الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

«السرّ» لهنري برنشتاين: الشرّ والتحليل النفسي على الخشبة

«السرّ» لهنري برنشتاين: الشرّ والتحليل النفسي على الخشبة

قبل إعلان السينمائي الفرنسي آلان رينيه خلال ثمانينات القرن الفائت أن فيلمه السينمائي المقبل سوف يكون مقتبساً عن عمل مسرحي للكاتب هنري برنشتاين، كان القليل من الناس الذين لا يزالون يذكرون هذا الأخير أو يقرأون له نصوص مسرحيات كفّ الريبرتوار المسرحي الفرنسي عن تقديمها منذ زمن، غير قادرين على اعتباره كاتباً كبيراً يمكن أن يُنظر الى أعماله بعين الجدية. لكن «مفاجأة» رينيه المعتبر دائماً واحداً من كبار السينمائيين الذواقة، قلبت الأمور تماماً جاعلة من أعمال برنشتاين قبلة أنظار المثقفين، واستعادت الفرق المسرحية اهتمامها بالرجل وأعماله. ولقد كانت مسرحيته «السرّ» العمل الأكثر استفادة من عودة الاهتمام. ومهما يكن من أمر فإن «السرّ» كانت حتى في الماضي، أيام عزّ برنشتاين عند بدايات القرن العشرين، تعتبر عمله الأشهر والأعمق.

 

 

> الأعمق بخاصة من ناحية البعد السيكولوجي الأخلاقي المهيمن عليها. والحقيقة أن هذا البعد، البعيد من تعقّد الحوادث والخبطات المسرحية، والمتعامل مع المسرح كمكان للاستبطان النفسي ودرس الأخلاقيات على ضوئه، هو الذي حقق للمسرحية نجاحاتها الماضية في زمن كان فيه التحليل النفسي الآتي من فيينا وزيوريخ رائجاً ما يتطلب أداء تمثيلياً على المسرح يسمو على المستوى المعتاد. ومن هنا، بفضل حضور دور بديع وعميق على خشبة المسرح طوال زمن عرض «السرّ»، تَحقق للمسرحية نجاح كبير جاعلاً من هنري برنشتاين حالة ناجحة قبل أن يطويه شيء من النسيان مع انقضاء «موضة» المسرح السيكولوجي.

 

 

> تدور مسرحية «السرّ، إذاً، من حول سيدة المجتمع غابرييل، السيدة الثرية الأنيقة والجميلة المحاطة بخيرة الأصدقاء وبعائلة طيبة، إلى درجة لا يمكن معها لأيّ كان أن يفترض أن ثمة ما من شأنه أن ينغص شيئاً من حياة مصنوعة من النجاح والألفة. ولكن الحقيقة سرعان ما تبدو مختلفة: وبالتحديد من خلال «عيب» يظهر بالتدريج على غابريال، كان ثمة ما يشبه التواطؤ على السكوت عنه أول الأمر. فغابرييل، رغم كل السعادة الوارفة التي تعيشها، لا يمكنها أن ترضى بأن ترى أحداً غيرها سعيداً أو محبوباً. ومن هنا نراها تشغّل لسانها وحيلها لتحطيم الآخرين ما إن تشعر بأنهم ينالون قسطاً من سعادة أو رضى عن الذات. وهي، لأنها غير قادرة على إفساد حياة كل الناس وسعادتهم، تكتفي بالمقربين منها ولا سيما إذا كانوا من النساء، فتشغل قنوات حيلها ومؤامراتها حتى «تقضي» عليهن. وكان يمكن للأمور أن تستمر على هذا النحو لولا ان براثنها تطاول ذات يوم صديقتها الأكثر قرباً منها، هنرييت التي كانت على وشك الارتباط بزواج سعيد مع الرجل الطيب ديني. هنا ما كان من شأن هنرييت أن تستسلم لسعادة صديقتها، فاستغلت لحظة ضعف من هذه الأخيرة لتفضح لحظتها تلك أمام الخطيب. ولكن إذا كانت غابريال قد تمكنت دائماً من النفاذ بجلدها في كل مرة تغلب فيها شيطان الشر والخسّة على مزاياها الإيجابية، فإنها هذه المرة تعلق في فخّ ما تحاوله، وتنقلب اللعبة عليها. ليس لأن شيطانها يتخلى عنها، فهو لا يفعل، بل انطلاقاً من المبدأ القائل إن ما من شيطان إلا وهناك أخ له أكثر شراً وملعنة. وهكذا فيما كانت غابريال، تمارس لعبتها، وبشكل مجاني كعادتها وحتى من دون أن تدرك حقاً شرّ ما تفعل، تبدلت اللعبة ووقعت هي في شرّ عملها. وربما لا نكون في حاجة الى قول كم أن هذا التبدل أراح المتفرجين يومها، ووفّر للكاتب نجاحاً مدهشاً.

 

 

> لكنه كان نجاحاً لم يدم لبرنشتاين الى الأبد، حتى فاجأ آلان رينيه جمهوره بإعادته الى الواجهة بفيلمه «ميلو». صحيح ان رينيه اعتبر الفيلم، في ذلك الحين، جزءاً من ثلاثية تنتمي اليه، لكنه أشار بكل وضوح الى انه لئن كان قد اقتبس قصة الفيلم من مسرحية كتبها هنري برنشتاين في 1929، فإنه لم يفعل هذا إلا لأنه وجد الروابط محكمة بين فهمه للفن وللمجتمع وفهم برنشتاين لهما، وعلى الأقل كما عبر عن ذلك في تلك المسرحية الاستثنائية.

 

 

> والحقيقة ان رينيه بهذا إنما كذّب بهذا نبوءة كان برنشتاين عبر عنها إذ كان من عادته في كل مرة تأمل فيها لوحة لكلود مونيه كان صوره فيها وهو بعد فتى صغير، أن يشير الى صورته في اللوحة ويقول: «هذه اللوحة الجميلة، هي كل ما سوف يبقى مني». حين حقق رينيه فيلم «ميلو» وأعاد اسم هنري برنشتاين الى الواجهة، أثبت عملياً أن ما بقي من هذا الأخير كثير، وأن بعض مسرحياته، على الأقل، بإمكانه أن يعيش. والدليل على هذا انه ما إن عرض فيلم «ميلو» حتى راحت مسرحيات برنشتاين تستعاد كما قلنا، وأصبح هذا الكاتب كاتباً معاصراً رغم ان ثلاثة عقود كانت قد انقضت على رحيله.

 

 

> فالواقع ان هنري برنشتاين رحل في العام 1953 وكان لا يزال في قمة مجده، حيث انه، بعد ان كان قد نفى نفسه الى الولايات المتحدة طوال فترة الحرب العالمية الثانية، عاد في العام 1945 حيث أعاد تأسيس مسرحه وشرع يكتب من جديد أعمالاً نالت حظوة الجمهور وإن لم تنل حظوة النقاد. وكان هذا الواقع الأخير يغيظ هنري برنشتاين الذي كان في هذا المجال سريع الغضب، بل انه اشتهر أيضاً بأن حالات غضبه كانت سرعان ما تتحول الى مبارزات بالسيف كان يخرج منها، على الدوام، منتصراً!

 

 

> ولد هنري برنشتاين في باريس في 1867. وبدأ اهتمامه بالمسرح منذ وقت مبكر، ولقد ترسخ ذلك الاهتمام لديه بخاصة في بروكسيل التي كان لجأ اليها هرباً من الجندية في العام 1897، ثم عاد منها وقد شمله العفو فعكف على كتابة مسرحيات لفت بعضها نظر المسرحي الكبير انطوان فعمل على إخراجها، وهكذا منذ 1900، وبفضل إخراج انطوان، بدأ الجمهور المسرحي الفرنسي يتعرف الى أعمال متتالية لبرنشتاين مثل «السوق» (1900) و«العودة» (1902) و«الحظيرة» (1905).

 

 

> غير ان موهبة برنشتاين الحقيقية لم تظهر إلا في العام 1905 حين ظهرت له مسرحية «الزخة» واتبعها بمسرحيات أخرى أبرزها «السارق» و«شمشون». ولعل القاسم المشترك الأساسي بين هذه الأعمال هو القسوة التي ينظر بها برنشتاين الى شخصياتها والانهيار العاطفي الذي يجعلها تصاب به من خلال حوادث استثنائية، ومن هنا اتسم معظم أعماله بنزعة ميلودرامية شديدة الوضوح حببته الى الجمهور في تلك المرحلة الانعطافية من تاريخ الفن الفرنسي. وليس الفرنسي فقط، حيث نعرف ان مسرحيات عديدة لبرنشتاين تُرجمت الى لغات كثيرة ومثلت (ومن بينها اللغة العربية حيث تفيدنا قائمة المسرحيات التي قدمها جورج أبيض، بأن برنشتاين كانت له ولمسرحياته حظوة لا بأس بها لدى جمهور المسرح العربي في ذلك الحين).

 

 

> خلال الحرب العالمية الأولى جنّد برنشتاين في جيش الشرق، وحارب في المنطقة العربية، ومن هناك عاد وفي جعبته هوس بالشرق والعديد من المواضيع التوراتية. وكان من أهم أعماله في هذا الإطار، مسرحية «جوديث» (1922) التي حققت حين عرضت نجاحاً كبيراً، جعل برنشتاين أكثر ثقة بخطواته وأكثر قدرة على فرض احترام نصوصه على المخرجين، ثم بخاصة على الممثلين. ومنذ تلك اللحظة لم يعد بإمكانه ان يقبل أي نقد يوجه اليه، وصار خصامه مع النقد خصاماً دائماً.

 

 

> والحال ان برنشتاين - من وجهة نظر النجاح الفني وفاعليته - كان محقاً في موقفه، هو الذي لم يعرف أي عمل من أعماله الفشل. فهو كان شديد الحساسية ازاء ما يريده الجمهور، ومن هنا كان يصر على ان تتسم أعماله بكل تلك الوصفات التي يريدها هذا الأخير. ولكن ليس أي جمهور بالطبع: بل جمهور خاص كان عمله بالذات هو الذي فتح له أبوابه، وهو كان يعتمد على موقف هذا الجمهور الإيجابي منه على الدوام، لكي يحدث في عمله تلك التطويرات البسيطة التي كان يجريها على عمل بعد عمل. غير ان تلك التطويرات لم تطل، على أي حال، جوهر عمله الذي كان يعتمد على التطور السيكولوجي للشخصيات أكثر من اعتماده على تطور الحوادث. ومن هنا اعتبر مسرحه مسرحاً يشتغل على أعصاب متفرجيه، أكثر منه مسرحاً يشتغل على عقولهم.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة