زخم كبير من الفاعليات والمهرجانات والمؤتمرات؛ لمناقشة القضايا والموضوعات المتعلقة بالمرأة، لكنها تظل محدودة ومغلقة على فئة ضيقة من المهتمين بتلك الأحداث ذات الطابع الاحتفائي؛ لتبقى المرأة في قرى ونجوع مصر بمعزل عن تلك الفعاليات، مهمشة بمتاعبها، ولا أحد يعيرها انتباه؛ ما يطرح تساؤلات عديدة عن جدوى إقامة مثل تلك الفعاليات، ودور وزارة الثقافة -الجهة المعنية بالتثقيف وبناء الوعي في المجتمع- ومساعي الهيئات والمؤسسات المعنية، سواء الحكومية أو المستقلة، وما تحتاجه المرأة؛ للحصول على مكانة تليق بحجم عطائها؛ باعتبارها العصب الرئيسي في نواة المجتمع.
“البديل” تسعى من خلال هذا التقرير للوصول إلى إجابات عن هذه الأسئلة، تزامنًا مع الاحتفال باليوم العالمي للمرأة.
عام المرأة.. أوجاع لا تداوى
رغم موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، العام الماضي، على طلب المجلس القومي للمرأة بأن يكون 2017 عامًا للمرأة، إلا أن الأسابيع الأولى منه لم تكن مبشرة، فلا تزال تشعر بالتهميش، وتبحث عن ذاتها، كما أن العنف ضدها مستمر، وحقوقها وحريتها تنتهك حتى الآن، دون تدخل جاد لحل أزماتها.
هذا الواقع المخزي للمرأة تعبر عنه الأرقام، حيث تأتي مصر ضمن أسوأ 10 دول في مجال المساواة بين الجنسين، وفق تقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2015، والذي لم يحدث فيه أي تحسن ملموس، كما أن التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة المصرية بلغت نحو 2.6 مليار جنيه سنويًّا، بحسب إحصائيات رسمية، إذ تتعرض في المراحل العمرية المختلفة لكافة أشكال العنف البدنية والنفسية والجنسية والنفسية، سواء على المستوى الأسري أو الزواج أو في الأماكن العامة.
مهرجانات وفعاليات «للنساء فقط»
شهد الشهر الماضي افتتاح مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة في دورته الأولى، وتم اختيار الأفلام التي تعبر عن قضايا المرأة في مجتمعات مختلفة، شريطة أن يكون إخراجها نسائيًّا، وتضمن مناقشات حول قضية العنف ضد المرأة، تحت رعاية وزارتي الثقافة والسياحة والمجلس القومي للمرأة.
وفي دار الأوبرا المصرية بالقاهرة استضاف مسرح الهناجر، منذ أيام، مهرجان المرأة للأفلام القصيرة “la femme” الداعم لعمل المرأة في مجال السينما، والمخصص للأفلام التي تناقش قضايا المرأة، كما يشهد مسرح الفلكي بوسط البلد، هذه الأيام، مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة، بمشاركة 53 فيلمًا ما بين الروائي والتسجيلي والقصير، يربط بينها أن جميع هذه الأفلام من إخراج سيدات أيضًا.
وأحدث الفعاليات في هذا الإطار كان المؤتمر العلمي الخامس لثقافة القرية، أمس، تحت عنوان “قرى الصعيد.. رصد الواقع واستشراف المستقبل”، والذي افتتحه وزير الثقافة حلمي النمنم بأسيوط، مؤكدًا خلال كلمته التي ألقاها أنه “انتهى تهميش القرى في الصعيد، لا تهميش للمرأة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يولي اهتمامًا بدعم جميع الفئات ومحافظات الصعيد”.
أين وزارة الثقافة واقعيًّا من قضايا المرأة؟
قالت الدكتورة رانيا يحيى، عضو المجلس الأعلى للثقافة، وعضو بالمجلس القومي للمرأة، في تصريح خاص لـ”البديل”، إن ما تقدمه وزارة الثقافة للمرأة غير ملموس على أرض الواقع، موضحة أن “الناس في الشارع مش حاسة بدور وزارة الثقافة”، وأن الوزارة معنية بتغيير فكر المواطن وسلوكه داخل المجتمع، وإذا أردنا أن نستدل على ما تفعله وزارة الثقافة هل مؤثر أم لا، لا بد أن ننظر إلى سلوكنا جميعًا في الشارع، وإذا اتفقنا معه فهو موجود ولكن إذا غلبت السلبيات والسلوكيات الخاطئة، هنا لا بد من الوقوف ومخاطبة وزارة الثقافة والجهات المعنية؛ للعمل من أجل الصالح العام.
وأضافت أن هناك العديد من المؤتمرات والندوات والمهرجانات المخصصة للمرأة، والتي تجريها وزارة الثقافة، ولكن ليس لها أي تأثير، فهي تخاطب فئة محددة من المجتمع فقط، وهم المثقفون والمعنيون بالمرأة، متسائلة: من يتواصل مع المرأة فى الصعيد والقرى والنجوع؟ هذه الفئة المهمشة من يخاطبها؟!”.
ماذا تحتاج المرأة من وزارة الثقافة؟
شددت الدكتورة نادية زخاري، وزيرة البحث العلمي سابقًا، وعضو المجلس القومي للمرأة، في تصريحاتها لـ”البديل”، على أن المرأة تحتاج الكثير من وزارة الثقافة، فهي الوزارة الوحيدة المتداخلة مع كافة الوزارات؛ لذلك عليها دور كبير، يجب أن نلمس مدلوله على الأرض، مثل ندوات التوعية والتثقيف وأهمية البحث العلمي وأخلاقياته، مشيرًا إلى أن “هذا ما نحاول أن نقدمه من خلال لجنة الثقافة العلمية، ولكن على وزارة الثقافة تبسيط المعلومات؛ لكي تصل إلى السيدة البسيطة وغير المتعلمة فى القري والنجوع”.
وتقابلت رؤية الدكتورة رانيا يحيى مع مضمون ما طرحته الدكتورة نادية زخاري، إذ أكدت أن المرأة تحتاج الكثير والكثير من وزارة الثقافة، خاصة مع إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي أن 2017 هو عام المرأة.
وحثت رانيا، في هذا الإطار، على ضرورة وجود مشروع للمرأة، تتبناه وزارة الثقافة؛ لكي يتم النهوض بحالها فكريًّا وتوعويًّا، تشارك فيه كافة القطاعات، وتكون به أفكار جديدة خارج الصندوق وبلغة مبسطة؛ لكي تصل للمرأة البسيطة، لأن المرأة هي المسؤولة عن تنشئة الأجيال القادمة، بالإضافة إلى عمل مهرجانات للمرأة، ولكن تخاطب كافة الفئات، ولا تقتصر على توعية الأطفال والشباب بدور وأهمية المرأة.
اليوم العالمي للمرأة.. احتفال بطعم النضال
انطلقت الشرارة الأولى من شوارع نيويورك عام 1856، عندما خرجت النساء اعتراضًا على الظروف غير الإنسانية التي يجبرن على العمل تحتها، ولا أحد ينظر لمشاكل المرأة العاملة، وتم تفريق هذه المظاهرات بالقوة، ولكنها نجحت في تحريك الرأي العام، الذي بدأ ينظر إليها.
وتجددت المظاهرات في 8 مارس 1908، بعدما عادت الآلاف من عاملات النسيج للتظاهر من جديد، حاملات معهن هذه المرة قطعًا من الخبز وباقات من الورود، في خطوة رمزية لها دلالتها، واخترن لحركتهن الاحتجاجية شعار “خبز وورود”.
وطالبن في الموجة الثانية بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع، وانضمت لهن النساء من الطبقة المتوسطة، ورفعن شعارات تطالب بالحقوق السياسية، وعلى رأسها الحق في الانتخاب.
ومنذ عام 1909 بدأ الاحتفال بالثامن من مارس من كل عام، كيوم المرأة الأمريكية؛ تخليدًا لخروج مظاهرات نيويورك، وساهمت النساء الأمريكيات في دفع الدول الأوروبية إلى تخصيص نفس اليوم للمرأة، حتى أصبح الاحتفال على الصعيد العالمي.