بعد 6 سنوات من المناورات الإجرائية والقانونية، الرئيس المصري ا?سبق حسني مبارك حر، وبرأت محكمة الاستئناف المصرية العليا مبارك من اتهامات قتل المتظاهرين خلال ثورة عام 2011.
حرية مبارك المتوقعة جاءت في ظل وجود العديد من قادة ثورة يناير في السجون، أعضاء نظام مبارك الآخرين الذين تمت محاكمتهم عام 2011 أصبحوا أيضًا أحرارًا، كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ سؤال طرحته صحيفة "واشنطن بوست" ا?مريكية.
وقالت الصحيفة، في الأسابيع والأشهر التالية للإطاحة بالرئيس مبارك في 2011، الدعوات لتحقيق العدالة في ميدان التحرير كانت مطالب الجميع لملاحقة مبارك وغيره من المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الاقتصادية.
وأضافت، بحلول أغسطس 2011، كان مبارك وأبناؤه وعدد من كبار مسؤوليه أمام المحاكم، واتهموا بالفساد، وإصدار ا?وامر لقوات الأمن باستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين أثناء الثورة.
رؤية مبارك في قفص الاتهام أصبحت صورة مميزة للربيع العربي، والمحاكمة فاجأت المصريين - الذين شكك الكثيرون منهم حتى اللحظة الأخيرة أن الزعيم الاستبدادي سوف يقدم للعدالة.
مصر ليست فريدة من نوعها، ويتعين على المعارضة في جميع أنحاء العالم التوازن بين الرغبة في العدالة، والقيود السياسية الكامنة في غياب ثورة شاملة، أو انقلاب أو انتصار عسكري.
وبحسب الصحيفة، كثيرا ما يستعاض عن التدابير القسرية بسياسات أكثر تساهلاً، و تتحدد إمكانيات المساءلة بتوزيع السلطة بين الجهات الفاعلة الرئيسية السائدة في مرحلة الانتقال، وكلما ازدادت قوة النخب القديمة في مواجهة النخب الجديدة، قل احتمال أن تكون المحاكمات الجنائية وغيرها تصل للعدالة.
محاكمة مبارك بدأت في سياق لحظة ثورية كانت فيها قوة "الشارع" في ذروتها، وواجه المجلس العسكري الحاكم آنذاك ضغطا شعبيا شديدا لمقاضاة مبارك وكبار المسؤولين في نظامه.
ومع ذلك، حتى عندما كان المنطق الثوري في ذروته، كان على المتظاهرين أن يتعاملوا مع تصميم المجلس الأعلى للقوات المسلحة على استخدام صلاحياته لحماية امتيازاته وتحريك البلاد نحو الانتخابات بشروطه الخاصة.
كانت محاكمة مبارك واحدة من التنازلات التي قدمها المجلس العسكري لمحاولة الحفاظ على الشرعية، وبعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر - ويناير 2011-2012، منحت الشرعية الانتخابية لحزب الحرية والعدالة المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وسعى الحزب إلى التفاوض بشأن شروط التسليم المقبل للسلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو يأمل أن يلعب دورا في إدارة البلاد.
ومع ذلك، سمح الجيش للمحاكمة بالمضي قدما، وحتى بعد عام 2013، ظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي في عجلة من أمره لتحرير مبارك.. لماذا ا؟
?ن الاهتمام بضمان الاستقرار، وبناء شرعيته، وحماية امتيازاته الاقتصادية والسياسية الواسعة هو ما قاد سياسة الجيش، كما حاولت الشخصيات السياسية الرئيسية - الرئيس السيسي - أن يختار "روح" الثورة، التي كانت شعبية على نطاق واسع، لأغراضه الخاصة، بحسب الصحيفة.
على سبيل المثال، قام الجيش باحتجاز المتظاهرين الثوريين الشباب وقمعهم في نفس الوقت، بجانب إعطاء ميداليات خاصة للشهداء الذين لقوا حتفهم خلال الانتفاضة.
وأوضحت الصحيفة، أن قرار الجيش السماح للمضي قدما بالمحاكمة كان جزءً من أهداف أوسع نطاقا من مجرد تحقيق الاستقرار لتهدئة المحتجين، وفي الواقع، سعى الجيش إلى الحصول على شرعية أطول من "الشارع" من خلال اختيار الثورة وشراء الدعم للخطة الانتقال المبكر، وعلى هذا النحو، اعترف الجيش إلى حد كبير بمطالب العدالة بطريقة مخصصة، مع السماح بمحاكمة مبارك بعد أيام من المظاهرات الكبيرة.
قرار تقديم مبارك وشركائه في المحاكمة استجابة واضحة للضغط العام المتزايد ، كما خلق تصورا دائما للمحاكمة على أنها مشهد سياسي.
ولم يتضح حتى اللحظة الأخيرة أن المحاكمة ستمضي قدما فعلا، وكان الضغط العام محوريا في محاكمة مبارك في المقام الأول، وأثار تساؤلات حول ما إذا كان بإمكان أي قاض أن يصدر حكما دون اعتبار للرأي العام.
وكان القضاة يدركون تماما أن أي حكم أقل من ا?دانة سيؤدي إلى مظاهرات واسعة النطاق في الشوارع، ورغم هذا الضغط الشعبي، فقد منع مسؤولو الدولة فعليا المدعي العام من جمع أدلة كافية لإثبات الدور المزعوم لمبارك في قتل المتظاهرين، بحسب الصحيفة.
ولما بدأت القوة الرمزية الأولية للمحاكمة تختفي، فإنها لم تفلت من إخطار أولئك الذين دفعوا أعلى ثمن كتعويض، وقالت أم لأحد الضحايا:" لم نطلب منهم الحصول على تعويض مالي أو معاشات تقاعدية.. إنهم يفعلون ذلك فقط لتهدئة غضب الناس .. كل ما نريده محاكمات عادلة ".
وبعيدا عن الغضب الشعبي إزاء أوجه القصور في محاكمة مبارك، ظلت المخاوف أوسع نطاقا بشأن الإصلاحات بعيدة المدى.
أوجه القصور في محاكمة مبارك، وتبرئته في نهاية المطاف، قد تدفع المرء إلى القول بأن آفاق العدالة الانتقالية كانت محدودة في حد ذاتها في أعقاب ثورة سياسية شعبية، لكنها لم تكتمل بعد.
والحقيقة هي أن محاكمة مبارك كانت ممكنة على وجه التحديد لأن نشأتها كانت مرتبطة مع الوقت الذي حكم فيه المنطق الثوري في المرحلة الانتقالية المصرية.
وبعد عام 2013، تقلصت احتمالات العدالة الانتقالية إلى حد كبير، ورؤية مبارك داخل قفص الاتهام لمحاكمته على جرائمه كانت رمزا قويا لما يمثله عام 2011 بالنسبة للمصريين والعرب.
ولم يسبق أبدا أن خضع زعيم عربي للمساءلة بطريقة مرئية، ومع ذلك، فإن حقيقة أن المحاكمة كانت تافهة، وانقلاب الإدانة في نهاية المطاف للبراءة، هو مؤشر قوي على مدى عجز الثورة عن تحقيق أهداف العدالة.