نحن فى العادة نعتبر أبناء الأمة المصرية مواطنين مصريين، وأبناء الأمة الفرنسية مواطنين فرنسيين. وتبدو كلمة مواطنين هنا كلمة شائعة، وموروثة وبديهية لدرجة أنه يصعب أن نتخيل أن هناك كلمات أخرى يمكن استخدامها فى هذا المقام.
ولو تأملنا فى تاريخ نشأة الكلمة وتداولها لألقينا أضواءً تساعدنا على فهم ظروفنا التاريخية المعاصرة.
استخدمت كلمة المواطن فى الفلسفة اليونانية القديمة، أى قبل خمسمائة عام من ميلاد المسيح، وكانت تشير تحديداً الى ساكن مدينة أثينا، التى كانت تدار شئون الحكم فيها بصورة ديمقراطية، ولم تكن الكلمة تشير الى كل سكان المدينة وانما كانت تخص فقط الذكر اليونانى الحر والبالغ، وبالتالى تستبعد الأطفال والنساء والعبيد والغرباء. وهى تعنى عملياً الشخص الذى يحق له أن يشارك فى إصدار القرار السياسي وكانت القرارات تصدر بالأغلبية. فلو أردنا إجمال هذا الموقف فى كلمات بسيطة لقلنا المواطنة تعنى المشاركة فى اتخاذ القرار، أى المشاركة السياسية.
التجربة الإثينية كانت عابرة تاريخياً ومحدودة جغرافياً. فهي لم تدم سوى قرنين من الزمان وأطيح بها بعد حروب الاسكندر، كما كانت داخل مدينة واحدة لا يتجاوز عدد المواطنين فيها 30 ألف مواطن. واختفت بعد ذلك الكلمة من قواميس البشر.
وفى بداية العصر الحديث أي مع القرن السابع عشر، بدأ كثير من المفكرين السياسيين يستخدمون هذه الكلمة استخداماً غزيراً ومتواتراً، وانتقلت بسرعة من اللاتينية الى الانجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات. وهنا نتساءل: لماذا هذا الاستدعاء لتلك الكلمة القديمة؟
ربما كان هناك شعور بأن البشر مقبلون على فترة لم يعد حكم الناس فيها يتم كما الحال فى السابق. فعلى مدى أكثر من ألفى عام، ساد النظام الاستبدادى فى جميع الحضارات والثقافات. والاستبداد لا يعنى بالضرورة الظلم، فقد شاهدت عصور الاستبداد حكاماً عادلين، وأخرين ظالمين، وحكاماً فاسدين وأخرين صالحين. كلمة الاستبداد تشير تحديداً الى غياب مشاركة المحكومين فى اتخاذ القرارات التى تتعلق بحياتهم. ومن هنا كانت العودة الى كلمة مواطن فى أدبيات الفكر السياسى الحديث تدل على ترقب مرحلة جديدة سوف تتميز بمشاركة المحكومين فى الحكم.
هذا ما قصده الفيلسوف الانجليزى توماس هوبز عندما عزا اقامة الدولة الى اتفاق أو عقد بين المواطنين للخروج من شريعة الغاب. أما جون لوك فقد وضع آليات محددة للمشاركة فى اتخاذ القرار تقوم على فكرة التمثيل والانتخابات الدورية.
عانى الفرنسيون مثل غيرهم من الشعوب من التفاوت الطبقى الرهيب بين أرستقراطية تحتكر الملكية والسلطة، وعامة الشعب الذين يعملون ويعيشون فى فقر. ثار الفرنسيون على هذا الوضع طامحين الى الغاء امتيازات الألقاب الأرستقراطية وألقابها. فكان الثوار يبحثون عن كلمة ينادون بها بعضهم البعض دون أن تظهر بينهم الفوارق الطبقية. وهنا كان لكلمة مواطن مفعول السحر. فلم يعد الفلاح الفقير مضطراً الى استخدام تعبيرات مثل: سيدى الدوق، أو جناب الماركيز، كان فقط يستخدم كلمة: يا مواطن عند مخاطبة أى انسان، وكان الآخرون ينادونه بكلمة يا مواطن. وهكذا أصبحت كلمة مواطن تشير الى بعد جديد وهو المساواة. وشاعت هذه الكلمة فى أغاني الثوار وشعاراتهم، ثم ظهرت فى وثيقة لها أهمية تاريخية كبرى وهى «اعلان حقوق الانسان والمواطن»، التي دشنت عصرا جديدا هو عصر الديمقراطية الحديثة. كما أضافت الوثيقة بعدا ثالثاً لكلمة مواطن وهو الحرية. فنحن نلاحظ هنا التمييز بين والانسان والمواطن. فحقوق الانسان هى حقوق طبيعية لا تمنح من أحد كما أنها عامة لدى جميع البشر، أما حقوق المواطن فهى حقوق تختص بتحديد العلاقة بين المواطن والدولة التي ينتسب إليها. وهى بمنزلة عقد بين الدولة ومواطنيها، فالدولة تقتضى منهم اتقان العمل وطاعة القوانين وأداء الضرائب، وفى المقابل يحصلون منها على حقهم فى الملكية والمشاركة السياسية والأمن. هذه الوثيقة جاءت لتحمي الطرف الأضعف وتضمن حرياته في مواجهة تعسف الدولة. في بداية العشرينيات من القرن الماضي قام أحمد لطفي السيد بترجمة كتاب الأخلاق لأرسطو وبدلا من أن يترجم الكلمة اليونانية بساكن المدينة كما فعل اسحق بن حنين اختار كلمة «مواطن» لينطلق في فكرنا العربي السياسي المعاصر الحديث عن المواطن والمواطنة بأبعادها الثلاثة المشاركة والمساواة والحرية.
المواطن.. رحلة طويلة عبر التاريخ
مصدر الخبر
الأهرام