في ظل الخلاف الشيعي- الشيعي بشأن مبادرة التسوية السياسية التي طرحت قبل أكثر من شهرين، طرح رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر مبادرة ثانية لإدارة العراق فيما بعد داعش فهل هل يستطيع الصدر إجبار التحالف الحاكم بمبادرته أم سيبقى العراق مسرح لطرح المبادرات دون الاتفاق عليها؟
وطرح زعيم التيار الصدري مجموعة من الحلول الأولية ضمن مشروعه لمرحلة ما بعد استعادة مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش، مؤكدًا أن هذه المبادرة هي "لإبعاد كل المخاطر المحتملة والتي يسعى إليها أعداء الوطن من أجل جر العراق إلى الهاوية". على حد تعبيره.
وجاءت مبادرة الصدر بعد أيام من فضّ الأمن العراقي اعتصام للصدر قرب المنطقة الخضراء بالعاصمة العراقية بغداد لاعتراضهم على أعضاء بلجنة الانتخابات، ما تسبب في مقتل وإصابة العشرات من الطرفين.
أهم مطالب مبادرة الصدر
وتطالب مبادرة الصدر بجمع السلاح وتسليمه للدولة من خلال آليات واضحة وصارمة "مع الحفاظ على هيبة الجهاد والمقاومة"، والعمل على تصفية السلك الأمني كافة من العناصر غير المنضبطة، ووضع قوانين صارمة تعيد للجيش والمؤسسات الأمنية هيبتها واستقلالها.
وتؤكد مبادرة الصدر على فتح حوار شامل للمصالحة الوطنية، على ألا يكون الحوار محددا بالطبقة السياسية، بل يكون حوارا للمصالحة الشعبية والوطنية يشمل جميع الأديان والمذاهب والأقليات والتوجهات.
خلاف شيعي
وكان التحالف الوطني الحاكم الذي يتزعمه عمار الحكيم قد طرح مبادرة قبل الصدر تهدف للمصالحة بين جميع المكونات بعد زوال داعش، لكن المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني رفضها ما تسبب في حالة من الخلاف الشيعي ـ الشيعي الأمر الذي سيزيد من سوء المشهد السياسي والأمني بالعراق.
كما رفض ائتلاف دولة القانون، بزعامة نوري المالكي، نائب رئيس الجمهورية، شمول معارضين سُنة للعملية السياسية في مبادرة التحالف، فيما يرى الحكيم ضرورة التسامح مع الأطراف السياسية المعارضة، شريطة عدم ضلوعها في عمليات إرهابية.
وتقول القوى السُنية في العراق إن ظهور “الدولة الإسلامية"، واكتساحه العديد من المحافظات العراقية عام 2014، جاء نتيجة الخلافات السياسية، وتفرّد أطراف شيعية بالحكم في بغداد، وغياب الرؤية المشتركة لإدارة المؤسسات الحكومية، خصوصا الأمنية والسياسية.
نجاح المبادرات مرهون بالإصلاحات
بدوره قال السفير العراقي السابق الدكتور مزهر الدروي، إن مبادرة الصدر والمبادرات التي سبقتها جميعها يدور في مسار واحد نابع من التوجيه الذى تهيمن بموجبه إيران على مقاليد الأمور فى العراق.
وأضاف في تصريحات لـ"مصر العربية" أن الصدر دائما يتبنى ملفات من أجل الظهور لكن سرعان ما يختفى ولا يكملها للنهاية، لافتاً أن مصير مبادرته سيكون نفس مصير دعواته السابقة لأي مطالب.
وأوضح أن الصدر لديه قاعدة كبيرة ترفض العملية السياسية القائمة بسبب الخراب الذى يلاحق العراق على أيدى الحكام والذي تسبب فى انتشار داعش في غالبية المناطق العراقية.
وأكد أن الوضع السياسيى فى العراق أصبح معقد بسبب التدخلات الخارجية فى العراق، مشيراً إلى أن البلاد تعاني منذ 14عاما بسبب السياسات الفاشلة التي تدار بها العراق.
كما أكد أن نجاح أي مبادرة يطلب إعادة دارسة المشهد السياسي والأمني ليعود السلام للعراقيين وهذا لن يعود إلا من خلال دحر الفساد، فلا يمكن أن تنجح مبادرة متعلقة بالمصالحة مطروحة في وسط فاسد.
ولفت إلى أن المشكلة ليست فى داعش، وإنما فى السياسيين الذين لا يعرفون الاتفاق وأعطوا الفرصة لداعش ليسيطر على العراق، مطالباً بضرورة تغليب مصالح الوطن، وتعزيز الانتماء وقطع العلاقات المشبوهة مع أي قوى إقليمية تتدخل في الشأن العراقي، كما لابد أن يكون لمجلس الأمن الدولي دور في طرح القضية العراقية فى أروقة الأمم المتحدة لمعالجة ما أفسدته أمريكا وأعوانها.
المبادرة صراع نفوذ
فيما قال المحلل السياسي العراقي أحمد الملاح، إنه لا يمكن لأي عراقي أن يختلف مع أي بند من بنود مبادرة الصدر التي تدعوا لأمور جامعة شاملة مثل تسليم الحدود للجيش وحرس الحدود ورفض وجود أي قوات أجنبية وغلق أو تحويل مقرات الملشيات المسلحة إلى مكاتب اجتماعية ومدنية.
وأضاف في تصريحات لـ"مصر العربية" أن الجميع سيقف بجوار الصدر إذا كانت لديه القدرة على إجبار التحالف الوطني الحاكم بهذه المبادرة، لافتاً أنه وفقا لتجارب طويلة من المد والجذر فإن التيار الصدري غالبًا ما يرفع سقف المطالَب والطموح لدى العراقيين ثم تنهار دون نتائج حقيقية ملموسة.
وأوضح أنه لا يمكن لأي مبادرة أن تنجح إذا لم يتبناه الطرف الحاكم بالعراق بكافة أجنحته ولا يكفي أن فصيل يطلق تسوية دون الأخرين، فقد أطلق الحكيم مبادرته للتسوية من قبل الصدر وانتهت قبل أن تبدأ وكذلك التيار الصدري لن تتجاوز ما حدث مع الحكيم.
وأكد الملاح أن المبادرات الحالية هي مشاريع إعلامية الهدف منها إحراج الطرف الآخر وسحب البساط من تحته في عملية معقدة بين البيت الشيعي حول صراع النفوذ وحدوده.
من جهته، أعلن نائب الرئيس العراقي أسامة النجيفي دعمه لمبادرة الصدر التي طرحها أول من أمس لمرحلة ما بعد تحرير مدينة الموصل.
وذكر بيان لائتلاف «متحدون» (السني) أن «الائتلاف يجد ان المبادرة تتضمن أفقا وطنيا جادا ورؤية مشجعة هدفها وضع الحلول وتفكيك الأزمات والمشاكل التي تعصف بالبلد».
وأبدى النجيفي رئيس الائتلاف، بحسب البيان «استعداده وترحيبه بعقد لقاءات مع قيادة التيار الصدري للوصول إلى قناعات مشتركة ووضع آليات التطبيق والعمل على وفقها».
بدوره، عبر الزعيم السياسي المستقل خميس الخنجر، رئيس «المشروع العربي» في تصريحات صحفية عن تأييده لمعظم ما ورد في مبادرة الصدر لإجراء إصلاحات شاملة، مشيراً في بيان إلى أن «هناك حاجة وطنية للاستعداد لمرحلة ما بعد طرد داعش، وما يصاحبها من استحقاقات والتزامات بكافة مستوياتها وتعقيداتها، إذ لايكفي الانتصار العسكري على الإرهاب دون أن يترافق ذلك مع حلول سياسية تحول دون عودته مجددا»..
في المقابل، أبدى أئتلاف «دولة القانون» تحفظه على المبادرة، خصوصا أنها تتضمن تفعيل التحقيق النيابي بسقوط مدينة الموصل الذي يدين رئيس الائتلاف نوري المالكي بالأحداث، بكونه رئيس الوزراء في تلك المرحلة.
وقالت النائبة عن «دولة القانون» عالية نصيف في تصريحات صحفية إن «الحكومة غير ملزمة بتنفيذ ما جاء في مبادرة الصدر»، مشيرة إلى أن «تدويل المبادرة يدخل في مصلحة الدول الأخرى». وأوضحت أن «هناك نقاطا إيجابية في المبادرة يمكن أن يتبناها التحالف الوطني، ثم تتبلور في مجلس النواب عن طريق اللجان النيابية المختصة لبحثها ومناقشتها».