوزراء بحديث الرئيس عن الأوضاع الاقتصادية، بل قال إن النتائج الأولية لتحرير سعر الصرف كشفت عن زيادة احتياطي النقد الأجنبى إلى 28.5 مليار دولار، بعدما كان 15.2 مليار في أكتوبر 2016.
وأعلن أن قانون الاستثمار الجديد سيصدر خلال شهر مايو المقبل، موضحًا أن الدولة تستهدف الوصول بالاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 9.4 مليارات دولار خلال 2016-2017.
وأضاف أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة قفزت لـ39 % في النصف الأول من السنة المالية الحالية لتصل إلى 4.3 مليارات دولار وبلغ حجمها 6.4 مليار دولار في السنة المالية الماضية و4.1 مليارات دولار في 2013-2014.
وينتظر المصريون قرارات جديدة فى يوليو المقبل تتمثل في زيادة ضريبة القيمة المضافة من 13 إلى 14%، والتي سترفع أسعار كل السلع والخدمات تقريبا، والاتجاه نحو خفض جديد في دعم المواد البترولية والوقود، إضافة إلى ارتفاع أسعار المياه والدواء، فضلًا عن الزيادة الفعلية التي طبقت على تذكرة المترو، ودراسة هيئة النقل العام رفع سعر تذاكرها أيضًا.
تبرير للفشل
وفي هذا الصدد، رأى الدكتور رائد سلامة، الخبير الاقتصادي، أن طرح الشأن الاقتصادي بهذه الكثافة في الموتمر الوطني للشباب، هو محاولة لإيجاد تبريرات للفشل في إدارة الملف الاقتصادي وعدم إحساس الناس في الشارع بأي أثار إيجابية لما أطلقوا عليه "الإصلاح".
وأضاف في تصريحات خاصة لـ "مصر العربية"، أن الشأن الاقتصادي يطرح نفسه حالياً على أي حوار فى مصر أيًا كان مستواه وأيًا كانت أطرافه بغض النظر عن درجة ثقافتها بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني، الذي أدى إلى معاناة الناس وبالتالي فمن الطبيعي أن يفرض الشأن الاقتصادي نفسه في مؤتمر الشباب.
واعتبر سلامة، أن اللافت خلال المؤتمر هو التركيز علي مزيد من الوعود الرئاسية بالانتهاء من مشروعات معينة قبل موعد انتخابات الرئاسة القادمة مباشرة، بما يمثل نوع من تخفيف غضب الناس من خلال منحهم أملًا جديدًا، وذلك ليكون هناك إمكانية لتقبل الرأي العام انتخاب الرئيس مرة أخرى.
وأكد السيسي، خلال المؤتمر، أنه سيتم الانتهاء من جميع المشروعات التي وعد بتنفيذها في 30 يونيو 2018، لافتًا إلى أن الدولة جادة في انتهاء مشروعات المزارع السمكية والحيوانية وشبكات الطرق والمناطق الصناعية في الموعد الذي أعلن عنه.
وقال السيسي، إن الدولة كانت تستورد برقم كبير وبدأ ذلك الرقم ينخفض نتيجة قلة القدرة الشرائية، فضلا عن الإجراءات التى اتخذتها الحكومة لتقليل فاتورة الاستيراد، لافتاً إلى أن الدولة تعمل على زيادة حجم الصادرات، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية على الأسواق.
وذكر أن معدل زيادة الموارد لا يتناسب مع معدل الصرف، وبالتالي فمن الضروري أن نتحمل القيمة الحقيقية لأسعار السلع والمنتجات غير المدعمة، وأن خروج شريحة معينة من الدعم كان لأسباب كثيرة وضخمة، مطالبًا المصريين بمساعدة الدولة بالترشيد وضبط الاستهلاك بصفة عامة وفي شهر رمضان بصفة خاصة.
وحول ارتباط الحوار المجتمعي حول الشأن الاقتصادي بمطالب من صندوق النقد الدولي، أكد الخبير الاقتصادي، أن الصندوق لا يعبأ بأي حوارات مجتمعية لكنه فقط يرغب في موافقة المجتمعات التي يقرضها من خلال الحصول علي موافقة البرلمان.
وتابع، لقد حصل صندوق النقد بالفعل على موافقة مجلس النواب، وبالتالي يمكنه مطالبة المجتمع لا الحكومة بالقروض التي منحها إن حدث وسقطت الحكومة، حيث لا يمكن الامتناع عندئذ عن السداد بحجة أن من أبرم الاتفاق هو حكومة سقطت ولكن المجتمع كله أصبح ملتزماً، قائلًا "لذا كنا ندعو البرلمان دائمًا لعدم إقرار هذه الاتفاقية البائسة لكنه لم يفعل”.
إحساس بالقلق
عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي، قال إن اهتمام الرئيس السيسي بالقضايا الاقتصادية في مؤتمر الشباب يعكس احساسه بالقلق على سياساته الخاطئة، التي أوصلتنا إلى حد الصراخ وعدم التعايش مع الوضع الحالي، كما يهدف للترويج لبعض الحلول التي يقدمها، والتي جاءت بنتائج ضارة على الوضع الاقتصادي.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ "مصر العربية"، أنه عندما يتحدث عن الدعم لا يكشف عن أن نصفه على الأقل عبارة عن رقم حسابي وافتراضي غير حقيقي، وأن الرقم الذي أعلن عنه جاء نتيجة التلاعب الحسابي عن طريق بطرس غالي وأحمد نظيف في حكومة 2004.
وأكد فاروق، أن الرئيس يدرك بفعل التقارير الأمنية أن هناك حالة صراخ لدي الأسرة المصرية، موضحًا أن سياساته الاقتصادية على مدار العامين الماضيين لا تختلف عن سياسات الرئيس المخلوع حسني مبارك، من حيث تحيزهما لرجال الأعمال، ففي الوقت الذي يُخفض فيه الضرائب من 25% إلى 22.5% بحجة تشجيع الاستثمار، يقوم بالتحميل على الفقراء في الأزمة الاقتصادية بسبب تعويم الجنيه المصري لصالح التجار والمستوردين.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن الرئيس السيسي يختلف عن مبارك فقط في أمرين، وهما أنه مندفع وليس حصيفًا في قراراته، مشيرًا إلى أن المحيطين به ليسوا مستشارين ولا اقتصاديين ولا رجالا للتنمية ولكنهم مجموعة من "البورصجية”.
أمر طبيعى
الدكتور صلاح فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، رأى أنه من الطبيعي التركيز على الشأن الاقتصادي في المؤتمر، لأنه المشكلة الحقيقية التي نعيشها في الوقت الراهن بسبب ارتفاع الأسعار وزيادة سعر الدولار، معربًا عن أمله في رؤية ثمرات التنمية التي تحدث عنها الرئيس.
وتابع في تصريحات خاصة لـ "مصر العربية"، أنه لابد وأن تنعكس معدلات النمو على زيادة الدخل، مشيرًا إلى أن الرئيس لم يتحدث عن موعد زيادة الدخل للمواطن، ولكنه تحدث باستفاضة عن الدعم والفقراء، إلا أنه لم يتطرق إلى الطبقة المتوسطة، كما لم يتطرق إلى توظيف خريجي الجامعات وإن كان قد تحدث عنه في المطلق.
وأعلن الرئيس السيسي خلال مؤتمر الشباب أيضًا عن فشل مبادرة المشروعات الصغيرة التي تم الإعلان عنها منذ فترة بتمويل حكومي بمبلغ يصل إلى 200 مليار جنيه، نظرًا للتعقيدات والعراقيل التي وضعتها الحكومة ما تسبب في عزوف الشباب عنها.
وذكر شريف إسماعيل، رئيس الوزراء، أن هناك عدة تحديات لدى الحكومة أهمها ارتفاع مستوى الفقر، الذي وصلت نسبته إلى 27.8% على مستوى الجمهورية، وأن أكثر المناطق التي تعانى من الفقر هو الصعيد، إضافة إلى البطالة، التي وصل معدلها إلى ما بين 12 و12.5%.
وأشار اسماعيل إلى أن نسبة التضخم بلغت نحو 32.5% طبقا لحسابات وزارة التخطيط والجهاز المركزى التعبئة والإحصاء، ووفقًا للتقديرات فمن المقرر أن ينخفض التضخم ليصل إلى 15.2%.العام المقبل.
وأوضح أن مخصصات الدعم في العام المالى الجديد ستزيد بواقع 54 مليار جنيه، وأن المؤشرات السياحية تعانى من انخفاض حاد، لذا لم تعول عليها الدولة كثيرا في الموازنة رغم أن هناك جهودا كبيرة مبذولة لتنشيطها.