بـ(مظاهرة بحرية) كما وصفتها التقارير والأخبار الرسمية ، عبرت قناة السويس بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسى وعدد من الحضور فى مؤتمر الشباب ، افتتح المؤتمر الدورى الثالث للشباب بمدينة الإسماعيلية ، فى نسخته (الشهرية) ، بعد مؤتمرين سابقين فى القاهرة وأسوان ، سبقهما المؤتمر الوطنى الأول فى نسخته (السنوية) ، بارك الله فى النسخ وتنوعها ، ووقانا شر إستنساخ التجارب السابقين فى تعليب الشباب وتقديمهم مغلفين (وليسوا مغفلين لا سمح الله) للسوق السياسى الذى يعانى من فقر وجدب ، بعد أن أصبح كثير من الشباب فى السجون ظلما ، رغم نفحات العفو التى تخرج العشرات أو المئات من بين الآلاف ، أو منشغلين فى حياتهم الخاصة إحباطا أو بحثا عن طوق نجاة ولو على المستوى الشخصى ، أو مهاجرين باحثين عن فرصة حياة كريمة عادلة آمنة دون أن يتعلقوا بالسؤال التاريخى حول ماذا قدموا لمصر طالما لا يستطيعون أن يسألوها ماذا قدمت لهم حتى لا تنزع عنهم صكوك الوطنية .
ورغم أن الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر أفردت مساحة واسعة مستحقة بالتأكيد للإحتفاء والتكريم ببطولات أهالى القناة وتاريخ صمودهم وبسالتهم دفاعا عن أرض الوطن فى معاركه الكبرى ، بمناسبة ذكرى تحرير سيناء الذى يتزامن مع إنعقاد المؤتمر ، بدءا من بث فيديو عن تاريخهم المشرف ، ومرورا بتكريم عدد من أبطال الحروب والمعارك الوطنية المصرية من أهالى محافظات القناة ، ووصولا إلى تقليد الوقوف دقيقة حدادا على أرواح شهداء الوطن ، إلا أن هذا الإحتفاء الواحد بالذكرى وأبطالها يستحق أسئلة متعددة فى الحقيقة ، لا عن تاريخ سيناء وأبطالها ، بل عن واقعهم ومستقبلها ، وهى الأسئلة التى ربما لن نجد لها إجابات فى جلسة (اسأل الرئيس) المنتظرة ضمن فاعليات المؤتمر ، لأننا طبعا منشغلين فى سيناء فقط بمواجهة الإرهاب التى بدأناها بالتفويض ووصلنا للطوارئ ، رغم أن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة المتعلقة بمستقبل سيناء وواقع أهلها ، بالمعنى الأعم والأشمل والأكثر مباشرة ووضوحا بكل جوانبه السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والفكرية ، ربما يكون المدخل الأقصر والأنجح للمواجهة الحقيقية مع الإرهاب .
وفيما يجتمع 1400 شاب وفتاة تقريبا بحسب الأرقام الرسمية المعلنة فى المؤتمر ، باحثين فى أفضل الأحوال وبإفتراض حسن النوايا عن مساحة للحوار مع السلطة ، أو التأثير فيها بطرح أفكارهم ومقترحاتهم ، فإن شاب آخر يواجه بعد غد الخميس جلسة تحدد مصيره ومستقبله ، حيث تعقد محكمة النقض أول جلساتها للنظر فى الطعن المقدم ضد أحكام حبس أحمد دومة التى صدرت ضده بالمؤبد والغرامة 17 مليون جنيه .. وفيما يبحث هؤلاء عن تطبيق لمفهوم ما يسمى بـ(تمكين الشباب) ، يستعد شاب آخر هو إيمانويل ماكرون لتولى رئاسة الوزراء فى فرنسا خلال مايو المقبل فى حالة نجاحه فى الفوز فى مواجهة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان ، وهو لم يتجاوز 39 عام ، فى ظاهرة قد لا تكون جديدة فى أوروبا ، التى شهدت صعودا واضحا لرؤساء حكومات ووزراء فى أعمار شابة ، لكنها قد تكون إستمرارا لظاهرة أحدث حيث أنه قادم من خارج الأطر السياسية والحزبية التقليدية ، بما يشير لمزاج عام فى دول متعددة يبحث عن وجوه جديدة شابة من خارج المؤسسات التقليدية ، طبعا هذا بغض النظر عن رأينا وتقديرنا لماكرون وتوجهاته وسياساته ، وإن كان الأمر يبدو أقرب للإختيار بين السئ والأسوأ على طريقة شفيق مرسى فى مصر عام 2012 ، والتى قد نجد أنفسنا مرة أخرى أمام معادلات وإختيارات مشابهة فى 2018 إذا استمر الحال على ما هو عليه .
وربما لا تمثل متابعة وقائع فعاليات وجلسات مؤتمر الشباب الثالث الذى سيستمر حتى بعد غد الخميس ، سوى تأكيد جديد على أن هذه الآلية جاءت لتخلق مساحة تقدم من خلالها السلطة رسائلها لقطاعات من الشباب وتستخدمها كمنصة ترويج لسياساتها وإنجازاتها ، وتحاول تقديم صورة للمجتمع عن دعم مساحات من الشباب لها ، وعن أنها مستعدة للحوار والنقاش الحر الديمقراطى لكن مع الشباب المهذبين الوطنيين الحريصين على مصلحة الوطن عندما يتماهى مفهومه مع السلطة ، والذين يحترمون آداب الحوار وتقاليده بأن يستمعوا ولا يعارضوا ولا يختلفوا لأنه (ميصحش كده) ، لكن ربما يبدو مفيدا للذاكرة ، وللحقيقة ، وللوعى العام فى هذا البلد ، أن نتذكر ما جرى قبل عام واحد فى مثل هذا اليوم ، عندما نزل شباب ومواطنين حاملين أعلام مصر ورافضين للتفريط فى جزء من أرضها تحت دعاوى (إعادة الحق لأصحابه) أو (رد الأمانة) ، فواجهتهم سلطة مستبدة بقبضتها الأمنية الغاشمة ومواطنيها الشرفاء الذين حملوا الأعلام السعودية فى عيد تحرير سيناء ، وتم الزج بكثير من هؤلاء الشباب إلى السجون والنيابات والمحاكم ، وربما يبدو مفيدا أيضا للمستقبل القريب أن نلاحظ أنه بعد مرور هذا العام الذى نجحت خلاله القوى الوطنية المصرية ونضالها السياسى والقانونى فى وقف تمرير إتفاقية التنازل عن تيران وصنافير ، فإننا على وشك تلقى خبر بدء مناقشة نفس الإتفاقية الباطلة والمنعدمة بأحكام القضاء المصرى داخل لجان مجلس النواب المصرى ، الذى يستعد هو نفسه لتمرير قانون يسمح لرئيس السلطة التنفيذية بإختيار رؤساء الهيئات القضائية ، ليصبح المشهد كله أننا أمام سلطة تدعى حرصها على الحوار مع الشباب بينما تسجنهم عندما يدافعون عن أرضهم ، وتحتفل بمناسبة وطنية تحررت فيها الأرض بالإستعداد للتنازل عن جزء منها !