يلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيره الأميركي دونالد ترامب اليوم، كأول لقاء يجمعهما على مستوى قمة رئاسية في البيت الأبيض، واللقاء الثاني بينهما إبان حملة الأخير الانتخابية أثناء زيارة السيسي السابقة للولايات المتحدة في سبتمبر من العام الماضي.
في السياق نفسه يمكن اعتبار زيارة السيسي الحالية لواشنطن ولقائه بترامب أن كل من القاهرة وواشنطن بصدد إعادة تقييم وبلورة للعلاقات بين البلدين في عهد الإدارة الأميركية الجديدة، وذلك في إطار إعادة تقييم جذري للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط –لم تبدأ مع إدارة ترامب ولكن مع بداية إدارة سلفه أوباما- وفي القلب منها العلاقات مع القاهرة التي مثلت البوابة الأميركية الأهم للشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية واصطدام طموحات واشنطن لوراثة مستعمرات الإمبراطورية البريطانية بمشروع التحرر الوطني، وبقاء مصر خارج دائرة الهيمنة الأميركية طيلة سنوات الحرب الباردة وحتى توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل 1979.
وفي الصورة الأوسع للعلاقات بين واشنطن والقاهرة التي تتجاوز السنوات الأربع الماضية وحتى الفترة التي أعقبت التغيرات الدرامية في المنطقة منذ 2011، فإن لقاء اليوم بين السيسي وترامب يُعد بداية فعلي لإعادة تجديد وتقوية العلاقات بين البلدين على نحو استراتيجي، تنهي عِقد من التوتر المطرد الغير ضروري بين واشنطن والقاهرة منذ غزو العراق إصرار واشنطن عشيته على فرض “الإصلاح السياسي” على القاهرة، وصولاً إلى قمته بعد الإطاحة بالإخوان مروراً بالإطاحة بنظام مبارك في يناير 2011، وهو الأمر الذي أرجأ ما سعى إليه الرئيس السابق، باراك أوباما، في الاتكاء على مصر كركيزة لسياسات إدارته -زيارته للقاهرة 2009- والتي كانت في جوهرها تهدف لتخفيض التدخل الأميركي المباشر، وهو الأمر الذي لا يختلف عليه ترامب وإدارته ولكن بطريقة مختلفة غير التي سعت لها إدارة أوباما وعطلتها التغيرات التي سادت المنطقة في السنوات الست الأخيرة.
ضرورة تتجاوز شخص ترامب والسيسي
بحسب مقررات اللقاء الدوري الذي استؤنف العام الماضي بعد توقف دام لأكثر من 13 عام، والذي يُعرف الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة، فإنه ليس هناك ثمة طموح للقاهرة لقيادة إقليمية بشكل منفرد أو تحت غطاء السياسات الأميركية في المنطقة. وهو ما يعزوه متخصصين إلى عدم رغبة وقدرة القاهرة على بذل مجهود خارجي حسب أولويات حلفائها في وقت تزداد الأزمات الداخلية، ولكن دون أن يعني هذا القطيعة أو تهميش دور مصر أميركياً، وهو ما يفضي إلى صيغة جديدة يتم بحثها حول إيلاء إدارة ترامب الأهمية لأولويات القاهرة الداخلية وعلى رأسها الإرهاب والتعثر الاقتصادي كجزء من سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، التي تتفق ظاهرياً في جزئية محاربة الإرهاب، ودعم استقرار المنطقة عن طريق ضمان استقرار النُظم الحليفة لواشنطن وعلى رأسها النظام المصري، والذي يواجه صعوبات اقتصادية قد تؤدي إلى انهيار حالة “الاستقرار النسبي” المأمول استمرارها أميركياً في ظل إدارة السيسي، بتوفير دعم اقتصادي وسياسي غير مُكلف بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية ويتوافق مع رؤيتها في الإدارة الغير مباشرة لشئون الشرق الأوسط.
هذه المقررات التي ذكرها الأدميرال المتقاعد، جيمس ستافريديس، عميد كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس الأميركية، أحد أهم مستشاري البنتاجون لشئون الشرق الأوسط، في تقدير موقف نشرته صحيفة «فورين بوليسي» الأميركية والتي من المتوقع أن تكون أحدى ركائز أجندة اجتماع السيسي وترامب هي:
أولاً: ترى مصر نفسها بمثابة مرتكز استقرار الشرق الأوسط وأمنه. كما أن المنهج الرئيسي للحكومة المصرية، والمكونة من فريق من التكنوقراط الذين جمعهم السيسي، هو “الأمن قبل الكمال”، ما يعني أنها ستحاول تحسين حقوق الإنسان، إلا أن أولويتها الرئيسية تبقى ضمان الأمن اليومي في الشوارع والتخلص من الإرهاب.
ثانياً: تسعى الحكومة لدفع عجلة النمو الاقتصادي، التي اكتسبت بعض القوة خلال العام المالي الماضي (حوالي 4.2%) بالرغم من التدهور الحاد في قطاع السياحة. وتقوم الحكومة بهذا عبر العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتعاون مع إسرائيل في العديد من المشروعات المشتركة والتكنولوجيا، وإعادة تنشيط قطاع السياحة.
ثالثاً: يرغب المصريون في التأكد من حماية قناة السويس، باعتبارها مصدراً هاماً للدخل القومي، ورمزاً لمجتمع الشحن والخدمات اللوجيستية العالمي، والذي تشعر مصر بمسئوليتها عنه.
رابعاً: تلتزم مصر بعلاقتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنها ستسعى للبحث عن شركاء إضافيين غير تقليديين.
السياسة أولاً وأخيراً ..لا الود الشخصي
ويرى الصحفي والمحلل الأميركي مايكل كرولي المتخصص في الشئون الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط في مداخله له مع قناة إن بي سي الأميركية أمس الأول، فإن السيسي يري في ترامب “شقّه المتماثل في أوجه عديدة على مستوى الصورة الدعائية والذهنية التي راكمها كل منهما في السنوات الأخيرة في أذهان ملايين من مواطنيهم. وعلى الرغم من أن السيسي رجل عسكري أمني وأخيراً رجل دولة، على عكس ترامب ]رجل الأعمال والإعلام[ فإن هناك قواسم شخصية وعقلية مشتركة، أهمها إمكانية التواصل من منطلق القيادة الهرمية التي ستوفر وقت ومجهود كل من الرجل العسكري ورجل الأعمال (..) السيسي رأى في ترامب منذ ترشحه معادي للحركات الأصولية بكافة اتجاهاتها، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، الخصم الأول للنظام المصري، ويولي أيضاً ترامب اهتمام بمحاربة الإرهاب وهو ما يهم السيسي، والاثنين معاً لا يربأن بالأمور المتعلقة بحقوق الإنسان ولن تكون على طاولة اجتماعهم، التي سيطرح عليها مسائل أهم بالنسبة للرجلين وهما باختصار المال والأسلحة، أي استئناف المساعدات الأميركية العسكرية والاقتصادية للقاهرة، وكيفية دعم واشنطن لخطط الإصلاح الاقتصادي التي بدأها السيسي منذ العام الماضي”.
ويتفق ستافريديس مع السابق، حيال النقاط السابقة فإن هناك مساحة عمل مشترك بين واشنطن والقاهرة يمكن أن تحقق مصلحة الأولى بقليل من المجهود والدعم حيال مختلف أولويات السياسة المصرية في الداخل والخارج والتي لا تبتعد كثيراً من وجهة نظره عن أولويات الولايات المتحدة تحت حكم ترامب، وذلك عن طريق أجندة عمل مشتركة يمكن اعتبارها الإطار العام لرؤية مؤسسات الحكم في واشنطن تجاه العلاقات مع مصر وهي كالآتي:
أولاً: قبل كل شيء يجب ضمان علاقة عمل جيدة بين إسرائيل ومصر، وهذه بالفعل شراكة إيجابية في الشق الاستخباراتي وا?مني، وكذا المصالح التجاري المشتركة. ويمكن للولايات المتحدة الدفع نحو مستويات أعلى من التعاون العسكري. يعرف وزير الدفاع الأميركي الجديد جيمس ماتيس – القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية – جميع اللاعبين بشكل جيد منذ أيام وجوده في الخدمة. عليه إذاً أن يقوم برحلة مبكرة لكلا العاصمتين، مؤكداً أهمية هذه العلاقة، ومقدماً لها مستوى معقولاً من الدعم العسكري والتكنولوجي. كما أن علينا الحذر من الأفكار المثيرة للجدل مثل نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، وهو ما يمكن أن يشعل الغضب في أوساط المصريين العاديين.
ثاني هذه الروابط الرئيسية من زاوية النظر الأميركية – والتي تزايد التوتر فيها مؤخراً- هي العلاقات بين مصر والسعودية؛ حيث تسعى الرياض لقيادة العالم السني، ويريدون شريكا مُطيعا في القاهرة، إلا أن المصريين يرون أنفسهم قادة، وغير مستعدين لإتباع أملاءات السعودية في اليمن، والقضايا الإقليمية الصعبة الأخرى، كما أن البلدين لديهما نزاع غير منطقي على جزر في البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يوتر العلاقات الثنائية بينهما. هنا يجب على الولايات المتحدة أن تعمل بجد لمساعدة هذين الحلفين شديدي الأهمية ليريا أن الخطر الذي تمثله إيران الشيعية هو المسألة الأمنية الرئيسية في المنطقة. وينبغي على وزير الخارجية الأميركي الجديد، ريكس تيلرسون أن يزور الرياض والقاهرة قريباً.
ثالثا: يمكن للولايات المتحدة مساعدة القاهرة من خلال تشجيع النمو الاقتصادي، والمشاركة بين الحكومة الأمريكية والمصرية يضفي مصداقية دولية للقاهرة وهذا يمكن أن يساعد في فتح الاستثمارات الأجنبية المباشر. ويمكن أيضا للولايات المتحدة تقديم الدعم الدبلوماسي لمصر في الهيئات الاقتصادية الدولية بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكذلك في المحافل التابعة للأمم المتحدة، إدارة ترامب يجب أن تدرك أيضا أن الهجرة إلى الولايات المتحدة هي قضية اقتصادية مهمة لمصر، ويجب أن تعترف بضرورة فتح المجال للطلاب المصريين، ورجال الأعمال والأكاديميين، وغيرهم. كما يمكن للولايات المتحدة أيضاً تقديم الدعم الدبلوماسي لمصر عن طريق الهيئات الاقتصادية الدولية بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكذلك في المحافل التابعة للأمم المتحدة..
رابعاً: يجب أن نعمل مع الشركاء المصريين لضمان أمن قناة السويس، الممر المائي العالمي والحيوي والذي يعتبر جزءاً أساسياً من مبدأ حرية الملاحة البحرية. سيتطلب هذا مستويات أفضل من تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الحلول التكنولوجية الجديدة للمراقبة ولإجراءات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الصناعية البحرية باستمرار.
وعلى الرغم من سيادة التفاؤل بسبب ما وصفه مراقبون ووسائل إعلامية بـ” الكيمياء” التي تجمع الرجلين وتفاهمهم لكل من الأخر ناهيك عن الصفات الشخصية والعقلية المشتركة، إلا أن السياسات بين الدولتين تتعدى مسألة القبول الشخصي لكل منهما تجاه الأخر، والتي لا تمثل إلا محفز ذاتي ثانوي بجوار عشرات العوامل الموضوعية المتعلقة بالعلاقات المصرية الأميركية وتقيميها وتطويرها في المستقبل، وذلك بعد سنوات طويلة من العوائق التي شهدتها العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، والتي أعقبها ضرورة أن يكون هناك إعادة ضبط للعلاقات المصرية الأميركية على مستوى ثنائي وعلى مستوى فاعلية السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، التي يمكن أن تؤثر فيها القاهرة سلباً أو إيجاباً حتى وإن كان هذا بدافع مشاكل الأخيرة الداخلية سواء الأمنية والاقتصادية، أو أولوياتها الخارجية في ليبيا وأثيوبيا لا في إيران – أولوية ترامب القصوى في المنطقة التي تتوافق معها الرياض وتل أبيب- التي من الحتمي حال تفاقمها أو اضطلاع القاهرة بمواجهتها بمعزل عن واشنطن أن تضر بالمصالح الأميركية.