الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

تشرف عليها معامل مجهولة.. «الدستور» تكشف مافيا تزوير الأنساب في مصر

تشرف عليها معامل مجهولة.. «الدستور» تكشف مافيا تزوير الأنساب في مصر
عندما وقف الفنان الراحل عمر الشريف فى فيلم «إشاعة حب» مذهولا بينما يناديه طفل صغير قائلا «بابا.. بابا»، لم يكن يظن هو أو غيره من المشاهدين أنه سوف يأتى اليوم الذى يصبح المشهد السينمائى واقعا معاشا. مع ظهور تحاليل البصمة الوراثية أو «DNA» ظن العلماء أنه لا سبيل إلى التهرب من نسب طفل أو تزوير نسب طفل لغير والديه، غير أن بعض المصريين كانت لديهم طرق أخرى للالتفاف على ما توصل إليه علماء الغرب.

فى السطور التالية تكشف «الدستور» وجود بيزنس لتحاليل البصمة الوراثية فى مصر فى معامل خاصة ودولية لاعتماده كأحد الأدلة المهمة فى قضايا إثبات النسب، بوصفه بابًا خلفيًا لتزوير الأنساب أمام المحاكم، ما يهدد بأزمات مجتمعية تجعله أكثر ضررًا بالوضع الأسرى، وذلك فى غياب تام لرقابة وزارة الصحة على تلك المراكز.

_نسبوا لـ«أحمد» ابنًا دون لقاء الأم من الأساس
فى نهاية العام 2015، فوجئ أحمد عبد ربه «اسم مستعار» بأن لديه ابنًا يبلغ من العمر 4 سنوات، بعد صدور حكم غيابى بإثبات نسب الطفل له، وأن والدة الطفل أقامت دعوى «نفقة صغير» وأخرى للمطالبة بمتجمد نفقة (مُجمل نفقة) 4 سنوات، رغم أن الأم لم تلتق الأب قبل ذلك، وتم الحكم فى هاتين الدعويين وإقرار النفقة.

وبحسب محمد عماد، محامى «عبد ربه»، فإنه بفحص أوراق القضية تبين أن الأم توجهت للمحكمة، فى 2012، بنتيجة تحليل «البصمة الوراثية» للطفل والأب المنسوب له، من أحد المعامل الخاصة، وأرسلت الأم إعلان القضية على عنوان وهمى لإحدى الشقق السكنية المغلقة بمنطقة شعبية، وتم وضع لافتة باسم «عبد ربه» على الشقة لإيهام المحضرين بأنها عنوان سكنه الفعلى، وبناء على غلق محل السكن، تم اتخاذ الإجراء القانونى بإعلان جهة الإدارة بغلق محل السكن، وصدر الحكم لصالحها، فتقدم ببلاغ للنيابة، رقمه 5652 لسنة 2015 قسم أول الرمل بالإسكندرية، يتهمها فيه بالنصب وطعن على الحكم الصادر ضده، ومازالت القضية قيد النظر أمام محكمة الأسرة حتى الآن.

_زوجة جمال أنجبت رغم أنه خارج البلاد
«جمال. ع»، كان على موعد مع واحدة من وقائع تزوير الأنساب باستخدام تحاليل «البصمة الوراثية»، ولكن هذه المرة لم يستطع إثبات الواقعة بسبب قاعدة «الولد للفراش» المعمول بها فى إثبات النسب بالمحاكم المصرية. وطبقًا لمحامى «جمال»، فقد تزوج موكله من إحدى الفتيات، واتفقا على أن يسافر لدولة عربية ثم يستقدمها، وهو ما جرى بالفعل، ولكن بعد أسبوع من استقدامها اكتشف حملها، ولدى الطبيب عرف «جمال» أن زوجته حامل فى شهر برغم أنهما فى هذا التوقيت لم تكن بينهما حياة زوجية، ومن ثم عادت الزوجة لمصر بعد خلافات دبت بينها وبين «جمال»، وبعد ولادتها أقامت دعوى إثبات نسب، وقدمت تحليل «بصمة وراثية» صادرًا عن معمل خاص. من ناحيته، أجرى «جمال» أيضًا تحليلاً آخر أثبت عدم نسب الطفل له، إلا أن القاضى رفض نتيجة تحليله وأثبت نسب الطفل عملاً بقاعدة «الولد للفراش»، غير أن المفاجأة الأكبر كانت فى زواج «جمال» مرتين، بعد ذلك، ولم يرزق فيهما بالأولاد ليكتشف أنه «عقيم».

_تحليل الحمض النووى على الإنترنت والدفع «الفيزا»
من خلال البحث عبر الإنترنت، اكتشفت «الدستور» موقعًا ألمانيًا لإجراء تحليل الحمض النووى، وطبقًا للموقع فإن العينات وأدوات أخذها يتم توصيلها عبر الشحن، فيما تدفع التكاليف عبر البطاقة الائتمانية، ويدعى «bj-diagnostik»، وطبقًا للموقع فإن تحليل إثبات «الأبوة» يتكلف نحو 179 يورو، وكل عينة إضافية تتكلف 99 يورو، وإذا كان التحليل لأسباب قضائية فإن السعر يرتفع لـ252 يورو، ويشترط فى تلك الحالة وجود شهود ومحامٍ أثناء أخذ العينة طبقًا للموقع. كما يقدم المعمل خدمة تحليل الحمض النووى لإثبات نسب الأخوة فى حالة عدم وجود عينة من الأب المتوفى مقابل 370 يورو، ويتم التحقق فيها من 23 علامة وراثية بالنسبة للأشقاء، فيما يتم تقديم خدمة التحقق من نسب الأخوة غير الأشقاء من أب واحد مقابل 370 يورو أيضًا.

«الدولية لحقوق الإنسان»لا يمكن التأكد من صحته بنسبة 100 %
يقول محمد عماد، مستشار لجنة الدفاع والحريات بالمنظمة الدولية لحقوق الإنسان، إن نتيجة تحليل البصمة الوراثية يمكن الاعتماد عليها فى نفى النسب بنسبة 100 %، وفى إثبات النسب بنسبة 99.99 %، مضيفًا أنه «رغم دقة التحليل إلا أنه عمل بشرى قابل للخطأ، ولا يمكن التأكد من صحته بنسبة 100%».

وأشار «عماد» إلى أن تحليل البصمة الوراثية ليس دليلًا كافيًا بذاته لإثبات النسب، إذ إن نتيجته قد يترتب عليها إثبات النسب ليس للأب الحقيقى بل يتعداه إلى شخص آخر هو والد هذا الشخص، أو أخوه لاتحاد الجينات الوراثية بينه وبينهما وبين الطفل المراد إثبات نسبه».

ومن الناحية القانونية، قال «عماد»: «فى حال تقديم أحد الخصوم تقرير تحليل بصمة وراثية صادرًا من مستشفى خاص ورفض أحد الخصوم التقرير أمام المحكمة، يكون الفيصل فى تحديد صحة التحليل هو الطب الشرعى الخاضع لوزارة العدل، وذلك عن طريق إحالة أوراق القضية إلى الطب الشرعى وانتداب أحد إخصائى الطب الشرعى لإجراء تلك التحاليل، ويتم تقدير رسومها عن طريق المحكمة».

_اشتراك الوالد فى الاحتفال بالمولود إقرار بالأبوة
تمنح المادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929، المُنظمة لأحكام النسب، الرجل الحق فى نفى نسب طفل تلده زوجته، وذلك فى حالة عدم حدوث تلاقى بين الزوجين منذ عقد القران، وأن تلد الزوجة طفلها بعد غيبة الزوج عنها مدة تزيد على سنة، أو أن تضع المطلقة أو الأرملة مولودها بعد مدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة. كما يحق للزوج إنكار النسب فى حالة إذا ما وضعت الزوجة مولودها فى مدة تقل عن 6 شهور من تاريخ الزواج الحقيقى، إلا إذا أثبتت الزوجة أن هناك زواجًا عرفيًا سابقًا على الزواج الرسمى، وحدد القانون الحالة التى لا يمكن للزوج فيها إنكار إثبات النسب ومسماها «اللعان»، وهو ما نص عليه القرآن الكريم، ولكن يشترط ألا يكون أقر الزوج بالطفل فى أى فترة من الفترات، بأن يكون قد سكت على مظاهر الحمل حتى وضعت زوجته مولودها، واشترك فى الاحتفال بقدوم المولود، لأن ذلك يعد إقرارًا من الزوج بالأبوة، ولا يجوز النفى بعد الإقرار. وتنص المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية على «لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقى بينها وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها، ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة». فيما أصدرت دار الإفتاء الفتوى رقم 41 لسنة 2014 بأنه يجوز إثبات النسب بالبصمة الوراثية باعتبارها مِن الوسائل العلمية الحديثة فى الإثبات، إذا كان ذلك فى عقدِ زواجٍ صحيحٍ أو فاسدٍ، أما فى حالة الزنا فلا يثبت نسب الطفل إلى الزانى، وإنما يُنسَب لأمه فقط.

_أسباب اختلاف الحكمين فى واقعتى عز والفيشاوى 
بالرغم من السرية التى تفرضها محاكم الأسرة على قضايا إثبات النسب، فإن هناك دعاوى كانت شهرة أطرافها سببًا فى تسريبها للإعلام، وأشهرها قضية إثبات نسب الطفلة «لينا» لوالدها الفنان أحمد الفيشاوى بعد زواجه من مهندسة الديكور هند الحناوى.

وتفجرت قضية الحناوى فى 2003، بعد إعلانها خبر حملها من الممثل أحمد الفيشاوى بعد زواجها عرفيًا منه، ورغم نفى الأخير ما قالته الحناوى إلا أن الستار أغلق على القضية فى 2006 بعد صدور حكم المحكمة بإثبات نسب الطفلة.

وكانت حجة الفيشاوى فى الرفض هى عدم وجود عقد زواج، وهو ما جعله أيضًا يرفض إجراء تحليل البصمة الوراثية، إلا أن المحكمة أقرت بنسب الطفلة بعد أن قدمت «الحناوى» شهودًا أجمعوا على وجود علاقة زواج بينها وبين والد طفلتها الذى اعترف بعد ذلك بثبوت بنوة الطفلة.

وفى 2014 فجرت الفنانة زينة قضية إثبات توأمها «عز الدين» و«زين الدين» للفنان أحمد عز، الذى أعلن فى أكثر من مناسبة أنه لم تجمعه علاقة مع زينة.

وخلال عام ونصف العام ألزمت محكمة مدينة نصر أحمد عز بإجراء تحليل الحمض النووى، للفصل فى دعوى إثبات النسب، إلا أن «عز» رفض بحجة عدم وجود عقد زواج عرفى، وبالتالى لا يجوز نظر دعوى إثبات النسب.

من جانبها، قدمت زينة صورًا تجمعها مع «عز» أثناء قضاء شهر العسل، كما قدمت صورة من عقد زواج «عز» بالمطربة المصرية أنغام، وهو زواج لم يتم الإعلان عنه إلا أثناء نظر قضية إثبات النسب.

وفى يونيو 2015، أسدلت المحكمة الستار على قضية النسب بعد إصدارها حكمًا بإثبات نسب الطفلين لوالدهما، إلا أن عددًا آخر من القضايا المتبادلة بين عز وزينة مازالت مستمرة.


وزارة الصحة: ضبطنا حالات مشابهة
توجهت «الدستور» إلى الدكتور ممدوح الهادى، المسئول عن ملف معامل التحاليل بوزارة الصحة ورئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية، لمعرفة الوضع القانونى لمعامل التحاليل التى تجرى تحليل «إثبات النسب»، فأوضح أن إجراء تحاليل الحمض النووى لإثبات النسب فى المعامل الخاصة مصرح بها، ولا يوجد نص قانونى يمنعها. وحول حالات الخطأ والتزييف فى تلك التحاليل، كشف «الهادى» عن أنه تلقى شكوى واحدة خلال عام 2016، وكانت عبارة عن تحليلين لنفس الحالة فى معملين مختلفين، الأول أثبت نسب الطفل والثانى نفاه، وتوجه صاحب الحالة إلى الوزارة وتمت إعادة التحليل لمعرفة أى المعملين أخطأ، إلا أنه تحفظ على كشف أى تفاصيل تخص الحالة والمعملين وكذلك الإجراء الذى تم اتخاذه.


الطب الشرعى: لا يجوز إجراؤها دون إذن قضائى
يقول دكتور أيمن فودة، رئيس مصلحة الطب الشرعى الأسبق، إنه محظور فى جميع الدول إثبات النسب دون إذن قضائى، ولذلك فهناك قاعدة أن الفحوص الطبية سرية ولا يمكن الإفصاح عنها دون إذن قضائى، وإلا يقع تحت طائلة القانون بإفشائه أسرار المريض، مشيرًا إلى أن الأصل فى معامل التحاليل أن تجرى فحوصًا بقصد العلاج، وتحاليل «الحمض النووى» لإثبات النسب ليس لها قصد علاجى.

وطالب «فودة» بأن يتم منع إجراء مثل هذه التحاليل إلا بإذن قضائى، واصفًا إجراء تحاليل الحمض النووى لإثبات النسب بأنه «سبوبة» للنصب، والمعامل التى تجريها بأنها مافيا تهدم المجتمع، لأن ناتج هذه التحاليل فى المعتاد يهدم أسرًا كاملة حتى إذا جاءت النتيجة بإثبات نسب الطفل.

محامية: شروط محددة للأخذ بنتائج المعمل الخاص
تقول سيدة قنديل، المحامية بقضايا الأسرة: «إن المحكمة لا يمكنها إجبار شخص على إجراء تحقيق الحمض النووى، لأنه يعتبر ماسًا بالسلامة الجسدية، أو عقابًا للشخص على عدم إجراء التحليل أو إثبات نسب الطفل للشخص الرافض إجراء تحليل الحمض النووى بناء على رفضه».

وأشارت «قنديل» إلى أن تحليل الحمض النووى فى المعتاد يؤخذ به عادة فى إنكار النسب.

ويمكن الأخذ بنتيجة التحليل الذى أجرى فى معمل خاص إذا كان معملاً معروفًا وموثوقًا فيه، إلا فى حالة تشكيك الخصم فيه فيتم إجراؤه فى مصلحة الطب الشرعى، وتكون التكلفة على الخصم وليس المدعى.

مصدر الخبر
الدستور

أخبار متعلقة