لم يكن المرشد العام لجماعة الإخوان محمد بديع، مغيب حين قال في رسالته المؤرخة بتاريخ 25 يوليو 2013، إن الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، أعظم من هدم الكعبة، فالمرشد المحبوس والصادر في حقه تهم وصلت إلى الإعدام كان يدرك أن تشبيه كهذا سيتلقفه آلاف الإخوان ليخرج أحدهم مهددًا في أحد مقاطع الفيديو بـ"السيارات المفخخة التي ستنتشر في مصر"، وتابع محدثًا الرئيس عبد الفتاح السيسي: "صنعت طالبان جديدة في مصر وهناك مجاهدون".
التهديدات السابقة أكدتها الثلاث سنوات والنص اللاحقة لها (الفترة من يونيو 2013 حتى الآن)، إذ شهدت خلالهم الدولة سلسلة عمليات إرهابية حملت بصمات الإخوان.
وتتوزع هذه العمليات على مرحلتين الأولى كانت استهداف مرافق الجيش والشرطة من مقر الحرس الجمهوري وحتى النقاط الأمنية، فيما تأتي المرحلة الثانية في استهداف المواطنين أنفسهم أو التعرض لهم بشكل مباشر مثل استهداف قطار أو محطة توليد طاقة. وأودت النوافذ الإعلامية الإخوانية المبررة للعنف سبب هذا التحول في أنهم أدركوا أن التعرض لمؤسسات الدولة لن يستفز المواطنين، فيما استهداف المصالح اليومية لهم قد يدفعهم للغضب على النظام.
من ضمن هذا النوافذ الإعلامية صفحات "إعلام المقاومة" الإخوانية التي اتخذت مواقع التواصل الاجتماعي منبرًا لها، وتعمل على نقل أخبار العمليات الإرهابية أول بأول، وفي ذلك نشرت الصفحة بداية مارس الماضي، عبر حسابها على "فيسبوك"، خبر تورط شباب من الجماعة، وصفتهم الصفحة بـ"المجاهدين"، في قتل مواطن بمحافظة دمياط يدعى محمد الزيني، بحجة دعمه للنظام ومشاركته في تظاهرات 30 يونيو.
وكان مسلحون مجهولون قد أطلقوا النار على محمد الزيني أمام منزله بمساكن البنك بمدينة دمياط الجديدة أثناء عودته إلى منزله بسيارته، وتم نقله إلى مستشفى الأزهر الجامعي بعد أن فارق الحياة. وقال مصدر طبي أن الزيني توفي نتيجة إصابته بـ4 رصاصات بالجسد وهي رصاصة فوق العين اخترقت رأسه وأخرى بالرقبة وثالثة بالكتف الأيسر ورابعة بالساق الأيمن.
وتحت عنوان "المقاومة حق" نشرت نفس الصفحة خمسة روابط إلكترونية لأفلام كرتونية قالت إنها تدعو لتنشئ الأطفال على ما تسميه "الجهاد"، وتعلّم هذه الأفلام الطفل كيف أن التعرض للغير والاعتداء عليه أمر يبرره الدين.
وفي نهاية يناير الماضي وقع انفجار على شريط السكة الحديد بمنطقة العياط، ونقلت وسائل الإعلام عن مصدر أمني إن الانفجار كانت نتيجة زرع عبوة ناسفة تسببت في انفصال عربيتين.
وفي الإسكندرية زرع مجهولون عبوة ناسفة أسفل قضيب بمحطة مصر، لتنفجر بمجرد مرور أحد القطارات من عليها ما تسبب في فزع الموجودين، فيما وجدت الشرطة عبوة ناسفة، يناير الماضي، داخل سيارة بيضاء اللون بمحطة قطار سيدي جابر.
ومن محطات القطارات إلى الشارع كانت العبوات الناسفة، إذ لقي شخص مصرعه وأصيب 4 آخرون في انفجار عبوة ناسفة بشارع عمارات الجزائر بالمعادي، نهاية مارس الماضي.
وتركزت العبوات أسفل خطوط ضغط الكهرباء للتأثير على كفاءة عملها. وفي هذا شهدت سنة 2015 أكثر من واقعة استهداف للكهرباء، حيث انفجرت عبوة ناسفة بدائية الصنع، في أغسطس 2015، أسفل برج كهرباء ضغط عالي، بقرية إبجيج بمركز الفيوم، أحدث كسرًا في أحد أضلاع قاعدته، قبلها بشهر وفي يوليو أبطلت قوات الحماية المدنية بمحافظة الفيوم عبوة ناسفة بدائية الصنع، وضعها مجهولون أسفل قاعدة برج كهرباء ضغط عالي، بأرض زراعية بقرية منشأة رحمي بمركز إطسا. وفي مايو من نفس العام فجّر مجهولون برجي كهرباء ضغط عالي، بمركز دمنهور بمحافظة البحيرة، باستخدام 8 عبوات ناسفة، ما أدى إلى تحطم قاعدة البرجين وسقوطهما.
عمليات استهداف أعمدة الضغط العالي كانت قد بدأت في 2014، تحديدًا في نهايتها، إذ شهدت قرية هرية رزنة التابعة لمركز الزقازيق، انفجار عبوة ناسفة أسفل عمود كهرباء للضغط العالي، فيما تم إبطال مفعول 3 آخرين.
الاستهداف لم يكن مقتصرًا على المدنيين بل هو في الأصل موجه ضد الجيش والشرطة، لذا تركزت العمليات الإرهابية على استهداف الجيش والشرطة إلى جانب المواطنين، وكان آخر عملياتهم انفجار عبوة ناسفة أسفل سيارة شرطة أمام مركز تدريب الشرطة بمدينة طنطا أمام منطقة مرور سال بطريق القاهرة إسكندرية الزراعي، ما أسفر عن إصابة 17 شرطيًا.
وأبرزت النوافذ الإعلامية الإخوانية هذه العملية لاعتبارها أول عملية يتم فيها استهداف مركز تدريب بعبوة ناسفة، بعدما كان الأسلوب المتبع قبل ذلك هو الاشتباك. ودونت صفحات الإخوان عقب العملية عبارات مثل: "هل ظننتم أننا ننسى دماء شهدائنا؟ الثأر.. إن الثأر حق".
وفي وقت سابق تم استهداف كمين على مدخل منطقة بهتيم محافظة القليوبية، بعبوة ناسفة، وذلك بتاريخ 26 مارس الماضي.
وتعيدنا هذه العمليات إلى فترة ما بعد فض اعتصام رابعة العدوية عندما اندمج شباب الاعتصام والمتعاطفين معه إلى كيانات مسلحة صغيرة تنفذ ما عرف بـ"العمليات النوعية.
وظهر هذا المسمى لأول مرة في 24 يناير 2014، عندما أعلنت حركة تسمى "المقاومة الشعبية"، بيان ميلادها الذي تداولته صفحات موقع التواصل الاجتماعي الخاصة بأنصار جماعة الإخوان، يتحدث عن تنفيذ عملية إرهابية استهدفت أقسام شرطة، ورجال أمن، قبل ساعات من حلول الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير.
وكان الإعلان لأول مرة عن الحركة، بمثابة دخول تنظيم جديد في المواجهة مع مؤسسات الدولة، إذ تبنت "المقاومة الشعبية" في بيان قبل ساعات من ذكرى 25 يناير، تنفيذ عدة عمليات تخريبية، واستهدافا لأقسام شرطة ومنتسبين للأجهزة الأمنية، مؤكدة أن "عملياتها النوعية" ما هي إلا حلقة في سلسلة كبرى، كما حرضت على تنفيذ عمليات الاغتيال والتفجيرات.
وبرزت هذه الاغتيالات في استهداف موكب المستشار هشام بركات النائب العام الراحل، في 29 يونيو العام الماضي، أثناء مروره بمنطقة مصر الجديدة، وكذلك العقيد وائل طاحون رئيس مباحث المطرية السابق، الذى تم اغتياله قبل بركات بشهرين في شهر أبريل.
وفي 11 أغسطس الماضي تبنت حركة تدعى حسم تبنيها لمحاولة اغتيال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق.
وجاءت هذه العمليات ترجمة لتحول رسمي داخل الجماعة إلى العنف، ظهر ذلك في أكثر من بيان نشره موقع "إخوان أون لاين". وكان أكثر البيانات تطرفا، إلى صدر مساء يوم 27 يناير 2015، حيث نشر الموقع الرسمي للجماعة رسالة واضحة طالب فيها عناصره بـ"الاستعداد لمرحلة جديدة من الكفاح، وعلى الجميع أن يستعد ويستعيد جميع قوته لخوض هذه المرحلة"، وذلك ضمن دعوات الجماعة للتظاهرات في ذكرى يوم 28 يناير جمعة الغضب.
وقالت الجماعة في نص رسالتها: "الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، فعلى الجميع أن يدرك أننا بصدد مرحلة جديدة، نستدعى فيها ما كمن من قوتنا، ونستحضر فيها معانى الجهاد، ونهيئ أنفسنا وزوجاتنا وأولادنا وبناتنا ومن سار على دربنا لجهاد طويل لا هوادة معه".
وبعدها بأيام قليلة ظهر أكثر البيانات تحريضًا على مصر ما سمي بنداء الكنانة، والذي وقع عليه أكثر من 159 عالما تابعين للجماعة من جنسيات مختلفة، والذي حرض بشكل علني على النظام الحالي، بجميع الأشكال والطرق التي تؤدي إلى زواله.
ويبدو أن الجماعة نفذت وعودها التي وردت في البيان، إذ شهدت مصر في ذكرى 30 يونيو لهذا العام 17 عملية إرهابية في يوم واحد توزعت بين سيناء، الفيوم، الشرقية، بني سويف، والقاهرة.
وفي دراسة صدرت عن المركز الإقليمي حول حجم العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر في الفترة من 30 يونيو حتى أكتوبر 2015، وقف المركز على حكم الخسائر البشرية والمادية التي تعرضت لها مصر خاصة إنها احتلت المرتبة الثالثة عشر بدرجة 6.5 من عشرة حيث وقعت في المستوى الثاني في مؤشر الإرهاب العالمي الذي يصدره معهد الاقتصاد والسلام الأمريكي.
واحتلت القاهرة المركز الأولى في دراسة "الإقليمي" وتلتها الجيزة ثم سيناء، فيما تنوعت سبل العمليات بين: "تفجير عبوات ناسفة، إطلاق نار، سيارات مفخخة، تفجير بنية تحتية وخطوط غاز وشبكات محمول وأبراج ضغط عالٍ وكهرباء، حرق وتخريب منشآت عامة وخاصة".
وجاءت نوعيةُ العبوات الناسفة كأعلى النوعيات من حيث كثافة وقوعها، حيث وقعت بنحو 54،66% من إجمالي أعمال العنف المسلح الواقعة في الفترة من أول يناير 2015 إلى الأول من أكتوبر 2015.
ويلاحظ تزايد نسبتها عما قبل في إجمالي نوعيات أعمال العنف المسلح، وتلتها نوعيةُ تدمير البنية التحتية بنحو 18،33% تقريبًا من إجمالي عمليات العنف المسلح في هذه الفترة، وجاءت نوعية أعمال حرق المنشآت ووسائل المواصلات في المرتبة الثالثة كذلك بنحو 12،95 % تقريبًا من إجمالي العمليات، وفي المرتبة الرابعة حلت عمليات إطلاق النار بنسبة 10،26% من إجمالي العمليات، ثم العمليات باستخدام السيارات المفخخة بما يقرب من 3% من عمليات العنف المسلح في تلك الفترة، ذلك علاوة على دخول فئة جديدة لم تكن موجودة من قبل، وهي عمليات العنف باستخدام القذائف بأنواعها لا سيما الهاون، والتي حلت في المرتبة الأخيرة بما يقرب من 0،80% من إجمالي عمليات العنف المسلح في الفترة من أول يناير 2015 وحتى الأول من أكتوبر في العام ذاته.