الأحد 5 يوليه 2026 — القاهرة

من بوابة جنوب السودان.. المغرب توسع نفوذها في إفريقيا

من بوابة جنوب السودان.. المغرب توسع نفوذها في إفريقيا
تبحث المغرب منذ سنوات ماضية عن عودة قوية لأحضان القارة الإفريقية، فمنذ تولى الملك المغربي، محمد السادس، عرش البلاد في 23 يوليو عام 1999، بعد وفاة والده الملك الحسن الثاني، وهو يفكر في توسيع النفوذ المغربي في القارة، على خلاف والده الذي أدار ظهره إليها، واتجه محمد السادس إلى تعزيز العلاقات مع القارة العجوز، الأمر الذي ظهر جليًّا في محاولات الرباط الحثيثة للعودة إلى الاتحاد الإفريقي بعد غياب 33 عامًا.

فبعد أيام من النجاح الدبلوماسي المغربي في حشد الدول لتأييد عودة الرباط إلى الاتحاد الإفريقي، بدأت تكثف جهودها الدبلوماسية خارجيًّا؛ بحثًا عن دولة فقيره اقتصاديًّا، لكنها في نفس الوقت غنية سياسيًّا واستراتيجيًّا، فاختارت أن تكون جنوب السودان هي نقطة البداية لانطلاق نفوذها في إفريقيا وتوسيعه مقابل النفوذ الجزائري هناك.

فقد زار الملك المغربي قبل أيام جنوب السودان لمدة ثلاثة أيام، وهي الزيارة التي كان من المفترض إجراؤها في منتصف الشهر الماضي قبل تأجيلها إلى فبراير الجاري، حيث لقيت هذه الزيارة اهتمامًا واسعًا من الطرفين، وتعتبر الأولى للمغرب بعد عودتها إلى الاتحاد الإفريقي، فيما تكمن أهميتها بالنسبة لجنوب السودان في كونها دولة جديدة مليئة بالصراعات، وتعاني من عدم الاستقرار الأمني، إضافة إلى العزلة الدولية.

من جانب آخر رجح سياسيون أن تكون الزيارة المغربية بداية لمحاولات الرباط جذب الدعم الدولي؛ لتأييد موقفها في قضية الصحراء المتنازع عليها ضد الجزائر، خاصة أن جنوب السودان تعتبر واحدة من أهم الدول الداعمة لموقف الجزائر في هذه القضية، فقد استقبلت حكومة جنوب السودان في عام 2011 مسؤولين من جبهة البوليساريو، وأعلنت عن اعترافها بها وقبولها بأن تفتتح الحركة مقرًّا لها في جوبا، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

خلال الزيارة وقع الطرفان على تسع مذكرات تفاهم بين جوبا والرباط، شملت مجالات الزراعة والصناعة والاستثمار والصحة، كما شملت مجالات الخارجية وتشجيع وحماية الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي ومحاربة التهرب الضريبي، لكن المذكرة الأهم تمثلت في اتفاق البنية التحتية لعاصمة جنوب السودان المستقبلية “رامسيل”، حيث سيتكلف هذا المشروع عشرة مليارات دولار على مدى عشرين عامًا، وستشرف على المشروع شركة العمران التابعة للحكومة المغربية، وشكل البلدان لجنة لمتابعة المشروع، ستجتمع مرتين على الأقل في العام.

اعتبر السكرتير الصحفي لرئيس جنوب السودان، أتينج ويك أتينج، أن زيارة محمد السادس ساهمت كثيرًا في تحسين وجه جنوب السودان أمام العالم كدولة بدأت تتعافى من آثار الحرب الأهلية، واستبعد “أتينج ويك” الحديث المتداول عن أن الزيارة هدفت إلى جعل جنوب السودان تنضم إلى قائمة الدول التي ستقف ضد قضية الصحراء الغربية المتنازع عليها، وقال إن الزيارة لم تتناول هذه المسائل، لكنها ركزت بشكل دقيق على بناء علاقات ثنائية بين البلدين على كل المستويات.

من جانبه أشار القائم بأعمال سفارة المغرب بدولة جنوب السودان، إلى أن المملكة تنظر إلى جنوب السودان بوصفها دولة مهمة في القارة الإفريقية، وأكد أن الزيارة تأتي فقط ضمن إطار جهود المغرب للعودة إلى واجهة الحراك العام في القارة الإفريقية عقب رجوعه إلى الاتحاد، فيما قال وزير الداخلية المغربي، محمد حصاد، في حفل التوقيع على الاتفاقيات، إن بلده ملتزم في إطار التعاون بين دول الجنوب بتقاسم تجربته مع جنوب السودان في مجال التعمير؛ لبناء عاصمة جديدة لجنوب السودان، وأضاف “حصاد” أن الرباط وافقت على تمويل دراسات الجدوى التقنية والمالية لمشروع العاصمة الجديدة لجنوب السودان بقيمة 5.1 ملايين دولار، وقد أطلق على هذه العاصمة اسم “رامسيل” وتقع في وسط البلاد.

على الرغم من محاولات النفي المغربية والجنوب سودانية للأخبار المتداولة بشأن هدف الزيارة، وكونها تنصب على التأثير على موقف جنوب السودان من أزمة الصحراء الغربية ودعمها لجبهة البوليساريو، إلا أنه من المؤكد أن المغرب اختارت تعميق علاقاتها الاستراتيجية وتعاونها الثنائي مع جوبا بهدف التأثير على العلاقة التاريخية بين الحزب الحاكم في جنوب السودان وجبهة البوليساريو، فربما لا تطلب الرباط هذا الأمر مباشرة من جوبا، لكنه سيكون واقعًا عندما تتعمق العلاقات بين الطرفين.

رأى بعض المراقبين أن زيارة محمد السادس لجنوب السودان جنت بعض ثمارها المرتقبة، حيث تغيرت لهجة رئيس جنوب السودان، سالفا كير، قليلًا تجاه جبهة البوليساريو، وهو ما ظهر في البيان الذي اشترك فيه الطرفان في ختام الزيارة المغربية، والذي جاء فيه: أن “سالفا كير” يعتبر أن مسألة الصحراء مختلفة في تركيبتها وطبيعتها القانونية والسياسية عن قضية جنوب السودان، وأقر الرئيس الجنوب سوداني كذلك بجهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي لهذا الخلاف الإقليمي حول الصحراء، وأشاد الرئيس بالجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها المغرب، وفق نص البيان.

في ذات الإطار كتبت صحيفة “ذو ساوثرن تايمز” أن المغرب نجح في فرض نفسه خلال العقد الأخير كقوة اقتصادية كبرى بإفريقيا جنوب الصحراء، وأبرزت الصحيفة استنادًا لتقرير الأمم المتحدة حول الاستثمارات في العالم لسنة 2016، أن المملكة المغربية استثمرت خلال عام 2015 فقط حوالي 600 مليون دولار في بعض دول غرب إفريقيا، وأشارت الصحيفة إلى أنه في عام 2016 بلغت نسبة الاستثمارات المغربية بإفريقيا جنوب الصحراء 85 في المائة من استثمارات البلاد بالخارج، وتناولت الصحيفة أيضًا تقريرًا نشره المكتب الدولي “إرنست أند يونغ” عام 2015، والذي أكد أن المغرب أصبح مستثمرًا هامًّا بإفريقيا بإطلاقه 13 مشروعًا استثماريًّا هناك خلال عام 2014، وهو أكبر عدد من المشاريع خلال هذه العشرية.
مصدر الخبر
البديل

أخبار متعلقة