.............
زرت مكتب الأستاذ هيكل قبل أسبوعين ، سمعت صفير الصمت وهمس الذكريات، وقرأت دلالات خريطة أمن مصر القومى التى ما زالت تحتل مكانها فوق مكتبه، غير أنى شاهدت حركة غير عادية وصناديق الأوراق والكتب والملفات والوثائق، وحده بقى تمثال الكاتب المصرى القديم «جالس القرفصاء» بجوار فنجان القهوة عن يمين مقعد الأستاذ لمحت عمليات فرز وتصنيف للأوراق والملفات والوثائق ، (الاستاذ هيكل لم يكن مجرد كاتب صحفى في السياسة والحرب والاتفاقيات والمعاهدات، بل كان دائرة معارف فى كل شىء، ما يخص البلد وأمنها وسلامتها فى ملفات وما يخص الصحافة وما يخص السياسة، ومشروعاته وخططه وما خطت يداه، كل ماتركه وما احتفظ به له قيمة الوثيقة وأهميتها، أما جائزة هيكل للصحافة فاللجنة التى يشكلها الصحفيون ستختار فى فرعين، الصحافة السياسية والصحافة الالكترونية)..
من يصدق أن هذا الرجل الذى كان شديد الحب للحياة قد كتب وصيته وهو فى مطلع الألفية الثالثة وكان فى السابعة والسبعين من عمره، من يصدق أن الرجل الذى استأذن فى الانصراف وهو فى الثمانين من عمره وتكررت فى أحاديثه ولقاءاته ووصاياه كلمات «مستقبلى صار ورائى» و«هذه تجربتنا» و «نحن قمنا بدورنا» و«رؤيتنا قدمناها» و«الأمانة سلمناها».. هو الآن أكثر من يشدنا بكتاباته الي الثقة فى هذا الوطن ومشروعه المتجدد والثقة فى المستقبل والجيل الجديد ، قال لنا يوما : مطلوب منكم أن تقوموا بثورة تناسب عصركم على ما فعلناه.. فإذا بنا ـ إذا قمنا بثورة مهنية ـ نجد أنفسنا نعود الى مافعله وما وضعه من اصول وقواعد.
وفى هذا العدد تصفحت بعض الكنوز التى أصدرها الأهرام فى مجلدات مقالات « بصراحة واستمتعت بأسلوبه فى تناول كل القضايا بأرقى فنون أدب صحافة «المستقبل» الراقية.
فعلا لم يكن الأستاذ هيكل جورنالجيا ناجحا تحمل كتاباته طعما فريدا فى السياسة والحرب والاستراتيجيات والأمن القومى، بل كان إنسانا ومحققا من طراز رفيع، اخترنا «خبيئة» فى شكل تحقيق نادر ومشوق كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل «بصراحة» من مستشفى السلام بالصين فى عام 1973تحت عنوان «الإبر والبشر» نقدمه اليوم لقراء الأهرام وعشاق الكتابة الرشيقة، على الصفحة الأولى والبقية فى الصفحة الثامنة, بنفس ملامح عصره ونفس معالم تاريخه وحتى رائحة الورق .. وشكل الحروف... لأنه يمثل «قراءة» الأستاذ لدور «الأطباء الحفاة» فى «حالة» عودة الروح إلى أمة.