إذا ذُكِر اسمه قفز إلى الذهن صورًا لأستاذ الهوى وفارس الغرام، المتلف بغلائل من الخيال تجعله في عداد شخصيات الأساطير والخرافات، ذلك الرجل الذي أحب ألف امرأة وامرأة، وكان له نصيب مما جمعه عصره من الفروسية والشهامة من ناحية، والاستهتار والفجور من ناحية أخرى.
لم يعرف العالم إلا "كازانوفا" واحد، كما قال عنه جيمس ستيوارت مونتجمري في كتابه "كازانوفا العجيب"، صاغ هذا العاشق الشهير مذكراته في رائعة فنية، دعت ريمي دي جورمون أني قول عنها: "وماذا لو ظهر أن المذكرات رواية (خيالية)؟.. لا بأس، فإن هذا يجعل من كازانوفا أعظم روائي في جميع العصور! بين أن هذا مستحيل، فليس من امرىء يستطيع أن يبتكر كل هذه السلسلة من الأحداث الشديدة التباين!".
في كتاب "مذكرات كازانوفا" الذي قدمه الكاتب حلمي مراد، يظهر أن الشكل الخارجي الذي كان لغزًا حول الشهرة العالمية التي حققها منذ القرن الثامن عشر بصفته "أعظم عاشق في التاريخ"، أزيح عنه الستار في يوليو 1953، حيث عثر تاجر للصور الفنية في مدينة "بولونيا" بإيطاليا على صورة مطمورة في أحد المخازن، فلما أزال عنها الغبار قرأ عليها عبارة: "جان جاك كازانوفا، 1767"، وتحقق الخبراء من صدقها ونسبوا الصورة إلى رسام من أصدقاء كازانوفا كان يدعى "رفاييل منجز"، ورسمت الصورة له وهو في سن الثانية والأربعين، وتظهره مصابا بتضخم الغدة الدرقية، جاحظ العينين، ذا ذقن مدبب وأنف ضخم وشفتين تنمان عن ميل شهواني.
العاشق الإيطالي الأشهر وُلِد في 2 أبريل 1725، لأب يعمل ممثل، توفي والده في سن لم يتجاوز السادسة والثلاثين.
يعتقد من يسمع اسم "كازانوفا" أنه لم يكن يهتم لشيء في الحياة غير حب النساء إلا أنه حصل على دكتوراة في القانون وهو في السادسة عشر من عمره، على الرغم من ميله لدراسة الطب، ولم يعمل بالمحاماة قط، وحينما وكِّل إليه إلقاء موعظة صفق له جمع من خيرة أهل البندقية وتنبأوا له بأنه سيغدو أعظم واعظ في عصره، حسب ما كتبه عن نفسه في مذكراته.
ومات العاشق الإيطالي عن عمر ناهز 73 عامًا، واختتم آخر أربعة عشر عامًا من عمره في العمل أمينًا لمكتبة الأمير فالنشتاين في حصن دوكس باريس.
وقضى السنوات الأخيرة من عمره في آلام من جراء الكهولة، ومن انهيار أعصابه واتساع الهوة بين عقليته وعقلية الجيل الجديد، وجاءه الموت في 4 يونيو 1798، منقذ خلصه من المتاعب البدنية والعقلية التي كان يعانيها، وكان آخر ما قاله: "لقد عشت يا إلهي العظيم، ويا من تشهدون موتي، في أحضان الفلسفة.. وإني لأموت على دين المسيح".