الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

كمال زاخر: «شبكة مصالح» تقف ضد محاولات السيسى تحقيق المواطنة بأشكال وطرق متعددة

كمال زاخر: «شبكة مصالح» تقف ضد محاولات السيسى تحقيق المواطنة بأشكال وطرق متعددة
استهداف الأقباط أمر عقائدى لدى جماعات الإسلام السياسى المتطرفة التى تسعى إلى «دولة الخلافة».. هكذا يقرأ المفكر القبطى كمال زاخر استهداف أقباط العريش مؤخراً، معتبرًا أن الأقباط سيظلون حقل صراع بين الدولة وتلك الجماعات التى تسعى لتحقيق مركز تفاوضى أفضل بهذه الاعتداءات.

«زاخر» قال إنه برغم جهود ومحاولات الرئيس عبدالفتاح السيسى لتحقيق المواطنة، إلا أن الصراع المحتدم بين جماعات التطرف وبعض مؤسسات الدولة يقف عائقًا أمام ذلك، لافتًا إلى أن تحقيق المواطنة يحتاج لوجود رغبة حقيقية وإرادة سياسية.

كيف ترى المواطنة فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى؟
- المواطنة تعريفًا هى العلاقة السوية بين الوطن والمواطن، وهى منتج تراكمى يتشكل بفعل حال المجتمع الثقافى والتعليمى والسياسى، ومدى استيعابه منظومة الحقوق الشخصية، ومن التعسف أن نحكم عليها، وجودًا واختلالًا وعدمًا، دون أن نقترب من المناخات التى تحكم المجتمع والقوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة والمؤثرة فيه، ومن ثم فقد آل إلى عهد السيسى كل الصراعات التى يموج بها الشارع التى كشفت ثورة 25 يناير الغطاء عنها، وكانت إرهاصاتها تتشكل منذ تأميم التنوع والتعدد وفرض التنظيم السياسى الأوحد، تحت شعار «الكل فى واحد» الذى تبنته المرحلة الناصرية، ثم الانحياز لغلبة الإسلام السياسى والحجر على التيارات المدنية على تعددها، لمقاومة المد الناصرى واليسارى، فى عهد الرئيس السادات، ويأتى عصر مبارك ليفكك منظومة القيم المصرية، أو ما بقى منها، بفعل شبكة الفساد التى سيطرت على مناحى الحياة، وإن بقى الغطاء الدينى ليبررها ويجذرها ويحكم قبضته على الشارع، وينعكس هذا على منظومات التعليم والثقافة والإعلام التى صارت أحادية ومتطرفة، فيضيق الخناق على المواطنة فى دوائر التشريع والقضاء والسياسة.

وبرغم محاولات الرئيس السيسى الدفع باتجاه دعم المواطنة، إلا أن هناك من يرفض ويلتف حول هذه المحاولات بأشكال وطرق متعددة، فى تحالف بين الموروث وشبكة المصالح.  
 
ما تأثير ثورة يناير على وضع الأقباط؟
- حراك الشارع فى 25 يناير وكان شباب الأقباط أحد عناصره، نقل الأقباط من مربع الكنيسة إلى مربع الوطن، وربما الشرارة التى فجرت هذا الحراك حادث تفجير كنيسة القديسين فى الإسكندرية عشية رأس السنة 2011، وقبلها شهدت محافظة الجيزة «حى العمرانية» نوفمبر 2010، أول مواجهة بين الأقباط وقوات الشرطة خارج أسوار الكنيسة، على خلفية منع السلطات بناء مبنى خدمات تابع للكنيسة، ولم يلتفت شباب الأقباط إلى توجيهات البابا شنودة وقتها، بالعودة إلى داخل أسوار الكنيسة، فكان الأمر بمثابة إعلان لتغيير معادلة العلاقة بين الكنيسة والأقباط والنظام الحاكم، وهو ما أكدته تداعيات ما بعد 25 يناير، فى ردود الفعل على الأرض، وأبرزها مظاهرات الشباب بعد الاعتداء الطائفى على كنيسة قرية الماريناب 30 سبتمبر 2011 التى انتهت بمظاهرات واعتصامات ثم حادث ماسبيرو 9 أكتوبر 2011.

وماذا عن علاقة الكنيسة بالسلطة؟
- الكنيسة، ولاعتبارات تاريخية ضاغطة لا تتبنى الصدام مع الحاكم، ومع تصاعد استهداف التيارات المتطرفة والإرهابية لها وللأقباط، وانحسار غطاء النظم الحاكمة عن حمايتها، وحمايتهم، كانت تقبل رؤية الحاكم، وتأكد هذا بعد الصدام الاستثنائى مع الرئيس الأسبق السادات، الذى انتهى باعتقال البابا خلف أسوار الدير بوادى النطرون، ولم يُفرج عنه بعد اغتيال الرئيس، ليبقى رهن الاعتقال لثلاث سنوات تالية، فى إشارة بالغة الأهمية لتوجه نظام الحكم الجديد وقتها، وهو ما استوعبته قيادة الكنيسة وشكل نسق العلاقة بينها وبين الدولة، فيما بعد، حتى رحيل البابا شنودة وإقصاء الرئيس مبارك.

وكيف تراها بعد «30 يونيو»؟
- كانت 30 يونيو استردادا لثورة اختطفت، ولوطن صار تحت أسر التيارات الإرهابية المتطرفة، والأحادية، فكان خروج الأقباط الثانى متجاوزًا دائرة المطالبة بحقوق، كما كان الحال فى 25 يناير، ليصير خروجًا للدفاع عن الوجود الذى بات مهددًا من تلك الجماعات، وكان آيته الاعتداء المباشر على الكاتدرائية وما يحمله من إشارات خطيرة، وهو ما أكدته فيما بعد موجة الاعتداءات الإرهابية المتزامنة على ما يزيد على 80 كنيسة ومنشأة خدمية مسيحية بربوع الوطن فى 14 اغسطس 2013 عقب فض اعتصامى رابعة والنهضة الإرهابيين.

لذلك كان إعلان الكنيسة دعم ومباركة حراك 30 يونيو/ 3 يوليو، موقفًا وطنيًّا وليس سياسيًّا، فى مواجهة تفكيك الوطن، وجره إلى مستنقع التقسيم أسوة بتجارب دول الجوار. على أن عودة الأقباط إلى المربع الوطنى دون إقصاء أو انسحاب يبقى مرتهنًا بتوفر الإرادة السياسية واتخاذ خطوات على الأرض تتأكد معها المواطنة دون تمييز أو فرز، وهو أمر لا يقتصر على القيادة السياسية وحدها، بل هو مسئولية ودور كل القوى والكتل والمؤسسات السياسية.

وكيف ترى انتقال الأقباط من العريش؟
- مازالت المعركة قائمة بين الجماعات الإرهابية المتطرفة التى تتبنى دولة الخلافة وقوامها النقاء العرقى الدينى وبين أنظمة الحكم من خارجها، ويبقى المسيحيون عقبة لا تلين أمام اكتمال هذا السعى، ومن ثم فاستهداف المسيحيين ليس موقفًا عاطفيًّا بل عقائديًّا، وقد يتماس مع استراتيجية تفكيك الوطن وخلخلة التركيبة الاجتماعية والسكانية، وهو ما يجب أن تدركه السلطة الحاكمة، وما حدث مؤخرًا من تهجير بالترويع ما هو إلا تنويعة على هذا التوجه، ويمكن أن تكون ورقة ضغط موجهة للدولة، تتيح موقعًا تفاوضيًّا لأفضل تلك الجماعات والأجهزة المساندة والداعمة والمحركة لها إقليميًّا ودوليًّا، فضلًا عن إجبار الأقباط على المدى غير البعيد على الخروج من معادلة 30 يونيو / 3 يوليو، توطئة لإسقاطها والقفز مجددًا على السلطة.  

وما الحل لمنع أى اعتداءات على الأقباط؟
- تأمين الأقباط لا يتحقق بمعزل عن تأمين الوطن، والتأمين الأمنى لن يؤتى نتائجه ما لم يكن فى مجتمع واع ومؤمن بالتعددية والقبول المتبادل للاختلاف، وهو أمر غائب بفعل الخطاب الدينى الإقصائى السائد، وظنى أننا بحاجة إلى رؤية أكثر اتساعًا لوضعية الأقباط وقضاياهم وإشكالياتهم تتجاوز دائرة الأمن.  

ما رأيك فى قانون الأحوال الشخصية؟
- مازال القانون مشروعًا لم يكتمل بعد ولم يصر قانونًا، وهو مشروع حائر بين الكنائس وبعضها وبين الكنائس والجهات الرسمية، سواء البرلمان أو وزارة العدل، وكل ما يتداول حوله تسريبات غير مؤكدة.

ما رأيك فى قانون بناء الكنائس؟
- حين طرح مشروع قانون بناء الكنائس على البرلمان بادرت مجموعة من المفكرين المصريين بتكوين ما عرف بـ«تنسيقية المواطنة» وتدارست مشروع القانون وقدمت ملاحظاتها على عيوبه وثغراته، وعقدت مؤتمرًا عامًا «13 اغسطس 2016» تحدث فيه عدد من المختصين من الفقهاء الدستوريين والمهتمين بالقانون والسياسيين، وانتهت إلى توصيات محددة قدموها إلى مكتب رئيس الجمهورية بالاتحادية، ومكتب رئيس مجلس النواب، بشكل مباشر، طالبت فيها بتعديل وإضافات لنصوص المشروع، وعقد جلسات استماع بالبرلمان، ولم يلتفت إلى هذا وصدر القانون كما هو وهو فى مجمله يعد إعادة إنتاج لشروط العزبى باشا 1935 المقيدة لبناء الكنائس بصياغات مختلفة ولن تحل أزمة البناء.
  
ما أفضل السيناريوهات التى تنصح بها الدولة فى مواجهة جماعات الإسلام السياسى بتنوعاتها؟
- سيناريو الدولة المدنية العلمانية، حيث التعددية وتداول السلطة وبناء أحزاب حقيقية تعبر عن كتل سياسية على الأرض، تنتج برلمانًا يملك أدواته وقراره، وحكومة تملك رؤية إصلاحية سياسية واقتصادية وكوادر قادرة على ترجمتها وتحقيقها، وإصلاح جاد موضوعى لمنظومات التعليم والثقافة والإعلام. 

هل تتخوف على مستقبل الأقباط.. ولماذا؟
- الأقباط مكون جذرى فى المعادلة المصرية، ومستقبلهم لا ينفصل عن مستقبل الوطن، والتاريخ يقول بذلك، لذلك فالتخوف الأساسى هو على مستقبل الوطن بجملته وليس الأقباط فقط، ولا أعتقد أن أحدًا يستطيع أن ينال من أمن وسلامة مصر، وبفعل التوليفة المصرية ستخرج مصر من معركتها منتصرة وتسترد عافيتها. 

كيف نجدد الخطاب الدينى؟
- أولًا لن يتم تجديده. لسنا فى حاجة لتجديد الخطاب الديني، بل نحتاج لتصحيح الفكر الديني، لكن الحقيقة أن المؤسسة ليس عندها رغبة واستعداد للقيام بذلك، لأنه يدخل فى دائرة الفكر. وتجديد الفكر الدينى من المفترض ألا تملكه المؤسسات الدينية، لأنها بفعل الموروث الدينى والثقافى والتاريخى لها استقرت على ما هى عليه، فلن تغير شيئا، تجديد الفكر الدينى يأتى من تجديد الخطاب الثقافى وإطلاقه وفكه من أسره وتحريره من القيود المكبلة، يجب إطلاق الحرية للجميع، دع الإبداع يظهر، والمسرح يعمل والمفكر يبحث، كل هذه العوامل سوف تسهم فى تصحيح المفاهيم، تقبل الصحيح وترفض الخطأ، لكن الاستعانة بالمؤسسات الدينية فى هذا الأمر يعد تأكيدا على سيطرة الخطاب الدينى وهيمنته على الشارع، يجب إطلاق كل الخطابات وإعطاؤها حرية العمل والتحرك.

مصدر الخبر
الدستور

أخبار متعلقة