إنه الاستقطاب السياسى الحاد غير المسبوق هذا الذى تعيشه تركيا الآن ، وذلك على خلفية التعديلات الدستورية المثيرة للجدل التى سيجرى بشأنها استفتاء مصيرى منتصف الشهر الحالى ، وهو يكاد يقسم الاناضول تاركا ظلالا ضبابية على مجمل الأوضاع الحياتية بعموم البلاد بما فيها الحياة الثقافية ،
وتلك الأخيرة يناصبها الحكم الذى لا يطيق اى نقد ، عداء مستترا صامتا حينا وفى أحيان كثيرة يكون الصخب عنوانه.
فى هذه الأجواء المضطربة والمشوشة، ينطلق اليوم مهرجان إسطنبول السينمائى فى دورته السادسة والثلاثين، وتستمر فعالياته حتى الخامس عشر الشهر الحالى قبل واحد من التصويت الحاسم على منح صلاحيات مطلقة لرئيس الجمهورية رجب طيب اردوغان .
وبطبيعة الحال لم تنج التحضيرات من الميول السلطوية لصانع القرار وحكومة حزبه العدالة والتنمية، عيونها مفتوحة ومتأهبة للانقضاض فى حال كان هناك شرائط منغصة يمكن أن يفهم منها أن محتواها مناوئ لما هو قائم ، ورغم محاولات الحصار للانشطة على بالفكر والإبداع التى جاءت بالتوازى مع اعتقال العشرات من الصحفيين والكتاب فإن هناك إصرارا على المقاومة والاستمرار وتجاوز مسألة إحجام عدد من الرموز السينمائية العالمية البارزة المجىء للاناضول والمشاركة فى هذا الحدث الفنى الكبير والمهم وهو عكس ما كان يتم فى سنوات مضت وذلك احتجاجا على البطش الأردوغاني.
بيد أن تشكيل لجنة التحكيم الدولية ظهر وكأنه انعكاس لتلك السحب الكثيفة التى حجبت الديمقراطية بفعل القيود الهائلة على حرية التعبير ، وفى سابقة هى الأولى أسندت رئاسة اللجنة للمخرج والسيناريست التركى «ريها أردم»، وهى التى كانت مقصورة على أسماء أجنبية لها شهرة ومكانة فى عالم السينما وهو ليس تقليلا من مكانة السينمائيين المحليين بقدر ما هو إضفاء الطابع الدولى على المهرجان . أما الأعضاء فلم تزدحم قائمتهم بالأوروبيين كما كان يحدث فى دورات سابقة والدليل على ذلك أنها ضمت اثنين فقط وهما البلجيكى الناقد «بويد فان هويجى «والمخرج وكاتب السيناريو والممثل اليونانى مدير سيلاس تزومركاس، بالاضافة إلى منتجة ايرانية خاتيون شهابى والمخرج البرازيلى جابيه جيلندر.
فى المقابل بدا هناك تضامن رمزى لافت ومعلن فى القارة العجوز مع القابعين خلف الأسوار بالسجون التركية ، وتم ترجمته أولا فى اختيار الممثل البريطانى الشهير المخضرم “ «السير ايان ماكلين» كى يكون نجم نجوم المهرجان ، وثانيا المزيد من الاهتمام دلل على ذلك قيام المبدعين بالدفع باعمالهم للمنافسة بالمسابقة الرسمية والتى ستقام هذا العام تحت عنوان «آفاق جدية فى السينما» فمن بين 13 فيلما تتنافس على نيل الجائزة الكبرى وهى زهرة التوليب الذهبية تشارك 9 أعمال أوروبية بالإضافة إلى مساهمة فرنسية والمانية فى انتاج ثلاثة شرائط تنتمى لجنسيات جورجيا والبرازيل وكندا. وكما هو واضح خلت المسابقة من الأفلام العربية فى حين يمثل إسرائيل نص معنون «فى بين» أخرجته الفلسطينية ميلسون حمود والتى سبق أن قدمت الفيلم اللافت والمثير للجدل بر بحر.
والذى لم يتغير أيضا هو هذا الكم الكثيف من الأعمال التى سوف يشاهدها الجمهور إذ تتجاوز الـ 203 أفلام ما بين روائى 189 و17 من مختارات السينما التسجيلية من احدى وستين دولة بقارات الدنيا الخمس ، وبالنسبة للمسابقة المحلية يتسابق 12 شريطا طويلا وهى أحدث ما انتجته استديوهات السينما بعاصمة المال والتجارة إسطنبول أيضا يواصل القائمون على المهرجان اهتمامهم بحق الإنسان ففى القسم الخاص به سيعرض عشرة أعمال من وفرنسا وبلغاريا والمانيا وبلجيكا والولايات المتحدة وتركيا .
لكن الفضاء لن يخلو من إرهاصات ناطقة بلغة الضاد ففى قسمى الذاكرة سيعرض الفيلم التونسى «الاخير لنا» لعلاء الدين سليم ، أما القسم الآخر والذى اخذ اسم «ضد الاكتئاب المصرى «الماء والخضرة والوجه الحسن» ليسرى نصر الله.