أتربة امتزجت بالمياه الجوفية أوجعت جسده.. الشمس تؤلم عينيه بعد قرون من العتمة.. ضوضاء آلات الرفع وأصوات التصفيق والهتافات أيقظته مفزوعا.. "أين أنا؟، ما تلك الأشياء العملاقة؟، وما هذه الملابس التي يرتديها الناس؟، في أي عام أنا؟، وماذا يفعلون بي؟، أيخرجونني من بيتى بعدما ظللت فيه لآلاف السنين؟.. لا لن أخرج هنا معبدي حتى وإن قطعوا رأسي و قسموني إلي نصفين.. لكنه اكتشف أن جسده قد تحطم بالفعل، فالمسيحيين في العصور القديمة حطّموا كل ما طالته أيديهم من المعابد، بعدما اعتبروها «وثنية».
داخل حفرة عميقة يمتد قطرها إلى ما يقرب من ثلاثمائة مترًا، حيث يقف الملك بسماتيك الأول على باب معبده المدفون تحت أنقاض منطقة المطرية بالقاهرة، تحدها المنازل من كل جانب، ليست تلك المنازل المصنوعة من الطوب اللبن الذي اعتادها الملك، ولكنها حمراء اللون تشبه بعضها كثيرًا، بنيت بطريقة عشوائية تمامًا، وتعلوها أبراج تربية الطيور، فمازال المصريون يتفننون في تربية الطيور، تماما كما كانوا فى مصر الفرعونية.
كيف صعد الناس أعلى هذه المقبرة الشاهقة؟ وكيف يقفون على هذه الفتحات دون أن يسقطوا؟، ولماذا لا يرتدون الزي الرسمي لدخول معبدي؟ هل ينتمون لبلد آخر؟ غزاة؟ معتدين؟".. أسئلة لا نهاية لها يقطعها هتاف: «إحنا أحفاد الفراعنة.. هيلا هيلا هيلاهو رمسيس الثاني مفيش زيو».. لو علموا أن اسمه بسماتيك وليس رمسيس لفسد الهتاف.
يقلب عينيه هنا وهناك يتفحص وجوه الماثلين أمامه، المهللين لرجوعه للحياة بعد 3000 عام، لكن رائحة غريبة داعبت أنفه، تخرج من طبق يمسك به رجل لا يشبه الباقيين ولا يتحدث مثلهم، فقط يراقب الموقف وهو ينطق بكلمات مصرية على الطريقة الأوروبية، ويلتهم طعامه ذو الرائحة المثيرة للفضول.. كان هذا هو البروفسيور «ديترش»، الذي يحتفل بانتصاره بعد خمسة عشرة عامًا من التنقيب في هذا المكان ويتناول وجبته المصرية المفضلة «الكشري».
تحكم الرافعات العملاقة قبضتها على رأس الملك؛ لترفعه من المياه إلى الأرض الجافة؛ ليلتقط أنفاسه قبل أن يشعر بألم إخراج نصفه الثاني الذي لا يزال غارقًا تحت المياه، تزداد حدة التصفيق والتهليل يتجمهر المزيد والمزيد من الأطفال الذين وجدوا لعبة جديدة يقضون بها ساعات في الشارع مع أصدقائهم، يستمتعون فيها بتعذيب جنود الأمن المركزى، المكلفين بحماية المنطقة من الزوار غير المرغوبين.
«بسبوسة بالقشطة.. عرقسوق.. الشاي السخن»، كلمات يسمعها الملك لأول مرة لا يعرف ما هي، ينادي بها أشخاص يدفعون عربات خشبية وسط جموع الحتشدين، وحولهم عدد من العطشى والجوعى، ممن قضوا نهارهم بأكمله يشاهدون «إحياء الملك»؛ ليعرف فيما بعد على مهنة لم يرها في العصور القديمة، فهم مجموعة من الباعة المتجولون، يجيدون استغلال الفرص والتواجد في المكان المثالي لتحقيق الربح المطلوب في وقت قياسي، فيعرفون بفطنتهم أن تلك الحشود ستحتاج إلى من يروى ظمأهم، وإلى بعض البسبوسة تمد أجسادهم بالطاقة لمواصلة يومهم.
خيم الليل وذهب الصخب وبدأ كل يعود إلى مضجعه< ليخرج ملوك الليل من مخبئهم ويبدءون في فرض سيطرتهم على الشارع، حيوانات أليفة جاءت لتقوم بدورها هي الأخرى، فحتى الكلاب الضالة أثبتت ولائها للملك في معبده، بقضائهم الليل بأكمله إلى جوار جسده، لمدة ثلاثة أيام متتاليات، يبعدون عنه اللصوص ويؤنسونه بصوت نباحهم القوي.
أكملت الرافعات عملها واستعد العالم لمشاهدة موكب الملك العظيم ينطلق من المطرية إلى المتحف المصري، حيث يلتقى الملك بفراعنة آخرين من زمنه، يخبرونه ماذا حل بمملكته العظمي، وماذا جرى في السنين التي مضت وهو في سبات الموت، لكن ما تلك الأضواء الخاطفة للبصر التي تظهر وتختفى بسرعة البرق؟، أهو سحر جديد ظهر بعد ممات فرعون؟، وما تلك الأدوات السوداء التي يحملها عدد كبير من الشباب؟، وما هذا الشيء الطائر الذى؟، أسئلة أتعبت ذهن الملك، لكن إجابتها تبدو بسيطة، فهى أدوات المصوّرين من القنوات والصحف، جاءت تخلّد ذكرى «إحياء الملك».
تجر السيارة الضخمة عجلاتها لبدء موكب الملك، مصحوبة بما يكفي من الدراجات النارية التابعة لوزارة الداخلية المسئولة عن تأمين الحدث.. سيارات القنوات الفضائية والصحف جعلت نفسها جزء من الموكب.. «يا له من حفل يليق بي كملك فرعونى»، هكذا حدثته نفسه، لكن أكثر ما أعجب الملك هو الشئ الصغير الذي لا يفهمه، لكنه على ما يبدو آلة جديدة لعزف الموسيقى المصاحبه لرحلته.
«مفيش صاحب يتصاحب.. مفيش راجل بقى راجل»، كانت هذه هي الأصوات الصادرة من الآلة التي ظن أنها تعزف الموسيقى لم تكن إلا «توكتوك»، قرر أن يتصدر المشهد ويدخل في منافسة مع الدراجات النارية التابعة للشرطة، حتى اضطروا إلى إبعاده فلا يليق بهذا الموكب أن يتقدمه «توكتوك»، وماكادوا يفعلوا إلا فوجئوا بتوكتوك جديد قرر أن يكون جزءً من هذه الليلة التاريخية التي سيروي تفاصيلها لأحفاده.
«تسلم الأيادي.. تحيا مصر.. إحنا أحفاد الفراعنة»، تحيات وبركات ألقاها الساهرين في شرفات منازلهم المطلة على الطريق الدائري على جثمان الملك العظيم، الذي يمر من أمامهم في لحظة إجلال وتقدير لكل ما قام به في ماضٍ سحيق، وشاركتهم فرحتهم السيارة المارة من نفس الطريق التي اتفقت على إطلاق صافرات النصر والفرح، تلك التي إعتادوا على إطلاقها في مسيرات الزفاف التقليدية.
اكتمل مشهد حفل الزفاف الأسطوري بمجموعة من الدراجات النارية المعروفة للجميع بإسم «الموتوسيكلات الصيني»، التي بدأت في التجمهر وتنفيذ حركاتها البهلوانية المثيرة والخطيرة في آن واحد، ولكن هل يكتمل حفل الزفاف بدون زغاريد.
السيدات في بيوتهن لم يفوّتن الأمر، وأطلقن الزغاريد المعبرة عن فرحتهن وفخرهن.. وفي هذه الليلة اكتشفن أصولهن الفرعونية بتلك المشاعر، ومع الزغاريد وحركات الموتوسيكلات البهلوانية وعتمة الليل التي تبددها صافرات الفرح وأصوات سيارات الشرطة استمر الموكب في مسيرته، واستكمل الملك رحلة أسئلة لا إجابة لها.
الطريق الدائرى كان طويلا بسبب بطء سير الموكب، وبرودة الثانية مساء أوجعت أجساد كل من في الموكب، ورغم أن الملك كان مستاءً من اهتزازات الطريق المهترئ، كان يستمتع وهو يرى من سهروا تلك الليلة خصيصا ليرسلوا بإشارة تحية من شرفاتهم المطلة على الطريق.
تعانقت أجراس الثالثة صباحا من ساعة جامعة القاهرة مع «سارينة»، وصول الملك إلى ثانى أقدم جامعة في مصر، ليرد الملك التحية إلى أحد المعالم التاريخية المصرية، وأرسل إليها مواساة لما تتعرض له جدرانها من تشويه، فكيف لأحفاد الفراعنة الذين أبهروا العالم بنقوش جدرانهم، أن يحوّلوا سور الجامعة إلى لوحة لعرض الإعلانات و «مبولة عامة» في نفس الوقت.
تشوّق الملك إلى بيته الجديد بالمتحف المصرى، لذلك مرّ الوقت سريعا في الطريق المؤدى من جامعة القاهرة إلى المتحف، وما إن وصل إلى مستقره المؤقت، استُقبل الملك استقبال الفاتحين.