كان شتاء هذا العام هو الأول الذي تبيت فيه أميرة وبناتها الثلاثة دون عشاء، بل وتقول السيدة الأربعينية التي تسكن عشوائيات شبرا الخيمة إنها تضطر أحيانًا إلى قضاء يومها دون إفطار.. لا تعرف أسبابًا مباشرة لضيق الحال الذي أصابها منذ بداية هذا العام، لكن الاقتصاديون يرجعون تدهور أحوال الملايين من هذه الشريحة إلى حزمة القرارات التحررية التي طبقتها الحكومة في نوفمبر الماضي دون توفير الحماية الكافية للفقراء.
«الدنيا كانت حلوه لحد من سنة (قبل 2016) وفجأة كله بقى نار».. قالتها أميرة وهي تجلس في زاوية من سوق بهتيم لبيع الخضراوات، تعد السيدة الجنيهات القليلة التي تجنيها آخر اليوم وتقارنها بمستويات الأسعار وما تحتاج إنفاقه على بناتها فتشعر أنها في ورطة كبيرة: «السوق واقف بسبب الأسعار والغلاء، وبقى يوم معايا قرش ويومين مفيش».
قبل ثلاثة أعوام كانت أميرة تتمتع بوظيفة توفر لها دخلًا مستقرًا من عملها في مصنع للملابس، لكن المصنع أغلق أبوابه في 2014 مع استمرار موجة التباطؤ الاقتصادي التي هيمنت على البلاد منذ 2009 وتفاقم مشكلات الصناعة في ظل عدم إتاحة العملة الصعبة الضرورية لاستيراد مدخلات الإنتاج.
وبانتقالها للعمل في السوق أصبحت أميرة في حاجة للحماية الاجتماعية لعدم استقرار دخلها وضعف ما تجنيه من عملها التجاري، لذا فالجنيهات القليلة التي زادتها الحكومة في أسعار السلع التموينية كانت بمثابة التهديد لأسرة أميرة بالجوع.
«هو فين الدعم؟».. تتساءل أميرة وهي تحكي كيف يضطرها الغلاء للاستغناء عن سلع أساسية: «من كام يوم ما كفتش فلوس التموين أكتر من إني اشتري الزيت والسكر، ملقتش اشتري عدس أو مكرونة، والبيت مكنش فيه طبخة للعيال».
سلة سلع الـ21 جنيها
بدأت الحكومة في 2014 تعديل نظام الدعم السلعي إلى الدعم النقدي، فبعد أن كانت الحكومة تطرح لحاملي بطاقات التموين سلعًا أساسية بأسعار مدعمة، وفرت لهم سلة أكبر من السلع بأسعار منخفضة نسبيًا وضمنت لكل مستحق للدعم مبلغًا شهريًا لشراء تلك السلع وصل إلى 21 جنيها في الشهر.
جدول السلع 21 جنيه
كما أتاحت الحكومة عبر آلية الكارت الذكي إمكانية استبدال حصة كل مشترك في نظام التموين من الخبز يوميًا بشراء سلع بتكلفة مكافئة لما يتم توفيره من هذه الحصة، لكن الفارق بين أسعار السلع المطروحة في منافذ الحكومة لمستحقي الدعم بعد التحول للدعم النقدي جعل الحصيلة النهائية التي تصل ليّد المواطن من السلع الأساسية أقل.
يقول المتحدث الرسمي لنقابة بقالين التموين، ماجد نادي لـ"البداية" إن نسبة الإقبال اتجهت للسلع الأساسية فقط خلال الشهر الماضي نتيجة لارتفاع أسعار السلع، لافتًا إلى انخفاض نسبة مبيعات السلع الأخرى مثل (المكرونة والشاي والأرز).

الغلاء يلتهم الدعم النقدي
وانكمشت مستحقات حاملي الكارت الذكي بشكل أكبر مع تفاقم أزمة نقص العملة الصعبة، حيث اضطرت الحكومة لتطبيق زيادات متدرجة في أسعار السلع المطروحة في ظل ارتفاع تكاليف استيرادها، خاصة في مجال السلع التي تعتمد فيها مصر على العالم الخارجي بشكل كبير مثل الزيوت.
وتزامنت الزيادات الأخيرة في أسعار السلع التموينية مع توقيع مصر اتفاق ضخم للحصول على قرض بـ12 مليار دولار، حيث طبقت الحكومة ثلاثة زيادات في أسعار تلك السلع خلال الأشهر التالية لإعلان الاتفاق في نوفمبر الماضي، بالرغم من عدم ورود أية تعهدات من الحكومة بخصوص الدعم التمويني في وثائق اتفاق القرض.
وتأتي الزيادات المتتالية في أسعار السلع التموينية في ظل توقع معدلات تضخم خلال العام الجاري فوق مستوى 10%، ولم تنخفض توقعات صندوق النقد المحافظة عن مستوى 18% بينما توقعت بنوك استثمار أن يصل التضخم لنحو 25%.
"فخ" الدعم النقدي
ويرى الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق، أن الدعم النقدي في سوق غير مستقر ومعدلات تضخم مرتفعة تعد أحد خطوات تحرير السوق، معتبرًا أن ما يحدث هو رفع الدعم عن المواطن المصري بدلا من شعارات «توجيه الدعم لمستحقيه».
وكانت الدولة بدأت ترويجها للدعم النقدي من خلال وسائل الإعلام المختلفة تحت شعار "توجيه الدعم لمستحقيه"، بداية من الألفينات مع توجه المجموعة الاقتصادية الجديدة بإدارة أحمد نظيف، رئيس الوزراء الأسبق، لتحرير السوق المصري، وارتبط المصطلح بتوصيات صندوق النقد خلال عامي 2004 و2005 لإعادة هيكلة النظام الاقتصادي والخروج من أزمة الدين العام حيث مثل الدين من إجمالي الناتج المحلي 31%.
وطبقت الدولة الدعم العيني بداية من الخمسينيات على السلع الأساسية (السكر، والزيت، والأرز، والشاي) واتسع النظام إلى أن وصل في حقبة الثمانينيات لـ 20 سلعة، ولم تمثل تكلفته وقتها مشكلة للموازنة العامة.
جدول السلع 2007
وبدأ تطبيق تخفيض السلع في التسعينيات، وفيه اقتصر الدعم على أربع سلع فقط (الخبز، والدقيق، والسكر، والزيت) واستمر التخفيض إلى أن وصل لـ"ثلاث سلع" كما توقفت الحكومة عن إضافة مواليد جديدة لنظام الدعم عام 1998.
ونتيجة لتراكم الديون على مصر ودخولها في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لإعادة جدولة الديون، بدأت مصر مرحلة الإصلاح الاقتصادي، وكانت أولى خطواته هو تخفيض الدعم تدريجيا على السلع الأساسية إلى أن يتحول لدعم نقدي ويحرر السوق، حسبما ذكر الاقتصادي "جودة عبد الخالق".

سوشيال سبيندج
وباتجاه الدولة للدعم النقدي في 2014، أشاد صندوق النقد في توصيات 2015 بنظام دعم التموين، مطالبًا الدولة بالاتجاه للدعم النقدي في مختلف الأسواق وبخاصة دعم الوقود.
"أنوار" تصرخ بعد سحب بطاقة تموينها: «بيسحبوا سجادة الدعم من تحتنا»
تصرخ أنوار أمام عربة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، معربة عن غضبها: «ذلتونا»، وتقول لـ"البداية" أنها لم تلجأ لعربات الجيش إلا مؤخرًا بعد موجة تضخم الأسعار، مشيرة لسحب بطاقة التموين من أسرتها ورفع النظام الدعم عن طبقتها رغم حاجتهم الضرورية للدعم مع تواصل ارتفاع الأسعار المبالغ فيه، حسبما ذكرت.
ورغم اهتمام الأنظمة السابقة، "بداية من عبد الناصر إلى مبارك" بدعم الطبقة المتوسطة، وفقًا للباحث الاقتصادي، سامر سليمان، في كتابه "النظام القوي والدولة الضعيفة"، تخلى النظام الجاري عن طبقة الأنظمة المفضلة إضافة للفقراء لصالح طبقة الأغنياء، حسبما ذكر الاقتصادي، جودة عبد الخالق.
وتواصل أنوار لـ"البداية": «الدولة فاكرة أنها بتلهينا بعربيات الجيش وتخفيضهم للسلع وهما بيسحبوا سجادة الدعم من تحتنا».
عدة كيلو مترات تفصل عائشة عن أميرة، حيث تجلس عائشة بسوق ملابس شبرا الخيمة المستعمل، وبينما تسعى بأقصى درجات صوتها لجذب المارة إلى ملابسها، تقول لـ"البداية": «الحياة كل يوم بتبقى أصعب، وكل حاجة بقت نار، طب ونبي نعيش إزاي».
وتواصل: «5 عيال عايزين أكل وتعليم ودكاترة ومواصلات وغيره وغيره، والواحد يوم معاه ويوم مفيش خالص، بقيت عايشة على السلف، وقدمت في دعم كرامة وتكافل ورفضوا ورقي عشان ماستحقش الدعم!».
بينما تقول إحدى زبائنها لـ"البداية" والتي اعتبرت نفسها أحد أبناء الطبقة المتوسطة: «مستوى الحياة بيتدهور بينا كلنا، مفيش حد عارف يحافظ على نظام حياته، ادينا اهه بقينا نشتري مستعمل ونقف بالطوابير على الأكل».
