ابتلي العالم العربي من محيطه إلى خليجه بأشد أنواع الاستبداد في نصف القرن الأخير، إذ إنه فاق في ذلك باقي مناطق العالم، حتى تلك المعروفة بترسخ الاستبداد فيها. وقد اشتدت وطأة الاستبداد، كنظام حكم، بعد فشل ثورات الربيع العربي في الاستمرار كثورات وتحولها إما إلى ثورات سابقة محجور عليها أو إلى حروب أهلية مدمرة. انتصر الاستبداد إذاً. وهو، لكونه مزهواً بانتصاره، استفحل وتوحش في قمعه في معظم الدول العربية وإن كان لسورية والعراق النصيب الأكبر من هذين الاستقواء والاستخفاف بالناس أفراداً وجماعات.
ففي هذين البلدين المنكوبين كاد الاستبداد يصير طبيعياً. فهو قد تجذر إلى درجة مخيفة وتنوعت أساليبه وتشعبت حتى أصبح مقبولاً، بل مرحباً به أحياناً، كديدن للعلاقات بين الحاكم والمحكوم. وأصبح من الصعب تفكيكه وتجريده من «اعتياديته» كما سمتها حنة آرندت في تحليلها أنظمة الحكم الشمولية وخصوصاً النظامين الفاشي والنازي.
لا بد لنا من توثيق هذا الاستبداد لفضحه وربما ملاحقته قانونياً اليوم ولأجل الأجيال القادمة. ولكننا في حاجة أيضاً إلى تحليله لكي نفهم كيف نما حتى تمكن من أنظمتنا وأهلنا وإراداتنا وعقولنا وأجسادنا وهويتنا. نحن في حاجة أيضاً إلى روايته لئلا ننسى فظائعه واستلابه لناسنا وحاضرنا ومستقبلنا وسيطرته على مقدراتنا واغتياله إنسانيتنا. فالقص هو الوسيلة الأمثل للتذكر. والرواية هي الأداة الأفضل للقص. ورواية الاستبداد وهو في عز عنفوانه أداة مقاومة بالإضافة إلى كونها وسيلة التعبير الأقدر على الإحاطة بكافة جوانب الاستبداد من نشوئه إلى طغيانه وتغلغله في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية وفي أدق تفاصيل الحياة الفردية الحميمية، كما تنبأ جورج أورويل عام 1948 في روايته الخيالية «1984» التي أسست للكتابة عن نوع جديد من الاستبداد، ليس فقط في خطوطه العريضة ولكن أيضاً في تفاصيله المريعة عن تدخل أنظمة الاستبداد السافر في حياة ومشاعر وذاكرة الأفراد.
وقد استجاب أدباء وفنانو وروائيو ومسرحيو وسينمائيو سورية والعراق في شكل خاص لطغيان الاستبداد في بلديهما الذي توّجه صعود حافظ الأسد إلى السلطة في دمشق وصدام حسين في بغداد وقرنهما الاستبداد بعبادة الفرد. وظهرت أعمال فنية كثيرة عالجت الاستبداد كمعطى يومي في حياة الأفراد في البلدين، يتعايشون معه ويتخلون عن بعض من إنسانيتهم في ذلك أو يثورون عليه ويدفعون أثماناً باهظة تبلغ الموت في كثير من الأحيان. ولست هنا بصدد تعداد أو تقييم الأعمال التي ظهرت خلال تلك الفترة، ولكن يمكنني أن أعطي أمثلة عن بعض أكثرها تعرية للاستبداد من خلال منظار الحياة العادية وأبعدها سبراً للأغوار النفسية التي حفر الاستبداد فيها أخاديد مثل رواية «إعجام» للعراقي سنان أنطون ورواية «مديح الكراهية» للسوري خالد خليفة. الأولى عالجت مذكرات شخص مسجون في غياهب سجون عراق صدام وتلاعبه باللغة كوسيلة لسرد سيرته الذاتية، التي تؤرخ للتحولات التي فرضت على العراقيين في ظل طغيان البعث، وتمرير آرائه تحت أعين جلاديه المدققة. والثانية تابعت التحولات الشخصية والنفسية التي مرت بها امرأة في حلب الثمانينات وعائلتها إبان الصراع المرير بين نظام الأسد و «الإخوان المسلمين» من طغيان أيديولوجي ومخابراتي وسجن وتشرد إلى التشكيك في كافة القيم الإنسانية والأخلاقية وحتى ركائز الفرد في التعبير عن شخصيته.
تطورت رواية الاستبداد كماً ونوعاً بفعل تغوله بعد الحروب المدمرة التي عانى منها العراق وبعد مأساة الثورة في سورية وبعد «داعش» في كلا البلدين. واقتربت أكثر إلى سرد وقائع الاستبداد كما هي التي لشدتها وغرابتها بل وفظاعتها تحولت عملاً أدبياً مؤثراً بفعل قوة تأثيرها الصادمة وليس بسبب صنعة الكتابة نفسها. ظهرت في الآونة الأخيرة أنواع جديدة من السرد، بعضها يشبه البوح، عن معاناة الناس في ظل تغول الاستبداد. وأضحت الكتابة جزءاً من كل للبوح، تتشارك مع أدوات متنوعة مثل الأفلام الوثائقية المرفوعة على يوتيوب وغيره من وسائل التواصل. تداخل الواقع بالفن في بعض الأحيان مثل أفلام مجموعة «أبو نضّارة» التي تلتقط قصصاً حقيقية وتقدمها بأسلوب يبرز في الآن نفسه عجائبيتها وواقعيتها في زمن الاستبداد. ولكن بقي البوح بأساليب متعددة الأعمق تأثيراً والأهم في تعرية الاستبداد وتوثيق عريه في الآن نفسه.
نشرت الـBBC البريطانية مؤخراً مقابلة مع المناضل والصحافي السوري اللاجئ في السويد منصور العمري كجزء من الفيلم الوثائقي «المختفون السوريون: الأدلة ضد الأسد» الذي عرضته القناة الرابعة البريطانية في آذار (مارس) 2017، والذي يتضمن بعضاً من أشنع قصص التعذيب والاختفاء القسري اللذين يمارسهما النظام السوري تحت أنظار العالم بحماية دولية من روسيا والصين، وبصمت طاغٍ من الجميع. قصة العمري إنسانية في العمق، حزينة بشفافية، وبطولية بتواضع. ومع ذلك فهي توثّق إجرام نظام الأسد بقوة وتدمغه بالوحشية الاعتباطية التي خبرناها في روايات أخرى.
قضى منصور العمري سنة في الاعتقال التعسفي عام 2012 في المخابرات الجوية في دمشق. قرر هو وثلاثة معتقلين آخرين، لم ينج أي منهم حياً، أن يوثقوا أسماء المعتقلين معهم لعل واحدهم يستطيع الخروج وإيصال أخبارهم إلى أهلهم الذين لم يكونوا يعرفون أي شيء عن أبنائهم المختفين. فالنظام السوري لا يعترف بالمعتقلين التعسفيين ولا يورد أي معلومات لأهلهم أو للمؤسسات الدولية التي تسأل، أحياناً، عنهم. جابهت المعتقلين صعوبات وأخطار جمة ولكن منصور تمكن في النهاية من الخروج بأسماء زملائه مكتوبة بمزيج من الدم النازف من لثاتهم المتآكلة والصدأ الذي يعلو الأقفال في زنازينهم المكتظة على خرق من قميص خاطه الخياط بينهم. اتصل منصور بأهل 37 من رفاقه المختفين لأن تعرّقه محا أسماء عشرين آخرين من مزق القميص. ثم تمكن من اللجوء إلى السويد حيث يعمل اليوم بلا كلل على فضح جرائم النظام والمطالبة بتقديمه للمحكمة الجنائية الدولية.
قصة منصور العمري، للهول، غيض من فيض. ولكنّ فيها نفحاً من توثيق نحن بأشد الحاجة إليه، بما في ذلك الأدلة المادية التي م ازال العمري يحتفظ بها كمزق القميص المغطاة بالأسماء المكتوبة بالدم، والتي يمكن استخدامها في المحاكمات المرتقبة. ولكن أروع ما فيها، إذا كان للروعة مكان هنا بمعنى الارتياع، هو مباشرتها وبساطتها وصراحتها التي تمنحها ليس فقط قوة الحقيقة ولكن جاذبية الرواية وعمق الشعور.