قال "جاكي حوجي" المحلل الإسرائيلي للشئون العربية في مقال نشره موقع "جلوبس" العبري حول دلالات تبرئة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، إنه "كان من الطبيعي أن ينقذ الضباط قائدهم الأعلى السابق من وجه العدالة".
ولفت "حوجي" في المقال الذي حمل عنوان "ما وراء تبرئة مبارك" إلى أن المؤسسة العسكرية هي التي دبرت كل شيء، وأن " زمام الحكم لم يسقط ولو لحظة واحدة من يد الجنرالات، حتى إن بدا الأمر غير ذلك".
إلى نص المقال..
من" محاكمة القرن" بقيت فقط عناوين، والمئات من الأسر المحبطة".
هوامش التاريخ كُتبت يوم الخميس الماضي بالقاهرة. أعلنت محكمة خاصة تبرئة الرئيس المصري السابق حسني مبارك من تهمة إصدار أوامر لاستخدام القوة ضد المتظاهرين خلال الاضطرابات التي واكبت الإطاحة به في فبراير 2011، ما أدى لمقتلهم. قتل في تلك الأحداث الدامية بوجه عام 840 شخصا، وسقط أكثر من 6000 مصاب.
لماذا هوامش فقط؟ لأن مصير مبارك البالغ من العمر 89 عاما، وحقيقة ما إن كان سيطلق سراحه أم سيبقى في السجن لن تغير شيئا، سوى بالنسبة لأسرته وبعض محبيه. فأي من السيناريوهين لن يخرج الحشود للشوارع، مثلما حدث في تل الأيام التي هزت بلد النيل. ولماذا التاريخ؟ لأن بتبرئة مبارك من الاتهام، يرسل الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، الرئيس المخلوع، بطل حرب أكتوبر، للموت دون خجل. بينما هو على قيد الحياة.
قتل المتظاهرين هي التهمة الأكثر خطورة التي اتهم بها الرجل الذي أدار مصر على مدى 3 عقود. أطلق المصريون عليها بقدر من المبالغة "محاكمة القرن".
على مدى سنوات حرص مبارك على إزالة وصمة العار التي وُصم بها كديكتاتور. منح الجمهور ومعارضيه الحرية التي سمحت لهم بإجراء نقاش حيوي في القضايا الحيوية، وتنمية الاقتصاد ولم يتوقف عن التأكيد على أهمية الاستقرار. في أحد خطاباته الأخيرة قال لأولئك الذين طالبوا بنفيه من وطنه، كرئيس تونس الذي فر للسعودية :”هذا وطني. خدمته 60 عاما وقاتلت من أجله. هنا أحيا وهنا أموت".
محاكمة مبارك في تلك القضية استمرت 5 سنوات و5 شهور من المداولات، جرى أهمها من خلف الكواليس بأياد ماهرة. في صيف 2012، بينما كان الشارع يغلي من الغضب، وعقد الجنرالات صفقة لا مفر منها مع الإخوان المسلمين لتتويج رئيس من قبلهم، أدانة المحكمة مبارك وزجت به في السجن المؤبد. جاء الحكم لإرضاء الجمهور، ولإظهار أن عملية إسقاط الرئيس انتهت أخيرا: ها هو رئيس هرم الفساد مدان في محاكمة عادلة وسوف ينهي حياته خلف القضبان.
جرت الكثير من المياه في النيل. أطيح بالرئيس الإخواني محمد مرسي، على يد مجموعة من الضباط بعد عام في الحكم، وأعاد الجيش ليده مقاليد الأمور. كانت هذه أياما مضطربة، وأبدت المؤسسة العسكرية التي حوصرت برودة أعصاب ورباطة جأش. لم يسقط زمام الحكم ولو لحظة واحدة من يد الجنرالات، حتى إن بدا الأمر غير ذلك.
حتى "انتخاب" مرسي كان مخططا له: دخل القصر الرئاسي في إطار صفقة بين الجيش والإخوان، هدفت لتهدئتهم، وخفض مستوى العنف في الشوارع. في يوليو 2013، وعندما رأوا أن الأمور عادت للسيطرة، شعر الجنرالات بالثقة الكافية للإطاحة به وإعادة زمام الأمور لمن جرى تجهيزه لذلك.
أُعلن زعماء الإخوان المسلمين كأعداء للشعب وزج بهم واحد تلو الآخر في السجن. حاربهم السيسي بيد من حديد. كان من الطبيعي أن ينقذ الضباط قائدهم الأعلى السابق (مبارك) من وجه العدالة.
في نوفمبر 2014 أعلنت المحكمة بطلان المحاكمة التي أجريت لمبارك، بسبب خطأ في الإجراءات، وإعادة محاكمته. “سيحاكم المتهم أمام التاريخ وأمام الله"، عزى القاضي أسر ضحايا القتلى. منذ ذلك الوقت، وكلما تزايدت العمليات الإرهابية، كان واضحا أن السيسي سيرفض تقديم هذه الهدية لأعدائه المسجونين. في إعادة المحاكمة أعلن عن التبرئة النهائية لمبارك.
سيذكر يوم الخميس 2 مارس 2017 على أنه يوم ليس فقط برئت فيه ساحة حسني مبارك، بل كل المجموعة التي أدارت الحكم إلى جانبه. أولئك الذين أنقذهم خلفائهم من العدالة واحدا تلو الآخر.
ولما كان تبرئة الجميع أمرا صعبا، لأن الجماهير انتظرت أن ينال الفاسدون العقاب، فقد جرى التضحية بعدد من الشخصيات من القيادة المتوسطة. وهكذا، بقي من "محاكمة القرن" عناوين فقط، إلى جانب المئات من الأسر المحبطة.